[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

بين الجهل المقدس والدعوة إلى إلقاء “سلاح الكتابة”

وأخيرا وصلت “رسالة الإحباط” إلى جل المثقفين المغاربة، تماما كما فهمها عدد كبير من أعضاء النخبة المزعومة.. وكل واحد يمكن أن يتصور نفسه من النخبة، بمن فيهم صاحب هذه الزاوية الذي يعطي لنفسه حق الدخول والخروج في الكلام.. المهم هو أن يتسرب لأعماق الجميع أن “سلاح الكتابة” لا يغير شيئا من حياة القوم.
الجهل سلطة، وأخطر أنواع السلطة هي سلطة الجهل، حتى وإن تزعمها المثقفون.
وأخطر أنواع السلاح هو السلاح الثقافي، وأي سلاح سيبقى لنا إذا استسلمت الطبقات المتنورة الواعية فينا؟.. صحيح أن المثقف يمكن أن يمتلك السلطة، بحيل سياسية، لكن السلطة لا يمكنها أن تمتلك المثقف، لسبب بسيط هو عدم خضوعه لسلطة “الإغواء” بجميع أنواعه.
لقد تتبعنا بأسف كبير إعلان واحد من المثقفين (حتى وإن اختلف معه البعض) أنه فقد الأمل في حصول ثورة ثقافية في المغرب، إذ نقلت الصحافة عن حسن أوريد قوله: “نحتاج إلى ثورة ثقافية، ولكني أُصبت بنوع من الإحباط، لأن جيلنا قدم ما ينبغي أن يقدمه، وعلى الجيل الجديد أن يقدم ما لديه من تصورات”، ثم قوله: “أنا شخصيا حْطيت السلاح.. ينبغي أن ينكب الجيل الحالي على تحقيق ما كنا ننادي به، وينبغي أن تستوي بنْية الدولة وأن تكون هناك ثقافة مطابقة للمعايير الكونية”.
من دعا حسن أوريد إلى إلقاء السلاح؟ هل يعقل أن الرجل الذي طلق عوالم السلطة، بسبب ولعه بالكتابة، انتهى محبطا بهذه السهولة؟ هل أوريد هو من ألقى السلاح أم إنه تكلم نيابة عن عدد كبير من المثقفين المغاربة؟
ماذا حصل حتى صار المثقفون مثل “المليشيات المنبوذة” التي تصدُر في حقها دعوات إلقاء السلاح؟ هل تحولت الكتابة إلى تهمة؟ ماذا لو أن سلطة ما في زمن ما اختارت معاقبة جميع الكتاب بتهمة “حيازة وصياغة أفكار ممنوعة”؟ ماذا لو تم تفصيل قانون جنائي ثقافي على المقاس، يعتبر أن الكتابة بدون إذن مخالفة.. وتكييف تهمة صياغة كتاب بشكل سري في “خلوة ثقافية” بمثابة جريمة “تطوير سلاح ثقافي ممنوع” كجناية، مع ظروف التشديد المتمثلة في التفكير عن عمد والتخطيط المسبق؟.. ماذا لو أن “سلطة ما” اختارت في يوم ما أن تحاكم الجميع، بتهمة حيازة الكتب، بغض النظر عن مضمونها، لأن كل كتاب هو “إساءة للجهل المقدس”.
ماذا لو أن كل المثقفين والقادرين على حمل سلاح القلم ألقوا سلاحهم وانخرطوا جميعا في “مؤامرة الصمت”، لخدمة “أجندة الجهل” التي تسعى إلى هدم الوطن فوق رؤوس الجميع؟ هل يمكن تصور وطن بدون مثقفين، وبدون نخبة؟.. أي بلد هذا يمكنه أن يعيش وهو “لا يقرأ”؟
رجاء، أيها الكتاب، وأشباه الكتاب، والمثقفين، وأشباه المثقفين، لا تلقوا سلاحكم، لا تجعلوا من الجائحة جائحتين، فلا يصح إلا الصحيح. صحيح أن الجهل يجيد الإغواء، ويمكن أن يوفر للمثقف صالات وغرف نوم مريحة بعيدا عن “الهم الثقافي”، لكن التغرير بالمثقفين، أو التضييق عليهم بدعوتهم إلى إلقاء سلاحهم، لن يكون في صالح أمة سائرة في طريق النمو بكل تأكيد.

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

ومضات الشاعرة غادة إبراهيم الحسيني

  “ومضات” : 1_ الحب أن تسعد نفسك مع ضبط هواك لمن يبغي رضاك 2_ …

اترك تعليقاً