[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]
حوار مع الدكتورة إلهام الغذاني __ د. فاطمة الديبي
حوار مع الدكتورة إلهام الغذاني __ د. فاطمة الديبي

حوار مع الدكتورة إلهام الغذاني __ د. فاطمة الديبي

ذكر ” ابن منظور ” في مقدمة كتابه ” لسان العرب ” أن سبب تأليف معجم لسان العرب هو رغبته في الحفاظ على اللغة العربية وألفاظها وأصولها، إذ إن المقصود من حفظ اللغة العربية حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لكن للأسف تراجعت في الٱونة الأخيرة صناعة المعاجم في العالم العربي وكسدت سوقها، نتيجة استغناءِ القارئ والكاتب والباحث العربي عن هذه الذخيرة اللغوية والمفاهيمية الهامة والضرورية، ومن الأسماء التي خاضت غمار الجمع والتصنيف في المعجم العربي نجد الدكتورة إلهام الغذاني التي كان لي معها هذا اللقاء الباذح؛

 

أولا من تكون إلهام الغذاني؟

– سيدة مغربية، من مواليد 24 فبراير 1976م بسلا، مقيمة في القنيطرة، متزوجة، وأم لثلاثة أطفال.

ما الشهادات العلمية التي حصلت عليها ومن أي الجامعات؟

-أنا أستاذة في التعليم الثانوي التأهيلي، مادة اللغة العربية، خريجة المدرسة العليا للأساتذة بتطوان، لغة عربية، ميزة مستحسن، في سنة 2006م.
– حاصلة على شهادات جامعية، من جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، وتلك الشهادات هي:
– شهادة الدكتوراه، تخصص لسانيات وقضايا اللغة العربية، عنوان الأطروحة: “معاجم الموضوعات تصنيفا وبناء: معجم ألفاظ الصوت أنموذجا”، صودق عليها بتاريخ 19 فبراير 2020م، بإشراف الأستاذ الدكتور: محمد السيدي، بميزة مشرف جدا.
– شهادة الماستر، تخصص لغة وأدب: مقاربات نظرية ومنهجية، في موضوع: لغة المقامة في الأدب الأندلسي- مقامات السرقسطي أنموذجا، بإشراف الأستاذ الدكتور: قاسم الحسيني، ميزة حسن، في سنة 2016م.
– شهادة الإجازة في اللغة العربية، تخصص لسانيات، في موضوع: الاشتقاق،
بإشراف الأستاذ الدكتور: محمد السيدي، ميزة حسن، في سنة 2004م.
-متحكمة في المعلومات، وحاصلة على دبلوم متخصص في إدارة تقنية المعلومات، من مؤسسة ITECIM بسلا، في 2005م.
وأما عن اهتماماتي الشخصية فلدي مجموعة من الاهتمامات اليومية:
ناشطة في وسائل التواصل الاجتماعية:
الفيسبوك
واليوتيوب
وأسعى لنشر العلم وإفادة الباحثين.
أما بخصوص إنتاجي العلمي، فلدي الآتي:
– مقال بعنوان: الحقل الدال على “البطن” في لسان العرب لابن منظور، في مجلة علمية محكمة: “مساقات في اللغة والأدب والنقد والدراسات الأدبية” في الجزائر، المجلد الثاني، العدد الأول- يناير 2020م، مطبعة الجودة -عين الذهب- المدية.
– معجم الألفاظ الدالة على الصوت في لسان العرب، طبعة 2020م، منشورات دار الأمان، مطبعة الأمنية بالرباط.
– معجم الجذور المعتلة في لسان العرب لابن منظور، طبعة 2022م، منشورات دار الأمان، مطبعة الأمنية بالرباط.

 

ماذا حققت لنفسك في ظل دوامة العمل وتعدد المسؤوليات الملقاة على عاتقك بوصفك أستاذة، وزوجة، وأما لثلاثة أطفال؟

– حب العمل، والإحساس بروح المسؤولية يجعلان مني امرأة قوية، تواجه كل التحديات، والعقبات التي تواجهها في طريقها، وما أكثرها!.
– مسؤوليتي كزوجة من جانب، وأم لثلاثة أطفال من جانب آخر، ومن جانب ثالث أنا أستاذة أشتغل يوميا، ولمدة عشرين ساعة في الأسبوع، كل هذا – من غير شك- يؤثر على نفسيتي، لكنه أبدا لم يؤثر على مردوديتي، ونشاطي ورحلاتي العلمية، وحضوري جميع الفعاليات والمؤتمرات والندوات والمحاضرات والمشاركات المتواصلة لأساتذتي أو التي أقدمها بنفسي على صفحات التواصل الخاصة بي، ونشري لمقالات أساتذتي في كل مكان في العالم، فكنت – وما زلت- أحاول التوفيق بين هذه المهام، وتلك المسؤوليات التي أقدرها جيدا، وأنهض لها تسجيلا ونشرا وإجابة لما يرد من تساؤلات من القراء الأفاضل لصفحاتي، كما أحاول أن أقتنص – بعد قيامي بواجباتي كأم وزوجة- ساعات من أجل البحث، والإنتاج العلمي.
وبفضل من الله، وتوفيقه، ثم رضا الوالدين، وحب أهل الخير الذين سخرهم الله لي، أجدني في أحسن الأحوال.
فقد استطعت رغم تكاليف الحياة، وصعابها أن أبدأ، وأسير خطوات لتحقيق مشروعي المعجمي، وهو الاشتغال على سلسلة معاجم الموضوعات من مصدر واحد هو لسان العرب لابن منظور، حيث قدمت معجمين، والثالث يطبع في لبنان، والرابع في الطريق إلى الخروج، إن شاء الله.

 

لماذا اخترت العمل في مجال المعاجم؟، وما الذي يمكن أن تضيفه هذه الثقافة المرجعية العتيقة إلى ثقافة زمن الشبكات العنكبوتية، ووسائل البحث الحديثة التي سهلت الوصول إلى المعرفة بلمسة أصبع؟، وهل يعرف الجيل الجديد بكل أطيافه (جيل المدارس، وحتى الجامعات، والمعاهد) المعجم، وقيمته، ووزنه المعرفي؟

– لا شك أن تكنولوجيا المعلومات قد اكتسحت العالم، وغزت بيوتنا، واستقطبت الباحثين، والمثقفين، وأثرت بشكل سلبي على عقول هذا الجيل، فرسخت فيهم مرض التبعية، والتواكل، والكسل، والوصول إلى المعلومة دون أدنى معاناة، أو بذل أي جهد.
لكن المعجم كان – وما يزال- مصدر اللغة، والثقافة، والتاريخ، والأدب، وغيرها من العلوم، فهو خزان حضارة الأمة، ولن يُسمح لأي جهة – مهما كانت سلطتها أو قوتها- أن تجعله في خبر كان؛ لأنه الماضي، والحاضر، والمستقبل… فهو يتجدد مع تجدد الأمة، ومع تجدد اللغة، فهو مستمر لغويا مع وجود الإنسان في أي عصر، ومصر.
ولأجل أن العصر الذي نعيشه هو عصر السرعة بامتياز، والبحث عن المعلومة عبر الوسائل الحديثة – فقد أخذ شكلا حديثا، ومتميزا لم يكن يحلم به الإنسان في العصور القديمة، ولكن مع هذا التميز في سرعة البحث، وسرعة الوصول إلى المعلومة يبقى للكتاب الورقي حضوره الأول، وقيمته العلمية التي لا تبارى، والمعجم خاصة له حضوره عند أولي العلم الشغوفين بتصفح المعجم ورقيا، وشم رائحته الطيبة، والاستئناس به، والغوص فيه؛ لأنه البحر الذي لا ينتهي، والمعين الزاخر الذي لا ينفد.
لقد أصبح الباحثون اليوم يطالبون ببرمجة اللغة العربية، وحوسبتها، وجعل المعاجم الإلكترونية في يد الباحث، وتسهيل عملية البحث في المعاجم، للوصول إلى المعلومة.
ومن أجل ذلك فكرت في مشروع سلسلة معاجم الموضوعات من لسان العرب؛ بغرض جعل الطريق معبدة للطلاب الذين يبحثون عن مادة محددة في لسان العرب؛ ليجدوها جاهزة بين أيديهم في مكان واحد، من خلال ما أقوم به من استخراج، وجمع، وتصنيف. وكان حلمي التمكن من البرمجة لحوسبة المعاجم التي أصنعها، لكن هذا الحلم يحتاج إلى وقت طويل، ودراسة متأنية، ولعلها تحدث مستقبلا.

 

رغم المجهودات المبذولة من أجل توحيد المعاجم العربية، إلا أنها ما تزال قاصرة عن تحقيق الغايات المطلوبة؛ لأننا لا نكاد نجد معجما يمكن أن نعتمده موحدا لمفردات العربية، كما هو الحال في اللغات الأخرى الحية، كالفرنسية مثلا، حيث نجد معجمي: (لو روبير) و(لاروس) يأخذان الصدارة.
فهل هناك مشروع يوحد الرؤى، ويسعى إلى تحقيق هذا الحلم مستقبلا؟

– أولا، لدينا في العالم العربي المجامع اللغوية العربية التي تعتني بالمصطلح، وشؤون التعريب، تصل إلى خمسة عشر مجمعا لغويا، وسنجدها في العديد من الدول العربية، وأول دولة أسسته هي سوريا سنة 1919م، وبعدها، لبنان سنة 1928، ومصر سنة 1932، والعراق سنة 1947، والمغرب سنة 1961، والأردن سنة 1976، وتونس سنة 1983، والسودان سنة 1993، وليبيا سنة 1994، والجزائر سنة 1996، والسعودية سنة 2012، وموريتانيا سنة 2017، وآخرها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية في السعودية سنة 2020.
كل هذه المجامع قامت، وتقوم بمجهودات من أجل توحيد المصطلح في اللسان العربي في مختلف العلوم؛ لأن المصطلح هو مفتاح العلوم، ورغم هذه الجهود المبذولة فإن النتيجة لا تزال متواضعة في ظل هذا التطور التكنولوجي الهائل الذي اكتسح كل المجالات.
وبالطبع، فإنه لا يمكن الحديث عن توحيد المصطلح في اللسان العربي دون توحيد الجهود، والرؤى، والعمل في العالم العربي قاطبة.

 

لقد تسرب الفقر اللغوي إلى كل أشكال الإبداع الفني العربي من مسلسلات تاريخية، وإنتاج سينمائي، حيث لا يستطيع الممثل حفظ الحوار مشكولا، فيعيث في النحو العربي فسادا، فيرفع المفعول، وينصب الفاعل، وهو ما نسمعه نفسه، ونلاحظه كل يوم في نشرات الأخبار في القنوات العربية حيث الأخطاء اللغوية: الصرفية والنحوية بالجملة، وهذا راجع إلى تدني مستوى التعليم من جهة، وانتصار ثقافة الهاتف، والمعلومة الجاهزة من جهة ثانية.
وانطلاقا من حبك للغة العربية، ولمهنة التدريس المقدسة، كيف يمكننا أن نحيي سُنَّة استعمال المعجم المهجورة؟

ما وصفته من تدن لمستعملي اللغة العربية، وما يرتكبونه من أخطاء صرفية، أو نحوية، إضافة إلى استعمال اللغة العامية في المجالس العلمية، وداخل المؤسسات التعليمية، هو واقع مخجل ومؤسف بكل تأكيد، لكنه نتج عن تراكمات متتابعة، وحرب ضد اللغة العربية من جهات عديدة والتاريخ خير شاهد على ذلك، فليس الأمر وليد هذه السنة، أو ابن هذا العقد، بل هو نتاج عقود مرت في هذا الانحطاط اللغوي، الناتج عن انحطاط سياسي أولا، ثم اجتماعي، وأخلاقي…، وجراء حرب ضروس في سبيل إماتة الفصحى، لغة الكتاب العزيز.
ولكي نحافظ على اللغة العربية، ونضمن سلامة استعمالها، وحسن تداولها في صفوف التلاميذ، والطلبة، والأساتذة، والباحثين، فلا بد من تشجيع القراءة، والتحفيز عليها: ماديا، ومعنويا، ونشر الكتاب، وجعله متاحا للاقتناء من قبل المهتمين، وفرض سلطة على وسائل الإعلام، والاتصال لضبط اللغة العربية، وعدم التهاون، والتساهل في ارتكاب الأخطاء اللغوية دون مراقبة، وأن تتداول اللغة العربية الفصيحة في المجالس العامة، والخاصة، وأن نشجع الطلبة للرجوع إلى المعجم العربي، فهو مصدر اللغة الأساسي، وأن يصبح المعجم زادهم، ومفتاحهم، وصاحبهم في كل بحث، ودراسة، وأن يكون المعجم العربي مصدرا، وأساسا لدراسات لغوية حديثة.

 

ما العوائق التي اعترضتك، وأنت تبحثين عن لغتك الخاصة في إخراج معجم على أرض الواقع؟

– إن الاشتغال في المعاجم حقيقة أمر صعب، يحتاج إلى مجهود كبير، من حيث قوة التركيز، والطاقة البصرية في تصفح أجزاء المعجم بأكمله، والصبر على استخراج المادة رغم غزارتها، ثم تحديدها، وتوثيقها…، وخصوصا التصنيف فهو منهج علمي يحتاج إلى تقنيات خاصة، من حيث توزيع الجذور المستخرجة من المعجم حسب خصائصها الدلالية، أو الصرفية، وهذا ما ركزت عليه في كل من معجم الألفاظ الدالة على الصوت في لسان العرب الذي اعتمدت فيه تصنيفا دلاليا، ومعجم الجذور المعتلة في لسان العرب لابن منظور الذي اعتمدت فيه تصنيفا صرفيا.
ففي معجم الألفاظ الدالة على الصوت في لسان العرب، الذي قدمته في 214 صفحة، يضم 672 جذرا، قسمته دلاليا إلى أربعة أبواب، باب خاص بأصوات الإنسان والجن، وباب خاص بأصوات الحيوان، وباب خاص بأصوات الطبيعة، وباب خاص بأصوات الأشياء والآلات، وفي كل باب مجموعة من الفصول، كل فصل يتميز بخصائصه الدلالية، ومثاله:
باب في أصوات الإنسان والجن/ فصل في أصوات أعضاء جسد الإنسان/1- الأذن: (طنين).
باب في أصوات الحيوانات/ فصل في أصوات الحيوانات المتوحشة/ 1- أسد، سباع: (حفيف)، (رزيم)، (زئير)، (زمجرة)، (زمزمة)، (قبيب)، كهكهة)، (نهيت)، (همهمة)، (وهوهة).
باب في أصوات الطبيعة/ فصل في أصوات الطبيعة/ 1-بحر: (غطمطة)، (ناجخ) و(نجوخ).
باب في أصوات الأشياء والآلات/ فصل في أصوات الأشياء والآلات/ 1-آلات موسيقية: (درداب)، (شِياع)، (صِيار)، (طرْق)، (طنمة)، (كهكهة)، (نَدْف)، (نكْت).
كما حددت ألفاظ الصوت التي وضعتها بين قوسين، من خلال ما قدمه ابن منظور في لسانه، مستدلة بالقرآن والحديث أو الشعر.
وقد جمعت وصنفت ألفاظ الصوت في هذا المعجم لجعل الطريق معبدة، تسعف الباحثين وعلماء اللغة في تقصي المعرفة بكل سهولة ويسر.
أما معجم الجذور المعتلة في لسان العرب لابن منظور، الذي قدمته في 559 صفحة، يضم 1775 جذرا، اعتمدت فيه تصنيفا صرفيا، لأن الإعلال ظاهرة صرفية، وقسمته حسب نوع العلة الموجودة في الصرف العربي، وسنجد:
الجذور معتلة الفاء (المثال)، وفيه المثال الواوي والمثال اليائي.يضم 388 جذرا، مثاله: [وأب] و [يأجج].
الجذور معتلة العين (الأجوف)، وفيه الأجوف الواوي والأجوف اليائي. يضم 845 جذرا، مثاله: [أوب] و[أيب].
الجذور معتلة اللام (الناقص). يضم 454 جذرا، مثاله: [أبى].
الجذور معتلة الفاء والعين (اللفيف المقرون)، وفيه باب الواو وباب الياء. يضم 16 جذرا، مثاله: [ووق] و[يوح].
الجذور معتلة العين واللام (اللفيف المقرون)، وفيه اللفيف المقرون الواوي والمقرون اليائي. يضم 46 جذرا، مثاله: [أوا] و[أيا].
الجذور معتلة الفاء واللام (الفيف المفروق)، وفيه المفروق الواوي، والمفروق اليائي. يضم 26 جذرا، مثاله: [وأى] و[يدى].
الجذور معتلة الفاء والعين واللام.سنجد فقط جذرين: [ييا] و[يوا-يا] .
يساعد هذا المعجم في طريقة عرضه للمادة الباحث في التعرف على خصائص الجذور المعتلة، ودراستها عن قرب، ودون عناء وجهد كبيرين في البحث في عدد من المجلدات، والأجزاء الخاصة بكل معجم لغوي، بحيث تتضح لديه الفروق اللغوية، والدلالية في الجذور المعتلة على مستوى الفاء والعين واللام، وهناك الكثير من الملاحظات التي يمكن اقتناصها عند تفحص المعجم، بغية الاشتغال على بحث من البحوث الصرفية، أو التي تتصل عموما بالبنية.

 

 

من اكتشف في دواخلك موهبة التصنيف المعجمي، ومن ساعدك على ذلك؟

– دراستي في الماستر عند أستاذي الأستاذ الدكتور: “محمد السيدي” كانت البداية للاهتمام بالمعاجم ودراستها، وقد بدأت في التفكير الجدي لصناعة معجم في بحث الدكتوراه الذي أشرف عليه الأستاذ الدكتور :”محمد السيدي” في موضوع معاجم الموضوعات عند العرب، وكان القسم الثاني من البحث وهو القسم التطبيقي فيه صناعة معجم في موضوع ألفاظ الصوت من لسان العرب لابن منظور، وقد تم طبعه، ونشره بعد حصولي على شهادة الدكتوراه، وكان هو البداية عندي في التصنيف، وصناعة معاجم الموضوعات.
وقد ساعدني الدكتور “محمد السيدي” من خلال توجيهاته، ونصائحه وتحفيزه، وتشجيعه لي؛ لأقدم هذا العمل.
وبعد ذلك استفدت من توجيهات سعادة الدكتور المكرم: “جمال عبد العزيز أحمد”، وهو أستاذ جامعي من جمهورية مصر العربية الشقيقة، من كلية دار العلوم – جامعة القاهرة، قسم النحو والصرف والعروض، فقد كنت مداومة على التواصل مع سعادته، والاتصال به؛ لأنه كان – وما يزال سندي- على مستوى المشورة العلمية، والمراجعة اللغوية الدقيقة بكل معاني الكلمة لكل أعمالي، وكان له رأيه الرائع في طريقة الاشتغال على المعاجم، واختيار المادة، وكيفية تصنيفها، وعلى المستوى الشخصي أنا أعتبره بحرا من العلوم الذي أغترف منه في كل وقت، وحين، وأعود إليه كثيرا في أمور علمية عديدة، وسعادته لا يتأخر عن مساعدة كل الباحثين، والدارسين في كل مكان في هذا العالم الرحيب، حيث يبذل معنا جميعا غاية جهده دون انتظار شكر، أو ارتقاب مدح، أو ثناء.
فجزاه الله عن البحث، والباحثين جميعا خير الجزاء، وأبقاه له في أثره، وخلفه في عقبه.

 

 

لكل لغوي طقوسه الخاصة في الجمع، والتصنيف، والكتابة، فما طقوسك الخاصة؟

– أول ما أبدأ به هو اختيار الموضوع، أو الحقل الدلالي الذي أريد الاشتغال عليه؛ لأهميته أولا، ولقلة حضوره في المكتبة العربية ثانيا، ثم أختار المصدر، أو المصادر التي سأستخرج منها المادة، وبالطبع كنت وفِيَّة لابن منظور – رحمه الله-، فاخترت، وباقتناع تام، معجمه (لسان العرب) مصدرا وحيدا لاستخراج المادة، بعدها أضع تصنيفا للمادة حسب خصائصها الدلالية، أو الصرفية، كما قدمت في المعجمين سابقا، وأرجع إلى اللسان لأستخرج الجذور المتعلقة بالمادة، وأجمعها حسب الأقسام التي حددت في التصنيف مع التعريف بها، واختيار الأخص، فالأخص مما ذكره اللسان؛ لأن معجم الموضوعات متخصص في تقديم المادة، والتعريف بها دون التفصيل، والتعمق؛ لأن هذا الأخير سنجده في معجم الألفاظ، وطبعا، داخل كل قسم المتميز، وبخصائص معينة، أرتب الجذور ترتيبا هجائيا، مع الإحالة على الجذر بالصفحة، والجزء في (لسان العرب).

 

 

في نظرك، وأنت تشتغلين يوميا باللغة العربية، هل لغة الضاد لا تزال بخير؟، وخاصة أن هناك جهات متعددة تحاربها، آخذة العامية مطية لذلك، ومدعية أن التعبير بالعامية أكثر جمالية من التعبير بالفصحى؟

-الحقيقة أن لغة الضاد – في هذه الآونة- ليست بخير، بعد أن كانت هي لغة العلوم والآداب والحضارة، إلا أنها قد أصبحت اليوم تُحارب، وتُهان، وتتراجع إلى الوراء، حيث تحارب من قبل اللغات الأخرى التي تريد أن تجذر ثقافتها في بلدنا من خلال: (مؤسسات، وإدارات، ولقاءات علمية، وثقافية متعددة) كاللغة الفرنسية، وتُهان كذلك عندما يُسمح لمستعمليها، وهم: (الفئة المتعلمة، والمثقفة) بارتكاب أخطاء لغوية: نحوية، وصرفية، وإملائية دون تصحيحها، وتجاوزها، وكأن شيئا لم يكن، وتتراجع إلى الوراء أيضا عندما يسقط من يدها لواء العلم، والبحث، والأدب، ويرفع اللواء للغات أخرى غزت العالم، والمغرب خصوصا، وأخطر من ذلك تشجيع اللغة الدارجة، أو العامية للتدريس بها، وإنتاج الأدب، ومجالاته بها.
إن اللغة العربية هي لغة البيان، والفصاحة، هي اللغة الجميلة في كل إمكاناتها اللغوية، وطاقاتها التعبيرية، سواء في حروفها، وسعة كلماتها، وبلاغتها، وبيانها، هي قوية في تعابيرها، وتمتلك كل عوامل البقاء، والشموخ، وتستوعب كل حضارة، وتمتص كل جديد، وتدخله في أتونها الموار؛ لينصهر في بوتقتها العربية، ولكن ما يقوي موقفها، ويجعلها في الصدارة دائما، وتقف شامخة، عزيزة، تتحدى كل جديد، وتستوعب كل حضارة، وتقف أمام عوادي الزمن، ومؤامرات البشر: أنها لغة القرآن، ويكفيها ذلك فخرا، وعزا، ومنعة، وقوة.

 

ﻳﻘﻮﻝ بعضهم: إﻥ المعاجم القديمة ﻋﺎﺟﺰﺓ ﻋﻦ ﻣﻮﺍﻛﺒﺔ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻲ، ﻭﺃﻥ ﻇﻬﻮﺭ معاجم ﺟﺪﻳﺪﺓ قد أصبح ﺿﺮﻭﺭﺓ يقتضيها الواقع، فما رأيك في تلك المقولة؟

– أتفق معها كليا: في أن المعاجم لا بد أن تتطور، ولا بد أن تلاحق تطور الإنسان، فاللغة وليدة بيئتها، وبنت مجتمعها، هي كائن حي، يجري عليها من التطور والتحضر ما يجري عليه، فهي تتطور مع ظهور الجديد في حياة الإنسان، في كل المجالات؛ لذلك يجب أن تكون المعاجم مستجدة، ومتطورة، وحاضرة في كل وقت، ومكان، ودليله أن مجموعة من التقنيات استجدت في حياتنا اليومية لزمت ظهور لغة خاصة بها، ولكن لا بد أن يسند هذا العمل إلى المتخصص الواعي، والمعجمي الحاضر الرقيب لمستجدات الحضارة المتلاحقة، الراصد الأمين، والحارس اليقظ؛ ليكون حاضرا، متيقظا، عارفا، وعالما بأمور دنياه، ومستجدات عصره، راصدا لكل جديد.
فالواقع إذن يتطلب سرعة النظر في ذلك، كما يقتضي الأمر ظهور معاجم متخصصة (أقول متخصصة)، لكن تبقى المعاجم القديمة الأصل، والمنبع الذي لا يمكن بحال من الأحوال أن نفرط فيه، ويلزمنا أن نرجع إليه دائما.
كما قلت: بالإضافة إلى قيام المتخصصين المخلصين في المجامع العربية بوضع معاجم متخصصة، تتماشى مع مستجدات العصر، وتتواكب مع التقدم الحضاري المتسارع الخطا في كل مجالات الحياة، وهم رجال مخلصون، وهبوا حياتهم لخدمة اللغة، وتقديم أقصى جهد ممكن في كل المجالات، فالله يعينهم، ويتقبل جهودهم، ويبارك على الدوام خطاهم.

 

كلمة أخيرة نختم بها هذا اللقاء دكتورة إلهام الغذاني المتخصصة في علم المعاجم وصناعة المعجم..

شكرا لك دكتورة فاطمة الديبي على هذا اللقاء الشائق، الممتع، وهذا الحوار الكافي الشافي الذي استمتعنا به، وأرجو لك مزيدا من العطاء، والإبداع في مستقبل حياتك، والنجاح والتألق لمجلتكم الرائعة،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

إعراب : مَنْ عَرَفَ قيمَتَهُ كَإنْسانٍ قَدَّرَ قيمةَ الناسِ أَجْمَعينَ

  _ مَنْ : اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. _ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *