[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

تحفة العار – جمال أزروفي

كانت أمنيته أن يستقل الطائرة بمحض إرادته، محملا بالهدايا وعلب الحلوى. يستدير به جميع أقاربه وهم يرمقون حقائبه الممتلئة عن آخرها متربصين ساعة بداية التوزيع، وهو ينتشي بالنظر إلى فرحتهم بما استقدم لهم من أشياء تنبعث منها رائحة خاصة يسمونها رائحة الخارج، متكئا على محفظة تأوي مبلغا من المال يصرفه على ذويه وأصدقائه دون تحفظ وبكل كرم، هكذا على الأقل كانت تحلم أمه منذ عزومه المتأخر على الالتحاق بالضفة الأخرى من المتوسط. وهو ينسحب الآن منهزما أمام هذه الإرادة ولا يملك إلا أن يمتثل لكابوس لا ينتمي إليه، لأن حظه العاثر شاء له أن يجلس اليوم في الطائرة بين شرطيين مكلفين باقتياده إلى بلده الأصلي بحجة عدم امتلاكه أوراق إقامة .

يتأمل المسافرين وهم يشكلون سلسلة بشرية لا نهاية لها داخل الطائرة بحثا عن أرقام مقاعدهم. نظراتهم لا تبالي بالحاضرين بقدر ما تتعلق بالصفائح المرقمة بحثا عن الأماكن المخصصة لكل واحد منهم.

تحاول المضيفة جاهدة أن تُدْخلَ إحدى الحقائب في الدرج العلوي، لكن حجمها كان أكبر من أن يستوعبها، تضغط عليها جاهدة لإرغامها على الانصياع لكن دون جدوى .

انتفض الملتحي الذي كان مشغولا بإخفاء محفظة صغرى تحت الكرسي وقال بلهجة مهددة :

  • اِحذري أنت، بداخل الحقيبة أشياء هشة قد تكسرينها. ليس من الضروري أن تقفلي الدرج.

ردت المضيفة بهدوء :

–  معذرة سيدي، لابد من إقفال الدرج، سأضطر لبعث محفظتك في جوف الطائرة .

– لا يمكن ، محفظتي ستبقى هنا.. انتظري أنت لا تعرفين.

بكل ما أوتي من قوة، وشهيق وزفير ورائحة مسك تشتم من بعيد ضغط، على باب الدرج فانغلق بصعوبة، جعل الجميع يترقب انكساره في أي لحظة. عاد إلى مكانه وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

أبانت العجوز قبالة المهاجر السري عن ابتسامة ماكرة، وشنفت جبينها وهي تنظر إلى جارها البلجيكي، الذي يخمن الناظر إليه بسرعة بأن رأسه الكبير لا يلائم جسمه، وهو يبادلها ابتسامة محايدة.

ستنزل الطائرة في الدار البيضاء بعد ثلاث ساعات تقريبا، ومعها ستنزل كل أحلامه إلى درجة دون الصفر رغم الصيف القائظ هناك، لأن الجميع سينظر إليه بعين اللوم والتوبيخ، إذ كيف أهدر هذه الفرصة التي أتيحت له ولم يتحينها  لتسوية وضعيته منذ أربع سنوات قضاها هناك، وبعضهم استطاع أن يسوي أوراقه في أقل من عام.

وأمه، وأبوه اللذان وضعا كل آمالهما في سفره هذا، بعد كل ما بذلاه من أجله لاستكمال دراسته دون أن يرد لهم ذلك مردا جميلا.

كيف سينظر إلى أخته الصغرى وهو الذي كان دوما يردد على مسامعها بأنه بمجرد تسوية أحواله هنا، أول ما سيقدم عليه هو إرسالها إلى الرباط لإجراء عملية جراحية لعينها اليسرى كي يستقيم اعوجاجها.

فقط أصدقاءه سيفرحون بعودته بل سيأخذون ذلك على محمل الهزل.. سيقول له أحمد: أمثالك لا يصلحون إلا لهذا النوع من البلد.. كريم حتما سيبحث عن إحدى النوادر ليقارنها بعودته غير المتوقعة. لكنه لا يمنح أدنى تفكير لكيفية تفاعل أصدقائه مع رجوعه الاضطراري، فهم يملكون من الوعي ما سيجنبه الأسئلة المحرجة.

لكن منى.. آه.. منى، كيف ستستقبل الخبر، هل ستتشفى فيه بعد أن غادرها دون سابق إنذار مع أول فرصة أتيحت له، مكسرا برج الأحلام الذي شيداه سويا في الجامعة؟

أحس بمغص حاد يعتريه وهو يفكر فيها. هي الآن إطار بالبريد المحلي، وتملك سيارة خاصة فهل يا ترى ستغفر له كل ما قاسته بعد رحيله الخائن؟ ولم لا يمد الجسور معها من جديد. فما زال في دواخلهما ما يجذب أحدهما للآخر كما يعتقد هو على الأقل.

تمر حياته أمامه بسرعة فائقة، تتوالى الصور والمشاهد، تتراءى له وجوه تبكي وأخرى تضحك وتستهزئ وبعضها يتأسف ويتحسر.. يحس باختناق، يتأوه بصوت مسموع غير آبه بمن حوله حتى نبهه صوت الشرطي :

– هل أنت بخير؟

–  أنتم ستذهبون بي إلى الجحيم وتريدونني أن أكون بخير؟

نظر الشرطي إلى صاحبه باستغراب، وآثر ألا يرد تفاديا لإثارة الانتباه لحساسية الموقف.

كادت الطائرة أن تملأ عن آخرها.. أكثر الركاب أوربيون، وبعض المغاربة هنا وهناك.. حاول بنظرة خاطفة أن يتعرف على وجه يعرفه لكن دون جدوى. وبماذا سيفيده التعرف على أحد الوجوه. احتقر الفكرة لكنه استمر في مراقبة الفرق بين رزانة الأوربيين في طريقة جلوسهم، وسعيهم إلى تحسين ظروف سفرهم على عكس المغاربة الذين يصعدون الطائرة محملين بالأمتعة وأكياس البلاستيك وبعض الآلات المنزلية.

طلبت المضيفة من الجميع تثبيت حزام السلامة استعدادا للإقلاع. توقفت عند الملتحي وهو يتباطأ في تنفيذ أوامرها انتقاما منها. وحين غادرته انكشف للجميع مجلد كبير موضوع فوق الطاولة الصغيرة، والملتحي يقرأ فيه بإمعان، متمتما بصوت مسموع؛ بينما الجميع يرمقه بنظرات مريبة. حتى الشرطيان صارا ينظران إليه باهتمام بالغ .

قال المهاجر للشرطي عن يساره بصوت تعمد أن يكون مسموعا:

– إنه كتاب خطير ذاك الذي يقرأه الملتحي، دستور الإرهاب عند داعش.

– خفض صوتك يا هذا. وأنت من أين عرفت هذا قال الشرطي عن يمينه.

– هذه لغتي، وهذا الكتاب كانت توزعه الجماعات المتطرفة مجانا بالمغرب منذ زمن. فهو يقول بضرورة قتل المسلم للكافر، ويرخص لهذا الملتحي باعتباره مسلما أن يغتصب نساءكم، ويسلب أموالكم، ويستعبد بناتكم وأطفالكم.

– هذه حماقات، قال الشرطي.

– هل كانت العمليات الإرهابية الأخيرة حماقات، تصور ونحن على ارتفاع أميال، والملتحي يصادف نصا يشحنه حماسة وتشجيعا على الجهاد، أعتقد أننا سنكون أمام أمر يصعب فيه الرجوع إلى الخلف، وسيستحيل ضبط الأمور ونحن في أعالي السماء .

تعمد أن ينطق الجمل الأخيرة بصوت مرتفع، عل الذين حوله يتفاعلون مع ما يقال.. الشيء الذي لم يطل حدوثه. إذ بمجرد انتهائه من كلامخ انبرت العجوز المقابلة له صارخة:

  • هذه الرحلة لا يمكن أن تتم بحضور هذا الشخص. وأشارت إلى الملتحي. إنه إرهابي ويقرأ في كتاب يشجع على القتل.

هب الملتحي واقفا وأشار بسبابته نحو العجوز:

  • اخرسي أيتها العجوز، أنت عنصرية.

تثاءب بعض الجالسين يدافعون عن المرأة. ارتفعت أصواتهم سبا وشتما للملتحي وهم يرددون ما سبق أن قاله قبل قليل. آنذاك تأكد أن الجميع كان يسمعه بإمعان.

حاول الشرطيان تهدئة الأمر، وأخبرا الجميع بأنهما يمثلان الأمن وأن كل شيء تحت السيطرة.

لكن نظرة خاطفة إلى مقدمة الطائرة أكدت بأن الأمور قد اتخذت مجرى خطيرا،

فركاب الصفوف الأمامية لم يعرفوا مجريات الأحداث، وبمجرد ما اتضحت لهم جثة الملتحي وهو يتأهب للانقضاض على الذين كانوا يسبونه اشتغلت ذاكرتهم الإعلامية، فماذا عساه بلحيته يفعل، إن لم تكن سوى محاولة انتحارية أو هجوم مسلح. وهذا كان كافيا لأن يجعل أغلبهم يفر نحو الباب الأمامي للنزول جريا، ظانا بأن الطائرة على وشك الانفجار. وبنظرة خاطفة على الترمك تأكد بأن التشبث بالحياة يجعل حتى هذا التسعيني يقفز كابن العشرين غير آبه حتى بزوجته العجوز التي تبدو أصغر منه بكثير وراءه .

لم تدم المشادات طويلا بين الملتحي وبين ركاب الخلف، حتى لمح رهطا من الشرطة الملثمة والمدججة بالأسلحة الثقيلة يلجون الباب الخلفي للطائرة بينما آخرون يتقدمون من الجهة الأخرى التي كانت شبه فارغة إلا من الحقائب المتروكة على حين غرة، وحفاظات الأطفال والحقائب اليدوية للكثير من النساء وبعض شاشات الكمبيوتر على الطاولات، وكأن المكان ميدان معركة مات جميع العساكر فيها. ارتفع صوت الملثمين وهم يصيحون في الملتحي:

  • ارفع يديك عاليا، ارفع يديك ولا حركة وإلا أطلقنا النار!!!

أمام دهشته وارتباكه، امتثل الملتحي للأمر وهو يردد :

  • أنا لست إرهابيا، لست إرهابيا. أنا اقرأ فقط كتابا.. وأمام إلحاح الملثمين ارتمى منبطحا على بطنه فتدحرج الكتاب الذي ظل متشبثا به طيلة تلك الفترة إلى أن اصطدم بقدم الشرطي الجالس قرب الممر، تراءى عنوان الكتاب الذي كان مكتوباً بلون ذهبي: تحفة العروس ومتعة النفوس لمحمد بن أحمد التجاني (للكبار فقط)..، تمعن المهاجر للتو عنوان الكتاب فجف الريق في حلقه، واصطدم بنظرات الملتحي مشوبة بنوع من الخجل والتوبيخ.

تم توثيق يدي هذا الأخير خلف ظهره ورجليه وتعصيب عينيه، وتكلف أربع ملثمين بحمله دفعة واحدة، مرفوعا عن الأرض ككومة تبن جاف، وهو يردد:

  • أنا لست إرهابيا، لست إرهابيا، لم أفعل شيئا.

 

باشر بعضهم جمع أغراضه الشخصية، بما فيها التحفة التي وضعها بحرص في كيس بلاستيكي وكأنها أداة جريمة.

تقدم أحدهم من الشرطيين المكلفين بحراسة المهاجر غير الشرعي. تبادلا التحية وسألهما عما وقع بالذات، باعتبارهما زملاء في العمل.

نظرا مرة واحدة إلى المهاجر، بينما كان هو يتكئ على الدرج العلوي للطائرة فقال أحدهم مشيرا إليه:

  • هذا هو السبب في كل شيء .

طلب منهم المسؤول النزول لإنجاز المحاضر الضرورية لذلك، والاستماع لتصريحاتهم.. وقال موجها نظراته إليه وكلامه إلى الشرطيين:

  • سنحتفظ به كشاهد على ما وقع.

امتعض الشرطيان وقال أحدهما وهو يوجه سبابته قريبا من وجهه:

  • أنت بحثت عن المشكلة أيها الوغد، فُكَّهَا الآن إن استطعت. ستظل صاعدا نازلا لشهور عدة حتى تنتهي هذه القضية.

قال المهاجر مبتسما:

  • المهم بالنسبة لي هو ألا أنزل هناك. أما هنا فلا بأس، أستطيع أن أنزل حتى إلى الجحيم بدون تردد إن أردتم.

 

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

افتتاح موقع “أزهار الحرف” __ غادة الحسيني

كتبت من بيروت: غادة الحسيني تم افتتاح موقع “أزهار الحرف” المنبثق عن (ملتقى الشعراء العرب). …

اترك تعليقاً