[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

دولة شيماء ونشأت.. جمهورية مصر العربية سابقاً! – سليم عزوز

كنا في حدود عشرة من الصحفيين والإعلاميين المصريين، نجلس مع إحدى الشخصيات العربية قبل خمسة عشر عاماً، عندما انبرى أحدنا يتحدث عن نفسه، وكان معجباً بها حد الانبهار!
وكانت “الموضة” قبل الثورة، أن قيمة المرء لا تكتمل إلا إذا كانت قد شملته قرارات التحفظ في نهاية عهد السادات، وكثيرون كانوا يدعون ذلك، حتى بدا لي أن الرئيس الراحل اعتقل نصف الشعب المصري من كثرة الأدعياء، مع أن من تحفظ عليهم لم يتجاوزوا الألفي شخص. وكنا نتندر على أحد المحامين، لأنه عندما اعتقل في هذه الفترة لنشاطه الطلابي، وكان حديث التخرج، فإن والدته السيدة الصعيدية البسيطة، ارتفعت بابنها ليكون في مصاف الرؤساء، وربما هبطت بالسادات ليكون في مستوى ابنها، فلم تكف عن التساؤل المبهر: لا أدري لماذا يضع السادات ولدي في دماغه؟!
ولأنه لا يمكن لزميلنا إياه أن يكون بهذه الأهمية دون أن يعتقله الرئيس أنور السادات، فقال إنه من الذين شملتهم اعتقالات سبتمبر، قبل أن ينظر لي سريعاً، فوجدني أنظر اليه مستمعاً شأن الآخرين، وبدون تعليق، فبدا كما لو كان رآها نظرة ريبة، فقال سريعاً، ولكن وزير الإعلام منصور حسن حذف اسمه من القائمة، وأنه إلى الآن يعاتبه لأنه فعل هذا، ولم يتركه يعتقل ويخرج وقد أضاف هذا الكثير إلى تاريخه!
وكان مذيع بالإذاعة المصرية معنا يرقب هذه النظرات السريعة، فذهب في نوبة ضحك، وإن نجح في كتمها، فلم ينجح في منع دموعه من النزول، وبعد اللقاء حكي لي بما لم أحط به خُبرا، وكيف أنه كان قد أفهم هذا الزميل قبل اللقاء بأن كل من يعمل في مجال الصحافة له عندي ملف في رأسي، فأعرف تاريخ كل واحد، ولهذا فإن التراجع بعد نظرته لي هي الخوف من أن أكذبه في هذا المحفل، وبأنه لم يعتقل في أيلول/ سبتمبر 1981، وعلقت بأنني في الحقيقة لا أعرف إن كان ممن شملتهم قرارات التحفظ أم لا، فلو أكمل الحكاية بدون تراجع، فربما كنت صدقت أنه من الذين قتلوا السادات في حادث المنصة!

شيخ الحارة:
ورغم هذا فقد لا يكون الإذاعي مبالغاً كثيراً في موضوع “الملفات” هذه، فعندي شغف المتابعة لأداء كل الفاعلين في المهنة، بما في ذلك الذين سبقونا بالعمل إليها، والذين تبعونا بعد ذلك من جيل الشباب الآن. وكان هناك من يطلقون عليّ “شيخ الحارة الصحفية”، وإن كان قد أصاب الذاكرة الكثير من الأعطال بسبب عوامل التعرية، بحكم تقدم السن، فتسقط منها الوقائع، لكن لا تسقط الشخصيات، ولهذا فقد شغلني الخبر الذي نشر بتعيين “شيماء عبد الإله” عضوة في الهيئة الوطنية للصحافة، ضمن الشخصيات العامة الذين يعينهم رئيس الدولة، وأذهلني أنها ليست من الفاعلين في المهنة، أو في النقابة، ولا يغير من الموقف كثيراً أنها تسبق اسمها بحرف الدال الشهير. فمن تكون “شيماء” هذه يا رجال؟!
بالبحث والتحري، تبين أن المذكورة، تعمل في صحيفة ناطقة باللغة الفرنسية، تتبع مؤسسة دار التحرير للطباعة والنشر، التي تتبعها صحيفتا الجمهورية والمساء ومجلات حريتي، وعقيدتي، وشاشتي، وقد عينوها رئيساً لتحرير هذه الصحيفة. ثم توالت الترقيات؛ فقد سبق تعيينها في الهيئة القائمة على أحوال الصحافة القومية، ممثلة للمالك الذي هو الشعب المصري. فتأميم الصحافة في سنة 1960، واعتماد نمط ملكية الدولة كان يعني انتقال هذه المؤسسات الصحفية من ملكية الأفراد إلى ملكية الشعب، ضمن سياسة امتلاك الجماهير لأدوات الإنتاج!
وقد انتقلت الملكية من التنظيم السياسي الأوحد “الاتحاد القومي”، ثم “الاتحاد الاشتراكي” في عهد عبد الناصر، قبل أن يخترع السادات “مجلس الشورى”، والمجلس الأعلى للصحافة. وإذ تتبعتُ هذه التطور، فأستطيع أن أقول إن مستوى الشخصيات المختارة لم يهبط لهذا المستوى من انخفاض القيمة إلا في عهد السيسي، ومجالسه الثلاث. وعموماً، فهذه النوعية هي التي تصلح لمرحلته، وفي كل مجالاته للاختيار، فقد اكتملت نظريته لإدارة الدولة الآن، وبعد الانقلاب العسكري مرت مصر بفترة قصيرة، كان الاختيار فيه يتم على ذات القواعد القديمة، فكان نقيب الصحفيين السابق جلال عارف هو رئيس المجلس الأعلى للصحافة، والكاتب والنقابي الكبير صلاح عيسى هو الأمين العام للمجلس!
بيد أن هذه مرحلة كانت مرتبطة بظرف الانقلاب، وما أن استوى السيسي على الحكم، حتى اعتمد هو طريقته في الاختيار.
إن “شيماء عبد الإله” جرى اختيارها في الموقع الذي خلا بوفاة “سامية زين العابدين” في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وهي محررة عسكرية بسيطة مهنياً، تعمل في نفس المؤسسة التي تعمل بها “شيماء عبد الإله”. ومن الواضح أن المجلس العسكري وعبر هيئاته دفع بها لتشكيل حركة “احنا آسفين يا ريس” بعد الثورة، وكانت تتظاهر أيام محاكمته مع عدد قليل من الأنفار المجهولين الذين ينتموا لهذه الحركة، قبل أن نعلم بضلوع توفيق عكاشة في أعمالها. وسألت بعدها من تكون المذكورة هذه، وعندما علمت أنها محررة عسكرية، وقفت على أنه من الطبيعي ألا تكون لها بصمة في مهنتها، فلم نطالع لها خبراً لافتاً، أو مقالاً يصلح للقراءة!
وبالانقلاب العسكري، تجاوزت هي مرحلة مبارك، فلم يعد موضوعها، فقد بزغ نجم السيسي فقالت هذا ربي هذا أكبر!
وبالحسابات المهنية، وبقواعد الاختيار حتى في ظل الأنظمة السابقة، فلم تكن الراحلة سامية زين العابدين تصلح لأن تكون عضوة في الجهة التي تملك وتمارس سلطة الإدارة على المؤسسات الصحفية المصرية، لكن الظروف خدمتها فقد اغتيل زوجها العميد عادل رجائي، ومن ثم يصبح من الطبيعي أن تتم مكافأتها بهذا التعيين، لكن أن تحل مكانها من حلت، فهذا تعبير عن فلسفة السيسي في الحكم!
بالبحث والتحري، تبين أن “شيماء عبد الإله” هي كريمة لعضو في برلمان مبارك، ولا نعرف إن كان مستمراً إلى الآن في موقعه أم أنه رضي بـحظ كريمته، وهو حظ لم يتوفر لأحد في العهود السابقة!
لقد تم تصعيدها لتكون رئيسة لتحرير مطبوعة، ثم عضوة في الهيئة الوطنية للصحافة باعتبارها من الشخصيات العامة، لتكون المفاجأة أنها في الوقت ذاته عضوة في مجلس النواب، ثم إنها عضوة في ما يسمى بتنسيقية الأحزاب، وهذا هو “مربط الفرس” و”بيت القصيد”!
فاختيار المذكورة ليس ضد السياق الآن في الاختيار، فهناك من يقتلون أنفسهم دفاعا عن السيسي من صحفيين أعرفهم، ولم ينالوا شيئا، بينما وزعت المناصب بالكيلو على أشخاص بينهم من خارج دائرة الوعي السياسي، فقواعد الاختيار والتصعيد تكون لشخصيات من خارج دائرة الحضور العام. فالاحتفاء يكون بشخصيات باهتة بلا قيمة حقيقية، والسيسي لا يرحب بمن لديهم خلفية سياسية حتى وإن كانوا من أشد مؤيديه والمدافعين عنه، ولم تتضمن قوائمه في الترشيح والتعيين بالبرلمان بغرفتيه أحداً من هؤلاء، ولاحظ أن رئيسي البرلمان هم من خارج السياسة، وقد كانا قاضيين بالمحكمة الدستورية العليا، وخرجا على التقاعد بعد بلوغ السبعين وممنوع عليهما بحكم الوظيفة العمل بالسياسة، تماما كما هو ممنوع على السيسي نفسه بحكم الدراسة التي بدأها مبكراً في المدرسة العسكرية، وبحكم الالتحاق بالجيش، الاشتغال أيضاً بالسياسة!
ولا يوجد سياسي واحد في دولته التي ليست أكثر من شركة مقاولات، فيها قطاع لبناء الكباري، وآخر لبيع الأراضي والسمسرة، ومن هنا تأتي قواعد الاختيار!
وعندما نعلم أن الهيئة الوطنية للصحافة، هي برئاسة من جيء به من المطابع، فلن نستغرب اختيار “شيماء عبد الإله” لعضوية هذه الهيئة!

الباشمهندس الشوربجي:
لقد اختاروا لرئاسة هذه الهيئة صحفياً سبق أن ترأس مجلس إدارة مؤسسة روزا اليوسف قبل الثورة، وبطبيعة الحال هو اختيار على قواعد النكاية، فقد أخرج العاملون في المؤسسة كرم جبر بالقوة، لكن وبعيداً عن الموقف السياسي، فإنه شخصية معروفة في مهنته، فقد ترقى فيها بشكل طبيعي، وله محاولات قديمة بالترشح لعضوية نقابة الصحفيين، وعمل في مكاتب الصحف العربية. فحضوره المهني ليس منكورا، لكنه السيسي احتاجه ليسد به خانة بعد عزل مكرم محمد أحمد من رئاسة المجلس الأعلى للإعلام، وقد نظر حوله، فلم يجد في بلد توجد فيه صحف من عمر دول، ويوجد صحفيون كبار من مؤيديه، فتركهم واختار “الباشمندس”، الذي صعده رئيساً لمجلس إدارة مجلة روزا اليوسف، ثم اختاره رئيساً للهيئة الوطنية للصحافة!
لقد عرفت مصر مبدأ تولى رئاسة مجلس إدارات المؤسسات الصحفية من العاملين في قطاعات الإدارة في هذه الصحف، لكن لم يكن التصعيد يتم أبداً من قطاع المطابع، لا سيما في مرحلة هبطت فيها قيمة المطبوع، وتوشك أن تكون المطابع فيها ذكرى، مع هبوط توزيع الصحف في مصر لأعداد غير مسبوقة في تاريخ الصحافة كله!
وعندما يختارون المهندس عبد الصادق الشوربجي رئيساً للهيئة الوطنية للصحافة، يصبح اختيار “شيماء عبد الإله” عضوة في هذه الهيئة هو تحصيل حاصل، وعندما برز اسم نشأت الديهي كمرتكب للفعل الحرام وطنيا بالتطبيع، علمنا أنه تم تعيينه أيضاً عضواً في المجلس الأعلى للإعلام، وفي بلد فيه من الإعلاميين ما يسد عين الشمس. والأغلبية في مجال الصحافة والإعلام هي -ولأسباب يطول شرحها- لم تكن مع الحكم الإخواني، لكن هنا نكون أمام جانب من فلسفة السيسي في الاختيار والتصعيد!
ليس هناك من يدلك على من هو نشأت الديهي، الذي ظهر فجأة على المسرح، وتبين أنه كان يعمل في القناة “التركية” الحكومية، في عهد حكومة “العدالة والتنمية”، ثم استقال في مشهد تمثيلي لتفتح له أبواب القاهرة والإمارات باعتباره خبيرا في الشأن التركي، وهم مهتمون بهذا الجانب، ألم يبشروا من قبل بأنهم سيطلقون موقعاً إلكترونيا في تركيا عنها واختاروا له صحفيا معروفا ولا نعرف لماذا تعثر؟!
ولا نعرف بدايات المذكور مهنياً قبل عمله في القناة التركية الحكومية، وإذ فتح له الإماراتيون قناة من بابها هي “تن”، وترأس بجانبها موقعين مهتمين بالشأن التركي، فقد اختاره السيسي أيضاً عضواً في المجلس الأعلى للإعلام!
ونشأت كان في حكم الرئيس محمد مرسي مع المشروع الإسلامي، ومع الإخوان، ومع تطبيق الشريعة الإسلامية، ويرى أن ياسر برهامي عندما يبتسم فإنه تبسمه في وجه المشاهدين صدقة جارية (أو كما قال في مقابلة تلفزيونية)!
وعندما يتم تصعيده بهذا الشكل فإننا نكون قد وضعنا أيدينا على كامل فلسفة السيسي في الاختيار والتصعيد؛ إنه لا يريد هؤلاء الذين كان لهم موقف معاد للإخوان في فترة حكمهم، لأنهم بهذا التاريخ هم يزايدون عليه حتى دون أن يقولوا أو ينتهبوا، وقد تقرب هو من حكم الإخوان بالنوافل في هذه الفترة، وحصل على رتبتين عسكريتين منهم، بجانب توليه منصب وزير الدفاع!
إن هؤلاء الذين هم مع “الرائجة”، وينتقلون من حكم إلى حكم، وولاؤهم للحاكم، هم الذين يستحقون عنايته، فقد ضمن أن يحكم أبدا، ولن يجدهم كما وجد مبارك كثيرا من إعلامييه يبيعونه ويذهبون لميدان التحرير تقربا من الثورة، ومن لميس الحديدي إلى عمرو أديب، وإذا حدث وغادر فماذا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟!

تركيز السلطة والثورة:
فدعائم فلسفة السيسي للحكم والتصعيد تقوم على الاحتفاء بنوعيات نشأت الديهي، الذي كان مع المشروع الإسلامي ثم انقلب على عقبيه، فليس من بين رجاله من كانوا في خصومة مع الإخوان إبان حكمهم، ولهذا هو يستبعد فريقا من الإعلاميين أنصار مبارك الذي استمروا في موقفه المدافع عنه لأنهم لم يجدوا مكاناً لهم في عهد ما بعد الثورة!
ومن دعائمها تركيز السلطة والثروة في يد عدد قليل من الأنصار فتكون شيماء، رئيساً للتحرير، وعضوة في البرلمان، وعضوة في الهيئة الوطنية للصحافة، وعضوة في تنسيقية، ويكون بهاء أبو شقة رئيساً لحزب (بقرار من السيسي)، وعضوا في مجلس الشيوخ، وابنته عضوة في مجلس النواب، وابنه مستشارا قانونيا للسيسي. ويكون الاحتياطي لنوابه المختارين في قوائمه هم أبناؤهم وأقرباء الدرجة الأولى، ويكون نشأت الديهي رئيسا لقناة، ولموقعين الكترونيين، ومذيعاً، وعضواً في المجلس الأعلى للإعلام.
لأن السيسي هنا يقيم دولة صغيرة “على الضيق”، ومن هنا جاء استنساخه لفكرة منظمة الشباب في عهد عبد الناصر، بنموذج مصغر “ماكيت” هو “تنسيقية شباب الأحزاب” من عدد صغير من الأعضاء، يتولون مناصب نواب المحافظين ومواقع النواب ورؤساء التحرير مثل شيماء عبد الإله، العضوة في هذه التنسيقية.
إنها دولة شيماء عبد الإله ونشأت الديهي، جمهورية مصر العربية سابقاً.

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

لوحة : قبلة في حلم __ فريد شنكان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.