[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

صديق واحد – محمد بن يوسف كرزون

لا يعرف (أبو اللّول) من أين جاءته هذه الكنية، فهو قد تجاوز الخمسين منذ عدّة سنوات، ولم يتزوّج، ولم يأتِهِ (لول)، أولم تأتِهِ (لؤلؤة)؛ فهو زاهد في النساء، فما بالك في الزواج؟ ومع ذلك هو يحبّ كثيراً هذه الكنية. ولِمَ لا؟ فهو رجل مثل بقية الرجال، وليس يليق به أن يُنادى باسمه مجرّداً.

أبو اللول هذا يعمل (صيّاحاً)، نعم، لا تستغربوا، صيّاحُ ماذا؟ صيّاحُ سيّارة أجرة (سيرفيس) حيّ طريق الباب، وأحياناً حيّ الحيدريّة؛ فهو يصيح من الفجر الأوّل إلى ما بعد الغروب بأعلى صوته، لينادي على الزبائن أن يركبوا سيّارة معلّميه. نعم هو له أكثر من معلّم، معلّمهُ الأوّل منذ الفجر وحتّى الثانية بعد الظهر (أبو عمر) وهو سائق متفرّغ، ومن الثانية بعد الظهر وحتّى العشاء (أبو أدهم)، وهو معلّمه الثاني، وكلّ واحد منهما أصغر منه سنّاً، ومع ذلك لا يتوقّفون عن كيل الشتائم له والسّباب، ربّما على عدد الركّاب، أو على عدد الليرات التي يجمعها من زبائنه.، ثمّ هم يُظهرون نزقهم منه لأيّ حديث يستمع إليه من أحد الركّاب، وربّما لانتباهه لحوار بين راكبين أو راكبتين.

ورغم أنّه (صيّاح)، فلا تكاد تسمع صوتَهُ لا في العمل ولا في الحيّ إلاّ نادراً، فالجملة عنده عصيّة، ومن أجل تأمين حاجيّاته، أو الدفاع عن نفسه من اتّهام، أو التعبير عن سرور، لا تكاد تسمع منه إلاّ كلمة واحدة أو كلمتين، إمّا بصوت خفيض مليء بالحياء، وإمّا بصياح فيه زمجرة الأقوياء.

يحاول كثيرون من مالكي (الميكرويات) أن يستميلوا قلب (أبو اللول) للعمل معهم، ويغرونه بأجر أكبر ممّا يتقاضى.، يهزّ كتفيهِ إلى الأعلى، يقول (ما!)، وأحياناً يكرّرها ثلاثاً، تعبيراً عن الرفض.

أبو اللول معروف في حيّ (كرم القاطرجي) منذ زمن بعيد، منذ أن كان له صديق يُدعى (أبو رحمو)، كانا متحابَّيْن، تراهما في أوقات الفراغ مع بعضهما بعضاً لا يفترقان، يحبّان أكل (الفول المدمّس) ليس لوحدهما فقط، بل يجمعان كثيراً من رجال الحارة، وهما لا يشتريانه جاهزاً، بل يجهّزانه منذ أذان الفجر على نار هادئة.

وعندما مات صديقه (أبو رحمو) صار القبر صديقه، فهو لا يتوانى عن زيارته كلّ صباح، وقبل كلّ غروب، وكان مروره دقائق معدودات، ينتهزها من عمله ببراعة نادرة، لا تزعجُ أيّاً من معلِّمَيه.

يتجمّعُ حولَهُ أولاد الحيّ وشبّانه، يسألونه: كيف مات أبو رحمو؟ يجيبهم بعد إلحاح: مات وانتهى، وما لكم في الرجل؟ ألم يكفكم الأحياء حتّى تلحقوا الأموات؟ ثمّ يعلّق قائلاً: يا ليتني أموت كما مات. ثمّ يهرب منهم إلى غرفته الصغيرة التي تركنُ في زاوية معتمة من الحيّ.

وحقيقة الأمر أنّ (أبو رحمو) مات فجأةً، بعدَ جِدال مع معلّمه، الذي قال له بعد عشرين سنة من العمل معه: «أبو رحمو، هذا حساب أجرتكَ هذا الأسبوع، وهذه فوقه إكراميّة، ومن الغد ابحثْ عن عمل آخر».

يا ربّي! ماذا فعلتُ؟ وكيف سأعيش؟ عشرون سنة وأنا في خدمته، ولم أزعجه يوماً، ومنذ يومين وأنا مريض، ولم أقدر على الذهاب إلى العمل، هل هذا ذنبي؟ هل لي ذنبٌ آخر؟

وعاد إلى بيته، وبكى كما لم يبكِ من قبل، لا لشيء، إلاّ لغموض معلّمه، ولجهله سبب الغموض والموقف. لم يعلمْ ببكائه سوى أبو اللول، فقد قضى معه ساعات قبل أن يدخل بيته، وهو الوحيد الذي عرف شيئاً من سبب حزنه.

لم يفهم أحد من أهل بيته سبب البكاء، ولا شعروا باشتداد المرض عليه، تركوه يذهب إلى فراشه، لعلّه يغالب المرض، وعندما دخلوا إليه في وقت متأخّر من الليل وجدوه قد انتهى؛ لا حركةَ لِجسده الأصفر الشاحب.

لم يتمكّن من (التصبيح) على أبو اللول، لأنّ الموتَ قد أتاهُ وانتهى، فلم يخطر على باله أنّ لقاءه بأبو رحمو هو آخر لقاء.

أبو اللول لمن سيشكو همّه بعد اليوم؟ ومن سيحضّر الفول معه؟ ومن سيبادله الحديثَ عن الهموم الكثيرة؟ ومن سيساعده على الزواج من أختِ أبو رحمو؟ هو أحبّها لأنّها أخت أبو رحمو.، صحيح لم يتكلّم معها ولا حرف، ولكن نظراتها له ونظراته لها تجعل قلبه يطير فرحاً، وينتظر الفرح القريب، وأبو رحمو صارحه بموافقتِهِ على زواجهما.

وفجأةً، وبعد أيّام من وفاة أبو رحمو يضجّ في الحيّ خبر خطوبة (فريدة)، أخت أبو رحمو من المعلّم، لم يصدّق ما سمع: أسبوع واحد فقط مضى على وفاة أخيها، معقول أن تُقْدِمَ أسرتها على خطوبة من هذا النوع؟ الناس في بلادنا ينتظرون حتّى مرور أربعين يوماً على الأقل، ثمّ هي كيف وافقت؟ وتطاولت أسئلته، وكثرت، حتّى التفّتْ عليه، وملأت غرفته حتّى السقف، حرّكَ يديه وكأنّه يدفع خيوط الأسئلة وحبالَها عن رقبته، ونامَ.

في الصباح، تذكّر صديقه مثل كلّ يوم، ونسيَ الدنيا كلّها، سوى أن قدّمَ لأختِ أبو رحمو باقة ورود صغيرة وقال لبائع الورود: اكتب عليها (أبو اللول يتمنّى لكِ السعادة والخير).

ومن يومها لا يتكلّمُ أبو اللول، هو يصيح، صيّاح، ولكنه لا يتكلّمُ إلاّ مع أحجار قبر صديقه.

هوامش:

1- كتبتُ الكنية (أبو رحمو) دون إخضاع لقواعد النحو، لأنّ أهل حلب يلفظونها هكذا، وأنا تركتها مبنية على الحكاية.

2- الميكرو: هو الميكرو باص سيارة نقل متوسّطة الحجم تتّسع لما بين 7 إلى 13 راكباً، حسب نوعها.

 

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

افتتاح موقع “أزهار الحرف” __ غادة الحسيني

كتبت من بيروت: غادة الحسيني تم افتتاح موقع “أزهار الحرف” المنبثق عن (ملتقى الشعراء العرب). …

اترك تعليقاً