[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

عتمة – محمد العتروس

“لويس” لا يؤمن بالأشجار..
“لويس” يؤمن بالأزهار البرية التي تبرعم في الضوء وفي الظل وفي العتمة.
الأشجار للنبلاء والأشراف والملوك والأمراء والكونتيسات والماركيزات. الأشجار للأغبياء الذين لا يعتقدون في الضوء والظل والعتمة.
أما الأزهار البرية فتبرعم في حرية وتتجدد مع تجدد الفصول ولا أحد يمن عليها بالأفضال. تتسلق مثلما تشاء، وتزحف على ما تشاء.. وتكبر.

جلس “لويس” مطرقا واللوحة الجديدة تعتمل داخله.
في البداية فكر في رسم شجرة أكاسيا، ثم فكر في رسم أشجار الغابة المورقة والسماء والنهر ، ثم فكر في رسم البراري والأزهار. وفي الأخير قرر أن يرسم العتمة.في الأصل كان الكون عبارة عن عتمة.
الرحم عتمة.. والقبر عتمة.
واللوحة الحقيقية انبثاق من العتمة نحو العتمة. وقف “لويس” يتأمل قطعة القماش البيضاء الفارغة برهة ثم أخذ الفرشاة والألوان:
أقدام حافية، صدور عارية، نار مستعرة في مدفأة، قطة مختبئة خلف قدر، كلب في حجم فأر كبير ينظر إلى القطة بترقب، وأطفال وامرأتان ورجل كهل جالس خلف المائدة.. شعاع نار يتلألأ في الغرفة لإبراز الوجوه والظلال التي ترتجف، ونور منبعث من مكان ما.
هذه هي عناصر الديكور الذي يؤثث اللوحة القاتمة.
لا إطار للوحة. عتمة في الأعلى وفي الجوانب، وإضاءة خافتة مسلطة على الوجوه والأجساد وعلى الأرضية المتربة، وظلال تملأ الفضاء بفقر مدقع.
اللوحة لا توفر الكراسي اللازمة لكل شخوصها، بعضهم يجلس، وبعضهم الآخر يقف، ومن يتعب ليفترش الأرض ويمد القدمين الحافيتين.
أولا تجلس على الكرسي المرأة التي ترتدي فستانا أسود طويلا بياقتين كبيرتين بيضاوين، وغطاء رأس أبيض، وتضع في حجرها جرة رمادية، وتحمل كأس شراب أحمر بيدها.
ثم يجلس الرجل الكهل في الوسط خلف الطاولة الصغيرة المغطاة بإزار أبيض وهو يضع قفته على الطاولة قبل أن ينزع قبعته البنية الظليلة على الجانب و….
ثم تجلس الشابة الجميلة على الكرسي الثالث إلى شمال الرجل والمرأة وهي تمسك يدها بيدها الثانية.
فيما كان الآخرون إما واقفين إلى جانب المدفأة أو جالسين.الزمن كالنار لا تنتظر أحدا كي تحرق الحطب.
تحتاج فقط إلى شعلة كبريت لتستعر.
بالأمس كان صغيرا غرا يتحلق حولها.
اليوم هاهي خلفه والتجاعيد تكسو وجهه.أزمنة الشخوص مختلفة. ملامحهم واحدة.
فهل زمن تشكل قطع اللوحة زمن واحد أم أزمنة عدة؟

ينظر “لويس” إلى لوحته، الضوء المسلط على الوجوه وعلى مناطق الجسد ومناطق الظل على الجسد كلها توحي بأن أزمنة الشخوص مختلفة. ليس الأزمنة البيولوجية بل الأزمنة المتخيلة. الأزمنة التي في ذهن الفنان.
هل رسمهم دفعة واحدة؟ هل رسمهم أصلا أم انبثقوا من فرشاته وتدفقوا من ألوانه كتدفق الماء من عين جبلية أو كانقذافه وقت الاشتهاء؟
بداية رسم المرأة.. ثم رسم الرجل الكهل ثم رسم مدفأة وحطبا ولهيب نار مشعا وعتمة تملأ الخلفية.أصل الوجود امرأة..
إذا خلقت حواء من ضلع آدم،
فإن المرأة في لوحتي تخلق رجلها.
تشكل قبل تشكل الرجل.
لأنها المرأة التي تحمل الجرة التي تحمل الماء
وتحمل النبيذ وتسقي الرجل.
الأزمنة كلها تعترف بفضل الأنثى في ولادة الحياة
إلا أصل الحكاية الذي يقر بفضل الضلع
في صناعة الحياة لصناعة الحياة.شكل المرأة ببساطة فنان قوطي بألوان…. ملامح وجهها حزينة، ظلال قاتمة تحيط بالعين وجانب الخد الأيمن، وتجاعيد ونتوءات بارزة… أجلسها على كرسي، مكتملة الجسد وفي الجهة اليمنى للوحة قريبا من الوسط، فيما شكل الرجل الخلفية جالسا إلى طاولة بثياب رثة ممزقة الأطراف…
… كان ناقص الجسد.
هل لاكتمالها ونقصانه علاقة بما هو جنسي وبما هو سيكولوجي وبما هو أنتروبولوجي؟

لم يتساءل الفنان وهو ينتهي من لوحته، كل ما فعله أنه وقف أمام الضوء والظل مشدوها. لم يكن يدرك مصدرهما، كان فقط يلمس سقوطهما على الوجوه والأجساد وعلى الأرضية المتربة. لكن لهيب المدفأة في الخلفية أشاع نوعا من الحركية والحياة وأضاءت له فكرة، فرسم شابة جميلة ممتلئة الجسد جالسة على كرسي. لا نعمة بادية عليها، شابة كلها شقاء وتعاسة، حتى الابتسامة التي تحاول أن ترتسم على الشفتين، تتوقف عند حدودهما وتموت.
ثم رسم طفلا عاري الصدر حافي القدمين يمسك نايا بين أصابعه ويعزف لحنا شجيا. اللحن الشجي يملأ الغرفة حزنا يمتد إلى الطفل الذي رسمه الفنان تاليا يقابل المدفأة ويدير ظهره للناظر في اللوحة، جسده الضامر كان يخفى إشعاع نار المدفأة بل يغير مساره ليكشف عن وجه فتاة تلف رأسها في منديل، وتقف في الخلف مباشرة وراء ظهر المرأة.لولا الناي لما استطاع أن يتحمل عناء الأيام..
كان في كل مرة يشعر
بالتعب أو بالإعياء أو بالاكتئاب أو بالضجر
وغالبا ما يشعر بهم مجتمعين
يلجأ إلى الناي ليعزف مقطوعة شجية ويحلق بعيدا.
ولولا النار لما طوع الإنسان الناي ولا الزمن ولا المكان.عائلة على مائدة العشاء لا بد لها من ماعون ومن قدر وسلة خبز وأدوات مطبخ… رسم كل ذلك باقتضاب، ثم رسم طفلة تختفي وراء الشابة وتمسك بكرسيها وبطفل يكاد وجهه وقدماه الحافيتان البيضاوان يضيئون المكان. بسمة حقيقية.. الوحيدان اللذان بسمتهما حقيقية ومكتملة: الطفل والطفلة.تملى الفنان جيدا في اللوحة، تساءل:
ـ ما الحقيقي في هذه اللوحة؟ الطفل والطفلة أم الرجل الكهل والمرأة؟
وحين أعاد التملي فيها أدرك أن ظلال الشخوص لا تنعكس على بعضها، فأدرك أنها تشبه تماما صور الموتى التي لا ظلال لها. أدرك أن كل قطعة رسمها كان يرسم فيها ذاته وكان يرسم نفسه صغيرا فشابا فكهلا ويرسم نفسه وهو واقف وهو يعزف على الناي وهو جالس إلى الطاولة ويضم إلى صدره قفته…
حين أعاد النظر إلى اللوحة من جديد أصبحت عبارة عن عتمة. لم يكن فيها من شيء حقيقي سوى الكلب والقطة. على الأقل هما لم يعودا ينتميان إلى هذا العالم الرديء لا جسدا ولا روحا.والظلام يخيم على المكان جمع حامله ولوحته… ودخل

عن نازك الملائكة

شاهد أيضاً

موال الشجن – سميرة فرجي

سَمِعَتْـكَ يَا بَحْرَ الأسَى أشْجَانِـي تَشْكُو جِرَاحًا حَـرُّهَــــا أضْنَانِـي إنِّي أرَاكَ بِعَـيْـنِ قَـلـبِـي بَاكِيـــًا وكأنَّنِـي …

اترك تعليقاً