[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

ديوان الشعر المغربي: نجاة الزباير – الطيب هلو

يمنح ديوان ” أقبض قدم الريح” للشاعرة نجاة الزباير، ومنذ عنوانه، قارئه مساحة خصبة للتأمل والدهشة. فالفعل المضارع (أقبض) المرتبط بضمير المتكلم، بدلالته المزدوجة على الفعل والحركة، وعلى الحاضر والاستمرارية، يقدم للمتلقي مفتاح الحضور السردي، في الوقت الذي يقدم الانزياح ( قدم الريح) مفتاح الحضور الشعري. فيكون القارئ بذلك مالكا لرؤية جدل الشعر والسرد في هذا الديوان.

من هنا يدخل القارئ مزودا بهذا التوقع والاحتمال، ومسلحا بالذكاء الضروري لكشف الحدود الفاصلة بين السرد والشعر.

ونظرا لكثافة الحضور السردي في هذا الديوان؛ إذ لا تكاد تخلو منه قصيدة، فقد ارتأينا التوقف عند نصين شعريين فقط، رأينا أنهما كافيان لإضاءة هذا الحضور.
ففي القصيدة الأولى” قصيدة متسولة” تمتطي الشاعرة المقومات السردية، فتبدأ نصها بالوصف، وصف المدينة التي تغسل وجهها الأمطار قبيل الليل، ممهدة بذلك للحدث من جهة، وكاشفة عن الخفايا النفسية والمواقف الذاتية من المدينة. تقول الشاعرة:

الأمطار تغسل وجه المدينة
والليل يجمع حقائبه
وصف مختصر ودال، يعبر عن الزمن ( الغروب) والحالة الطبيعية ( المطر) والحالة النفسية (الحزن والتذمر من حال المدينة). وقد ساهمت الجمل الاسمية في إبراز الثبات، في الوقت الذي منحت الأفعال المضارعة الوصف سمة الاستمرار. لتنتقل بعد ذلك إلى الحدث موظفة لفظا دالا على كسر التوقع والمباغتة ( فجأة) وهو لفظ مغرق في النثرية، وظف توظيفا مناسبا في خدمة الحضور السردي، وللانتقال من الوصف إلى الحدث.
فجأة طرقت بابي قصيدة متسولة
كانت بين يديها جزر من المعاني
تصطاد لوعتي
دحرجتني فوق بساط السؤال
يمتزج في هذا المقطع الحدث والوصف. فالحدث هو الزيارة المفاجئة للقصيدة المتسولة ودحرجتها للمتكلم على بساط السؤال، يتخلله وصف القصيدة بكونها متسولة، ثم إنها تحمل بين يديها جزرا من المعاني.
لتنتقل الشاعرة بعد ذلك إلى الحوار بين المتكلم/ السارد الأنثى والقصيدة المتسولة التي تبدأ الكلام:

وقالت: “هلمي إلي”
أغلقتُ جروح وطني المفتوحة
وقلت: ـ ” ارحلي فكأسي صهريج دمع
وفراشي هدير أرض
والأحلام مقصلة في كل الدروب !”
قالت: ” إليك هذا الورق الطريد”
تبسمتُ: ـ ” أفيه حكايات عن الهوى؟”

تعود الشاعرة بعد ذلك إلى الوصف والسرد، وصف القصيدة المتسولة التي ( جلست في لهفة الفاتحين) وهذا الوصف مزدوج؛ وصف جسدي ووصف الملابس، لكنه أيضا وصف شعري، قائم على الانزياح الذي يبئر الدلالات، ويعمق الرؤيا الشعرية التي تصدر عنها الشاعرة؛ وهي رؤية الرفض و حلم التغيير. وقد اختارت الشاعرة من أعضاء الجسد القدمين، لأنهما أدل على حالة البؤس المقترن بالتسول ( أقدامها حريق أضاع ملامح الطريق).

فعلى الرغم من بوادر التغيير التي تحملها القصيدة، والمتمثلة في كونها حريقا، فإنه تغيير مستحيل أو مؤجل ( أضاع ملامح الطريق). أما الأثواب فهي (همس تناثر في يدي) مما يعمق الانكسار. فالهمس خفوت وضعف، ثم إنه متناثر. كل ذلك يشي بحالة المتكلم النفسية، التي لا تريه إلا ما هو بائس، ثم يستأنف الحوار من جديد، دالا على التعاطف والمأساة، وعلى التماهي بين الذاتين؛ ذات السارد وذات القصيدة. فالذات تطلب من القصيدة أن تسمح لها بمسامرة جوعها، وفي ذلك استجارة من التعب. وهذا كله لتعميق المفارقات، إذ تغدو المواساة استجارة، لتنتهي الشاعرة إلى المقصد العميق للنص؛ وهو تعرية واقع الوطن الموصوف سابقا بكون جروحه مفتوحة، لتجعله موازيا للقصيدة في بؤسها ومساويا لها في مأساتها، وبلغة لا لبس فيها ترتكز على التشبيه:
“فوطني مثلك متسول
ينام على شفيرة الليل”

لتمنح القصيدة فرصة التساؤل عن سر ذلك وتمنح الذات الساردة فرصة الوصف والتعبير عن المأساة. وفي هذا كثير من الذكاء الشعري لإعطاء القصيدة مسحتها السردية:
” أهو شريد ؟ غمغمت.
قلت: ” المآذن فيه تعاشر الرصاص
والمقابر بلا هوية
وأرضنا ذبيحة قربانا للطامعين
فهل هذا يكفي كي تعرفي بؤسنا الكبير؟”
تنهدت: ـ ” والعشق؟”
قلت:
” ذاك وطن آخر…
لم يعد للمجنون في حينا مقام
وحتى لديك الجن
الهوى درب جديد يقتل النساء !!”

تُكسب هذه العناصر النصَّ خصوصيته السردية، وتمنحه حركية متجددة. كما أن الاتكاء على الحوار رفع من درجة الدرامية في النص، هذه الدرامية منحتها أيضا الطبيعةُ المشهدية للنص، إذ يقف السارد متفرجا عبر استخدام الرؤية من الخارج؛ وبذلك لا نأخذ من النص إلا ما تقدمه الشخصيتان: السارد والقصيدة.

في قصيدة “سمر على حافة السؤال” تغلِّب الشاعرة الوصف وتبدأ به. وتمتطي صهوة حاسة البصر، باستخدام فعل الرؤية ( رأيته ـ لمحت) المسند إلى الذات المتكلمة. وهذا يقوي حضور الذات :
رأيته يزحف فوق الأرض
كالحلاج يحمل جثته
وجهه مسافر في راحة الرياح
لمحت فيه أطيافا مثقلة بالعويل
ويتبادل وصفُ الحركة والانزياحُ الأدوارَ لتجسيد تجاور السرد والشعر. فإذا كان السطر الأول نثري خالص، فإن بقية الأسطر ترفع المقطع إلى شاعرية باذخة، بدءا من صورة الحلاج الحامل لجثته، وانتهاءً بصورة الوجه المسافر في راحة الرياح، والأطياف المثقلة بالعويل.

وعلى عكس النص السابق، القائم على الحوار الخارجي، ارتأت الشاعرة بناء هذا النص على الحوار النفسي أو الداخلي. فهي المتكلم والمخاطب، وفي استعمال فعل (قلت) في غياب المقول له تأكيد على هذه المناجاة التي يرسخها استعمال التساؤل عن هوية هذا المجهول: أتراه عاشق أغلق الصباح دونه عينيه فاضطجع في أقداح الشوق يشعل الطرقات مواويل ويبكي ليلاه(…) أم شاعر يهدينا عطش غربته.

ويستمر النص في هذه المراوحة بين الوصف لهذا المجهول الذي تتساءل الذات عن هويته، وتنويع الاحتمالات:
أم لاجئ اغتاله الكلام فانكسر…
أم تائه تهجى رسمه في زقاق الملعونين

وفي كل صفة من هذه الصفات تحرص الشاعرة على هذه المراوحة بين الوصف والانزياح لتحقيق المعادلة الجمالية، لكي لا يطغى السرد على الشعر.
وكما في النص الأول، تستعمل الشاعرة لفظة “فجأة” لتنتقل بالنص من حالة السكون والتساؤل، وتمنحه الحركية اللازمة باستخدام الأفعال العنيفة والسريعة ( تسلق ـ أمسكت ـ ختلني ـ اندثر) :
فجأة تسلق جبين المدينة الضريرة
أمسكت خطاه من دبر
لكنه ختلني واندثر.. !! (ص 14)

وعلى غرار ديوانها الأول ” أقبض قدم الريح تستمر الشاعرة في استثمار السمات السردية في بقية دواوينها، مع التطوير والتجديد في توظيف هذه الملامح. فديوانها الثاني “قصائد في ألياف الماء” امتداد لديوانها الأولى، إذ بصدوره تكون الشاعرة قد وضعت قدما راسخة في حقل التجديد الشعري، ورسمت بوضوح بصمتها في صفحة السرد الشعري العربي، مستفيدة من المساحة الكبيرة من الحرية التي تمنحها قصيدة النثر، والإمكانات التي يقدمها الانفتاح على الفنون البصرية، وما تهبه من جمالية تصويرية وما توفره من فسحة تخييلية. وهذا الانفتاح سمة أساس للقصيدة الحداثية التي لا تركن للسكون والجاهز ، وتبحث عن المقلق والمباغت. وقد ساهم الانفتاح على السرد، بما يملك من إمكانات في رفد هذه التجربة الشعرية التي تحرص على اقتناص البنى الحكائية والعناصر الأسلوبية وتحويلها إلى مادة شعرية. وهذا ما يتبدى في مجموعة من قصائد الديوان كما في”القصيدة النبوية” التي تفتتحها الشاعرة بالفعل (جفتني) لتصف حالتها من خلال سلسلة من الأوصاف والأفعال:

جفتني حولا
فرأيتني ألوك العمر
كان جسدي
خرقة حرف
يطرز من
الوجود نبعه
وكانت
الجراحات تخاتل بوحي. (ص7)

لتنتقل الشاعرة ـ من خلال المقاطع المتوالية في القصيدة ـ إلى بدايات عديدة ومختلفة، فأحيانا تبدأ بالزمان:
الليلة ..
ارتديت سهدي
جلست فوق أوتار انشطاري (ص8)
وأحيانا بالفعل:
درت حولها سبعا
كانت صفرة الصمت

تتصاعد دخانا (ص9)
كما أن الشاعرة حرصت في قصائد أخرى على التسلسل السردي من خلال توظيف الدوال الزمنية كما في قصيدة “جندي..قبعة.. ووطن”ففي بداية المقطع الأول تقول:
مر عام…
ـ “سيعود أبي برأس التتري”

قال ضرير بعثره الغياب (ص14)
وفي المقطع الموالي:
مر عامان
كان يهطل سهاده كفنا (ص14)
وفي المقطع الموالي:
مرت الأعوام..
بخفين من جرح عاد
وقد ضاع صباه (ص16)

أما في الديوان الثالث، “لجسده رائحة الموتى”، فإن وعي الشاعرة بمغامرتها التجريبية، وحاجتها إلى تثبيتها، يدفعها إلى تكرار الأبنية السردية، خاصة في الاستهلال، فتعتمد الشاعرة على الفعل والجملة الفعلية التي تسير حركة الحدث وتقودها، وهي جمل في الغالب تبدأ بفعل الكينونة (كنت ـ كانت) متبوعا باسم الزمان (حين) الذي يضعنا في قلب الحكاية الشعرية، ويمكن أن نمثل لذلك بهذه البدايات:

1 ـ بداية قصيدة ” الغريب” (ص 9):
كنت أرقب غروب الصحو
حين اقترب من ظلي
ينقر من هدبه
2 ـ بداية قصيدة “قصيدة عمياء” (ص 12)
كنت أتلو تراتيل بؤسي
أركض في منفاي
عارية الصوت
حين ضمت ذراعيّ
3 ـ بداية قصيدة “قصيدة شريدة” (ص16)
كانت نافذتي معتمة
حين لمحتها تتعثر أمامي
دعوتها للدخول

لتنقل القارئ إلى الحوار، هربا من الرتابة وإمعانا في الجمالية تمزج الحوار بوصف المشاعر و الدواخل :

من أنت؟
اهتزت أوصال ظنوني
تأملني أمام باب المستحيل
وقال:
ـ لهذه المنافي ممرات
تراك عبرت غبارها
كانت لجسده رائحة الموتى
نظر حوله وقال :
ـ رأيتك في مرآة الموج
فحضرت
قلت: ـ أيها الغريب
لم ثيابك عواصف
وعيناك مدن محتلة؟

إضافة إلى أن الشاعرة تحرص على استثمار أفعال الكلام المتنوعة (الاستفهام ـ النداء) مما يمنح النص درامية وحبكة.

كما أنها تستثمر التقنيات السردية من استباق واسترجاع ومشهدية وحذف، وهو ما يساعدها على التحكم في سرعة الحدث، إيقافا أو تسريعا أو إبطاء، رغبة منها في نقل المشهد، وأحيانا بطريقة سينمائية، تتحكم في المنظور، تقريبا وإبعادا ، تكبيرا وتصغيرا، تعميما وتخصيصا، وهذا ما يعطي السرد الشعري حاجته من التشويق وخصاصه من الإثارة، قصد تحقيق ما يصبو إليه من تجريب و ما يرومه من تجديد في القصيدة العربية. ولعل امتطاء قصيدة النثر يمنح ـ بسبب غياب الوزن ـ حرية توظيف كافة هذه التقنيات السردية، وعلى هذا المنوال تستمر بقية القصائد في تحقيق التجاور بين السرد والشعر في تناغم وانسياب، بعيدا عن أي تعسف، فلا يكاد القارئ يحس بالانتقال بين العالمين الفنيين لهذين الجنسين الأدبيين.

وهذا الافتتاح الوصفي للذات وللآخر هو ما يكشف وعي الشاعرة بوظيفة الاستهلال السردي الذي يؤثث الفضاء الذي سيكون مصدرا للحدث ومكانا للحوار، مما يضفي على المشهد دراميته وتعقيده، ويبعده عن الخطية والبساطة، ينقله من المناجاة الشعرية إلى الحوار والتكثيف. كما أن الشاعرة تسعى من خلال الحوار إلى إضاءة الذات والشخصية المحاورة، ظاهريا و باطنيا، لتعميق الدلالات، وتنوير النص بالإيحاءات الضرورية المانحة للنص شفافيته الشعرية وطاقته الجمالية، كما أن هذه الإضاءة تساهم في تنامي الحدث وتطويره بما تمنحه من ظلال ضرورية لتكامل المشهد.

إن الشاعرة عندما تحاول تقديم الشخصيات فإنها تتخذ لذلك سبلا عدة منها:

أ ـ تقديم الذات / السارد للشخصية: كما في هذه الأمثلة:
ـ كانت لجسده رائحة الموتى
نظر حوله …(ص10)
ـ ظننته مجنونا قادما من مقبرة .(ص11)
ـ كانت كفيفة تتوسد التراب (ص13)
ـ هوى فوق الأرض / وشرع في البكاء (ص10)
ب ـ تقديم الشخصية من خلال الحوار :
قلت :أيها الغريب
لم ثيابك عواصف
وعيناك مدن محتلة ؟(ص10)
ج ـ تقديم الذات / السارد لذاته :
ـ اهتزت أوصال ظنوني (9)
ـ ارتبت ـ أرقت ـ التحفت غربتي …

و هذا التنويع يساهم في التنامي الدرامي للنص. وقد حرصت الشاعرة ـ في سعيها نحو السردية ـ على الإكثار من الأفعال، ومن الجمل الفعلية. ففي قصيدة “الغريب” مثلا نعثر على: كنت أرقب غروب الصحو ـ ينقر من هدبه ـ اهتزت أوصال ظنوني ـ تأملني ـ وقال ـ كانت لجسده رائحة الموتى ـ نظر حوله وقال ـ رأيتك في مرآة الموج فحضرت ـ هوى فوق الأرض ـ وشرع في البكاء ـ لم يكن بين يدي …ـ ظننته مجنونا ـ التقيت ـ فانكمشت ـ ناداني ـ ارتعبت ـ لا تخافي ـ تهجى…)
إضافة إلى العناصر السردية السابقة تحتفي الشاعرة بالروابط اللغوي احتفاء واضحا، من خلال تنويع الشاعرة في استعمال الروابط اللغوية إمعانا في النثرية، وضمانا لتماسك النص وانسجامه واتساقه، خاصة الحروف الدالة على الحركة مثل: الواو أو الفاء وثم الدالتين على التتابع كقولها:

ـ ظننته مجنونا … فانكمشت (ص 11)
ـ هوى فوق الأرض/ وشرع في البكاء..(ص10)
ـ غمرني السهاد بطوفانه/ فرمقتها تمر…(ص14)
ـ تركتها واندثرت .(ص15)
ـ دار دورتين / ثم نام في ندائي (ص22)

إضافة إلى الربط بحروف التعليل والتفسير والتشبيه والاستنتاج والاستدراك كما في هذه الجمل الشعرية:

ـ هكذا غازلت أصابعي
ـ تبتعد عني كما الموسيقى
ـ لكنها تدثرت
ـ لكنه كان يصعد
ـ يجر أغلاله/ جثته/ ليكتب اعترافه
ـ توقظ خلاياي / لتزهر في مدني ….
ـ لكن شيئا بيننا تكسر
ـ لكني وجدتني أفرش يمناه
ـ لأراه طفلا …
كما أن الشاعرة تحقق السردية باستعمال ظروف وأسماء الزمان والمكان: ـ حين اقترب …
ـ أمام باب المستحيل
ـ وجدتها قرب جدار …
ـ حين ضمت ذراعي…
ـ حين لمحتها …
ـ تتعثر أمامها
ـ أمام هواجسي
ـ مكتوب فوق صخر عواطف …
ـ رأيته خلف وجعي .
ـ فوق كثبان الغرابة انحنيت

كما أن الحوار السردي الموظف داخل تجاويف النص الشعري يحرص على تعاقب الأحداث وعلى سلامة خطيتها، كما يساهم في تحديد طبيعة الشخصيات وملامحها وهو أميل إلى الحوار التصالحي، المساهم في التنامي أكثر من قربه من الحوار التصادمي الذي يسم الحوار الدرامي. كما أن هذا الحوار ـ باعتباره حوارا شعريا ـ يتسم بخصائص منها: الاختزال والقصر والاقتصاد اللغوي والتداول السريع، احتراما للسطر الشعري والخصوصية اللغوية للشعر باعتباره مجازا، مما يمكنه من أن يرسي إيقاعا سريعا مستندا إلى أفعال الكلام، مبتعدا عن التكرار الذي يجعله إيقاعا بطيئا أو متوقفا، وعن التواتر الذي ينزع عنه صفة الشعرية، فهو حوار متباعد وقليل. كما أن الشاعرة توظف المونولوج لتمنح الشخصية فرصة الانسحاب والانكفاء لتتحدث مع ذاتها، ولتضيء الشخصية من الداخل عبر نقل تأملاتها وأحاسيسها وأفكارها المتنامية، ولمنح المتلقي فرصة فهم فكرها واستقبال الرسالة المراد تبليغه إياها.

كما أنها في أحيان كثيرة تجعل الممرات بين المونولوج والحوار معتمة؛ وهو ما يسمح بالتذويت.

في الختام نؤكد أن دواوين الشاعرة نجاة الزباير الثلاثة تركيب شعري جميل، يركب موجة قصيدة النثر، ويستفيد من جرعة الحرية التي تمنحها في غياب الوزن والقافية الموحدة، لكنها لا تضحي بالصورة الشعرية الجميلة، فالنصوص مضمخة بالانزياح المدهش والتشبيهات المبتكرة، لكن اللافت للنظر ـ والذي يستحق التنبيه عليه ـ هو هذه النظرة المأساوية الحزينة، وهذه الوطنية الغامرة، فلا يكاد يخلو نص من مسحة الحزن أو من هم الوطن “غريب الأحجار تتعثر فوق ملحه مدن أضاعت مفتاحها القدسي”

أو همِّ الأرض التي أصبحت “ذبيحة قربانا للطامعين” و” الطريق أعمى”.

إن هذا التجربة الشعرية مرثية للجمال الراحل في زمن الاحتفاء بالقبح، ومرثية للفرح المنطفئ، والحب الذي أصبح دربا جديدا “يقتل النساء”، لكن في الآن ذاته تأسيس للجمال الشعري ولأناقة التعبير.

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

فصل الخطاب، في فضح شاهديّ الزور وكبيرهما مصطفى الأبيض الكذاب

  من لسانك ندينك. لن يكون هذا المقال طويلا مثل المقالات السابقة، ولن نقف عند …

اترك تعليقاً