[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

زواج خارج الرشد – عيسى حموتي

 

“جلس ولي أمر العروس واضعا يمناه على يسراه، متكئا على عصا انتصبت بين ساقيه المتواريين خلف جلباب عريض، في تواز معهما. ولحيته الكثة بدون تشذيب أو تهذيب استبد بها بياض كاد يخفي كل سوادها، تخفي معالم وجه بارز العظام وتغزو مرابع خده، وامتدت نحو الأسفل لتحتل مساحة العنق. أعطيت من الحرية ما زاد عن حاجتها، أما شارباه فمضروبان يكشفان عن شفتين لمياوين من أثر السواك، يضع على رأسه عمامة حال بياضها، أفقدت كل تناسق مع الجلباب، عمامة تحرم الشعر من نعمة الهواء والأكسجين حتى غدت الحياة تحتها مستحيلة، أضحى الرأس تحتها أجرد كصخرة ملساء، وما يدريك أن هذا الحرمان قد طال أثره محتوى الجمجمة، وإذا كان الأمر كذلك فالأذنان قد لحقهما نفس المصير. يرتدي عباءة واسعة يمكن أن تسع ثلاثة أجساد، تبذير نتج عنه نقص في العرض أمام الطلب حتى أضحى غلاء الأسعار يضطر الشباب إلى الاقتصاد في الثوب يكتفون بسراويل الهابطة لا تستر عوراتهم إن على مستوى المؤخرة أو مستوى البطن، واللاصقة على الجلد حتى لكأنها شهادة تصريح بالممتلكات الجسدية أو بعبارة أوضح، يحرم شخصين آخرين من نعمة اللباس.. قبل أن ينبس الشاب معبرا عن الرغبة في الزواج من الشابة، من فراغ، انتصب أحدهم واقفا، يشع وجهه نورا، حليق الذقن، عاري الرأس تعلو محياه ابتسامة رقيقة، حاد النظر، واثق النفس.. طلب أحد العدلين من العريسين، وولي أمر العروس، الاقتراب، وشد انتباهه تقدمُ الوجه الباسم، فسأله عن هويته وقرابته وسبب حضوره وتواجده. فرد بصوت عذب يخنقه الأسف.. انتبه له الولي ظانا أن ارتباكا قد ألم بالرجل بوجوده، وقال:

  • تحدث يا رجل! لا تستح ولا تخش شيئا!

رد بنفس الصوت:

  • أما عن هويتي، فأنا “جوهر”، وأما علاقتي بالعروسين، فهي سبب تواجدي هنا اللحظة -في الحقيقة لدي رغبة في إنشائها معهما- وكان عليهما الحرصُ على توثيقها معي من تلقاء نفسيهما منذ وقت بعيد، ربما كان مانعهم جملة من العوامل التراثية.

التفت الولي إلى العدلين، دون أن ينبس، فتحركت الرؤوس حركة إنكار ودارت العيون في محاجرها معلنة شجبها، والتفت الولي من جديد ناحية جوهر.

  • لكن كان من الممكن أن تربط علاقتك وتوطدها في زمان ومكان غير هذين..
  • أعذر تطفلي سيدي الولي، لكن حضوري هنا الآن في هذا الظرف اضطراري ومصيري، يعني في لغة الرياضيين أن لم يعد للعروسين سوى الوقت بدل الضائع، فإما ان يتراجعا عن قرار الارتباط ونستغل هذا الوقت في إنشاء علاقة تؤسس لحياة الرخاء والاستقرار، ونتجنب المشاركة في تأزيم الوضع، وإما أن يمضيا فيه ولن نستطيع أبدا تدارك الموقف وتضيع العلاقة ويتضرر المجتمع مما هما مقبلين عليه.
  • هل أنت مغرم بالعروس وترفض زواجها من الشاب؟ لا بد أنكما تتنافسان على حبها وأنا لا أعلم بذلك، وبعد ما علاقة المجتمع بهذا الزواج؟
  • لست مغرما، ولست منافسا، لكن محبا، وحبي لهما معا جزء من حبي للخير في هذا الكون الذي أغار عليه وحبي للإنسانية التي يسار بها نحو للامعقول، أنا هنا لأقف إلى جانب هذين المقبلين على الزواج بكل قوتي من خلال وقوفي ضد حصول هذا الزواج.

ضحك الجميع سخرية من موقف هذا الدخيل معتبرين جوهر أصيب بمس حتى أضحى بدون جوهر.

أما الولي فسأل:

  • لمَ تعترض على هذا الزواج؟ فيما يضيرك؟
  • لأنه بكل بساطة تنعدم فيه أدنى شروط الزواج. يجهل المقبلان عليه معنى مؤسسة العائلة، وما تستدعيه من وعي، وعلم بأساليب بمبادئ التربية الحديثة والإعداد السليم للنشء. ومن قصور في إدراك مسؤوليات المؤسسات الاجتماعية والإدارية والعلاقات التي تربط بينها.. وفي هذا النوع من الزواج، ضير للبلاد وأنا وأنت وغيرنا أجزاء من هذا الوطن ومن العالم، هذا النوع الزواج وغيره من المؤسسات هي ما يجعلنا لقمة سائغة لغيرنا..

كان الولي قد وضع الجهاز المساعد على السمع وقال:

  • لا أرى ما تتحدث عنه، سوى ضرب من الهذيان. إذا كان المقبلان على الزواج بالغين وعاقلين ومتفقين وراضيين وهذا أنا وكيل العروس أزكي هذا الزواج وأباركه فلا عائق يمكن أن يحول بينهما إلا مشيئة الله. ليت الشباب يقتدي بهما ويسارع إلى الزواج، لتجنب العنوسة وللابتعاد عن الموبقات.
  • سيدي الولي لا أختلف معك في أن للزواج إيجابيات، لكن ما يتنافى مع الصواب ينعكس سلبا على مؤسسة الزواج، وما لم يخطر لك على بال أو أنك تصطنع عدم معرفتك به، هو انتفاء صفة الرشد عند هذا النوع من العروسين، أو بمعنى آخر أنت تزكي قران الجهل والأمية. هل تسمح أن أستأذنك في بعض الأسئلة؟
  • تفضل.
  • ألم تقل إن العروسين راشدان؟
  • بلى.
  • هل لديك ما يثبت ذلك؟

ضحك الشيخ ملء شدقيه، وأطال الضحكة، ليربح وقتا كافيا لتحضير الجواب، قهقه حتى أشفق عليه جوهر، وقال:

  • يعوزك الجواب، أما أنا فلدي دليل قاطع على أن العروسين غير راشدين، وكيف يعقل أن يكون غير الراشد في مستوى المسؤولية؟
  • أي دليل هذا؟
  • ما سبب تواجدك هنا؟
  • للموافقة على هذا الزواج أو عدم الموافقة عليه.
  • ألا يكفي أن توافق عليه المعنية بالأمر بنفسها لنفسها، ما دامت راشدة وعاقلة؟ أيحتاج الراشد إلى من يتولى أمره؟ أما بالنسبة للعريس، بالله عليك كيف يرضى لنفسه زوجةً من تحتاج إلى ولي يتولى أمرها الذي تعجز عن توليه بنفسها، وينوب عنها غيرها، ترى هل سينوب عنها في معاشرة زوجها؟.. حسبك هذا دليلا، وبعد، انظر إلى ما يؤول إليه هذا النوع من الزواج بُعيْد حصوله، لا بد أن العدل قد وثق كل زواج أشرف على تحرير عقده، كما لابد أنه وثق كل عقود الطلاق التي حررها، ولابد أيضا أنه قام بتوثيق إحصاء نسبة الطلاق بالنسبة للزواج، وما يترتب عنه من إهمال لمؤسسة الأسرة، إذ تلقى الأم في الشارع صحبة ما انتجت بطنها من نسمات. كما أن لابد أنه وبناء على تلك الإحصائيات حرر تقارير يرفعها إلى الجهات المسؤولة عن شؤون الأسرة حتى تقف على المشاكل التي تتخبط فيها الأسرة، وتعمل على تلافيها مستقبلا. فاسأله عن تقييمه الخاص؟

دون أن يتلقى السؤال من الولي أجاب العدل:

  • أما التوثيق ففعلت أما الإحصاء فلم أوله أي اهتمام، وأما التقارير فليس هناك جهة تطالب بها..
  • هذا دليل على الإهمال المقصود لمؤسسة الأسرة، يبدو أن كل الانشغال منصب على التزويج والتطليق ولا يهم البحث عن أسباب فشل أو نجاح هذا الزواج، بقدر ما يهم إنتاج الجهل والأمية في معامل الزواج وبمعدل إنتاج جد مرتفع، أعلى نسبة الزواج في البلاد والطلاق هما أحد المعاهد العليا التي تسهر على إنتاج البؤس في أرقى مظاهره. حتى أصبح المجتمع حقلا خصبا تنمو في تربته كل المتناقضات تحتضن الأجسام الغريبة بمختلف هوياتها.. لو كنا ننتبه لدوافع الزواج ولأسباب الطلاق كنا تجنبنا العديد من المشاكل والآفات الاجتماعية بعدم الترخيص بالزواج لمن لا تتوفر فيهم شروط الزواج. فالزواج مؤسسة وإنشاء مؤسسة ليس بالأمر الهين لا تقوم ركائزها على البلوغ والعقل والولي، مع تحفظ شديد على معنى العقل بالمفهوم المتداول.

استنكر الولي:

  • هل ترى أن هذين الشخصين لا تتوفر فيهما شروط الزواج؟ انظر إلى طول العريس وعرضه وإلى اكتمال أنوثة العروس وهما راضيان تشع الفرحة من وجهيهما.
  • هل عقلت الحكمة الشعبية القائلة: “إن زواج ليلة يقتضي تدابير سنة”؟ هل لديك فكرة عن آليات التدبير؟

أفترض من خلال فهمي لكلامك أن اكتمال الأنوثة وعرض المنكبين والبشاشة وإشعاع الوجه هي أهم شروط الزواج أو بمعنى آخر يقوم الزواج على اكتمال الجسد عند العروس، أما العقل فيمتلكه ولي أمرها. وكأن ولي الأمر هو من يتدبر أمور حياتها، يحدد مواعيد رغبتها وحالات عدم استجابتها، يعمل على تنظيم أسرتها والإشراف على تربية أبنائها وأن الزواج يقوم على مقومات مادية وله أبعاد مادية فقط، دون أن تلتفت إلى أهم ما كرم به الله الإنسان، وأنتم تعملون على إلغائه. ولا يختلف عاقلان أن العقل في حاجة إلى العناية، والرعاية حتى تتوفر له شروط النمو السليم.

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

من يوميات كُتّاب حينا  __ الحسين ليمام

… كغيره من أقرانه لم يكن فراشهم إلا حصيرا خشنا يكتظون فوقه، وهم أمام ألواحهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *