[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

رواية شيشنق الأمازيغي الذي حَكم مصر “الفصل 5” – أحمد حضراوي

ما زال يتسكع نحو نزل يدل عليه ممتعا ناظريه بمعالم أثينا التي نبتت في سهلها وساحلها وهضبتها العالية التي يحسبها الغرباء جبلا لأول وهلة، وما زال ذلك الفتى اليافع الذي تدل ثيابه الرثة على شدة فقره، كمن يبحث عن صاحب قلب طيب يجود عليه بقطعة فضية، أو لصا يحاول أن ينتهز فرصة من ضحيته. لم يكن قد أدرك بعد أن شيشنق قد اكتشف أمره وأحس بتعقبه له منذ أن أنفت قدماه القرع على الخشب وقرعت خطاها على اليابسة.
– أنت هناك خلف العامود الكبير.
بادر بصوت منخفض لكن بنوع من الخشونة:
– لماذا تتعقبني منذ أن وصلت الميناء؟
مرت لحظات قبل أن تبرز عيون بريئة في عتمة ظل العامود المرتفع، عيون بريئة لكن شرسة، تنظر إليه ببعض القوة وكثير من الحذر، ولسان يتحرر من فم صغير ينبس بأول كلمة ترهف أذنه في هذا العالم الجديد:
– أنت الأمازيغي الذي ألقى بكلب السيد “أخى توفال” لأسماك القرش؟
– أظنني هو -رد شيشنق-.
– وهل تلقي أيضــا بالأطفــــال إلى البحر إذا ما أزعجوك -سأل الطيف-؟
– هذا صحيح، خاصة أولئك الذين لا ينامون ليلا ولا يهدؤون، أو الذين يتعقبونني ويتجسسون علي ويتخفون خلف الأعمدة.
نظر إلى الفتى الذي تسمر مكانه من هول صدمة إجابته ثم أطلق قهقهة عالية:
– لكن لا يبدو عليك أدنى خوف مني، تعقبت خطاي رغم علمك بأني غول الأطفال هههه -أجاب شيشنق-.
– أنا لا أصدق مزاعمك هذه، لا تبدو شريرا إلى هذه الدرجة -قال الفتى بكل ثقة-.
– شريرا إلى هذه الدرجة، وإلى أي درجة تظن أن شري يمــكن أن يصــل؟ -تعجب شيشنق-.
– لا أحسبك شريرا على الإطلاق، أنت أمازيغي -رد الفتى-.
– مقارنة مع سنك الصغير، يبدو أنك تدرك أشياء كثيرة -قال شيشنق-.
– ربما -أجاب بثقة الفتى-.
– سأختبر معارفك إذاً -قال شيشنق-.
– تفضل -أجاب الفتى-.
– هل لك أن تدلني على خان مناسب؟ -سأل شيشنق-.
– ظننتك تحدث عن اختبارك لمقدراتي المعرفية -رد الفتى مستغربا-.
– وذلك ما قصدته بسؤالي -أضاف شيشنق-.
تريث يانس قليلا قبل أن يرد حتى أدرك أن السيد الأمازيغي لا بد مجهد من رحلة البحر وبأنه فعلا في أمس الحاجة إلى الراحة، وافق على طلبه وطلب منه أن يلحق به إلى فندق الزوج المصري فهو في نهاية الطريق جهة اليمين، فندق قد يلبي حاجته ولو لبعض الوقت، فالرجل الأمازيغي يبدو من الوجهاء ولن يرتاح إلا إذا استقل بيتا رحبا يليق بمثله.
حاول مساعدته في حمل حقيبته لكنه لم يستطع ململتها من الأرض وقد كانت ثقيلة جدا، استغرب للمسافر الذي لا يتمنطق لا سيفا ولا خنجرا ولا أي سلاح آخر، وكأن شيشنق انتبه إلى ما يفكر فيه فأردف:
– يكفي أن يكون المنطق عدتك لتحيا في هذه البلاد، إنها ليست كالغابة الكبيرة التي أنحدر منها يا بني.
– المنطق! هل أنت من أتباع محفل الحكماء الكبير؟ لكن عن أي غابة تتحدث؟ -سأل يانس-.
– اطلعت على ثقافة الإغريق في بلدي وأتيت هنا لأطلع أكثر على قيم جديدة، يقولون إن هذه الأرض تنبت معلمين حكماء -عقب شيشنق-.
– إذاً درست في برقة؟ -سأل يانس-.
– لا، أنا درست بهنينسو -أجاب شيشنق-.
– آه أنت إذاً من الأمازيغ الذين تنكروا لحضارتهم وأصولهم، ورضوا أن يكونوا في خدمة السيد المصري! -قال يانس-.
– ويحك ماذا تقول، أنا سيد بن سيد، أبي نملوت أحد كبار قادة الجيش المصري العظيم – رد بغضب شيشنق-.
– الجيش المصري العظيم هههه، ذاك الذي عماده أمازيغ يمنعون بني جلدتهم عن الوادي المقــدس، ويتركونهم يموتــون ظمأ على ضفته اليسرى -عقب يانس-.
– ما أجرأك عليّ أيها الغلام الصغير، ولكن ما أدق معلوماتك عن البلاد البعيدة عن بيتك الصغير هنا -رد شيشنق-.
أطرق يانس رأسه حزينا، صمت لبرهة ثم تابع كلامه بصوت يكاد يبين:
– كان أبي يشتغل بالميناء قبل أن يتعرض للحادث الذي أودى بحياته، كان يحكي لنا -أنا وأمي- الأخبار التي يتناقلها البحارة القادمون من الإسكندرية وبرقة والكثير الكثير من مغامراتهم. كما أن خالتي التي تزورنا من مصر باستمرار تخبرنا عن كل المستجدات هناك، عن حكامها وشعوبها وأهراماتها، كم أحب أن أستمع إلى حكاياتها وأنا أتناول الحلوى التي تجلبها لي من جزيرة كريت.
– أراك تحسن القبطية مثلي واللاتينية أيضا، هل أنت مصري أو من أصول مصرية؟ -سأل شيشنق-.
– هل تهزأ بي؟ أنا من قبيلة التحنو الأشاوس ولن أرضى أن أكون مصريا أبدا -رد بكبرياء يانس-.
– أووووه لا تغضب يا فتى، أمازيغي بأثينا، شيء مفاجئ لي حقـــا -مازحه شيشنق-.
– تنقل أبي كثيرا خلال عمله كبحار حتى استقر به المطاف هنا، لقد قتله قبطيان مخموران أمام الحانة التي تطل على ساحة المدينة، هناك غير بعيد، أرادا أن يسرقا عربته لكنه قاومهما، فكان أن تلقى طعنة أحدهما بظهره، إني أكره هؤلاء المتكبرين، وسأنتقم له منهم يوما ما -رد بحزم وحزن يانس-.
– وكيف ستنتقم له يا صغيري؟ -تساءل شيشنق وقد وضع يده على كتفه مواسيا-.
– سأكون فارسا من فرسان الجيش الذي سيغزو أرض النيل ويلقن الفرعون درسا -رد يانس بحزم-.
– ههههه، الجيش الذي سيغزو أرض النيل، وهل من يستطيع أن يغزو أرض الفراعنة أو حتى أن يفكر في الأمر يا صغيري؟ -علق ضاحكا شيشنق-.
– إنها النبوءة، وأنا على يقين أنها ستتحقق قريبا وقريبا جدا، يكفي أن يبعث لنا البحر الرجل الذي ولد عند سفح الجبل، والذي يحمل آثار الماء والصخر على جسده جراحات -أجاب يانس-.
اهتز شيشنق وهو يسمع حديث الفتى عن النبوءة بكل هذا اليقين، ويتحدث عن آثار الجراح التي على جسده وكأنه يعرف مواضعها وأدق أدق تفاصيلها، وضع بشكل لا شعوري بطن يده اليمنى على ظهر يده اليسرى ليتحسس الجرح الذي كبر معه ولم يدرك مغزى رسمه بعد، انتبه ليانس الذي تتبع حركة يده وقد شعت عيناه فجأة، ترى هل لمح الجرح بظاهر كفي، هل رأى الجرح الآخر الذي أخفيه بشعر مقدمة جبهتي، لقد أصبح مجرد نقطة صغيرة يحسبها معظم أصدقائي خالا، لكن هل سينتبه إلى حقيقته، هل سمع عن ذلك الذي وشم ركبتي أيضا؟ ومن أين له كل هذه الثقة بشيء لا يمكن إلا أن يكون مستحيل التحقيق، أنا شيشنق بن نملوت، من حاشية الفرعون، ما كل هذا الهراء، بل ما كل هذا الحمق؟
– وصلنا إلى الخان سيدي – قطع عليه يانس شروده-.
تنبه شيشنق إلى أن الحديث مع يانس قد سرقه حتى وجد نفسه أمام ما أخبره أنه خان المصريين، ناول يانس قطعتين فضيتين وودعه، دخل الخان فتأكد من مصرية أصحابه، رائحة الفول والبصل القوية التي تزكم الأنف، المتطايرة رائحتها ليس من خلف باب المطبخ بل في كل المكان، منظر المدخل والباحة المتسخ اتساخ باقي المكان الذي يكاد يصرخ من رثاثته، فكر أول الأمر في الخروج ناجيا بنفسه غير أن ابتسامة صاحب الخان سبقت توجساته وأضرمت حلمه:
– أهلا وسهلا بك سيدي، لدينا غرفة تليق بك وستشعر فيها بكل راحتك، أما ما تراه من إهمال فنحن آسفون جدا عليه، نحن ما زلنا ننتظر الخادم الذي تأخر، بعدما ستستريح من سفرك وتستيقظ، سيكون كل شيء على ما يرام.
– حسنا أتمنى ذلك -رد مضطرا شيشنق-.
– سيدي نحن في خدمتك ومستعدان لتلبية كل ما تريده لتحقيق راحتك،- أردف المصري وهو ينقل نظراته بين شيشنق حينا وزوجته التي أخرجها فضولها من المطبخ حينا آخر!-.
لاحظ شيشنق أن ملامح زوجة المصري لا تبدو ملامح عادية، فبرغم سمنتها المفرطة، فإن لون وجهها يوحي بأنها تعاني من آلام حادة، تتجلى في أناتها التي تتخلل كل حركة لها، غير أن تعبه المفرط شغله عن كل شيء آخر حينها غير نفسه.
ما زالا يحدقان به ويبتسمان في وجهه كالأبلهين كلما التفت نحوهما، أدرك أن ابتسامتهما لم تكن مجانية أبدا وأنهما يتطلعان إلى شيء ما من ورائها، كانت القطع الفضية التي أبى يانس أخذها منه هي ما جعل لعابهما يسيل. ناول الزوج إحداها ثم صعد إلى غرفته ليستريح من صدى الموج الذي تشبث بعضه بثنايا حقائبه.

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

قراءة في مداخلة مساعد وزير خارجية أمريكا __ ذ. إبراهيم أتحاش

    تابعت مداخلة مساعد وزير خارجية أمريكا في لقائه الصحفي بعد لقاء بوريطة .. …

اترك تعليقاً