https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js
[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

بوشطارت يحكي سيرة أمير أمازيغي في الأندلس

“بوشطارت يحكي سيرة أمير أمازيغي في الأندلس” :

 

قال عبد الله بوشطارت، فاعل وكاتب أمازيغي، إن “سردية تاريخية مغلوطة سَادت حول الأمازيغ وعلاقتهم بالكتابة والتأليف، بكونهم شعب تطغى عليه الشفوية ومنغرس في المنظومة الشفهية، وكونه شعبٌ لا يكتب، لا سيما في الكتابة التاريخية، بِحُكم أنهم يصنعون التاريخ لكن لا يكتبونه بأياديهم”، مشددا على أن “المتمعن في الإسطوغرافية التاريخية في شمال إفريقيا والأندلس والقارئ للمتون التاريخية والمصادر الدفينة سيدرك أن هذه السردية التاريخية التي غُلف بها تاريخ الأمازيغ، هي سردية مغلوطة، وغير حقيقية”.

وأوضح بوشطارت، في مقال له بعنوان “سيرة أمير أمازيغي في الأندلس”، أن “فترة حكم الأمازيغ في الأندلس تبقى أكثر الفترات التي كُتب تاريخها بكثير من الغلو، وأكثر الفترات تعرضا للتحريف والتزوير، فتاريخ الأندلس كله ملغوم، بفعل طغيان الكتابة الإيديولوجية، وتمجيد الوجود العربي المبالغ فيه، إلى حد أنه يتم تقديم كل المنجز الحضاري والثقافي في الأندلس كأنه منجز عربي خالص”.

هذا نص المقال:

سَادت سردية تاريخية مغلوطة حول الأمازيغ وعلاقتهم بالكتابة والتأليف، بكونهم شعب تطغى عليه الشفوية ومنغرس في المنظومة الشفهية، وكونه شعبٌ لا يكتب، لا سيما في الكتابة التاريخية، بِحُكم أنهم يصنعون التاريخ لكن لا يكتبونه بأياديهم. إلا أن المتمعن في الإسطوغرافية التاريخية في شمال إفريقيا والأندلس والقارئ للمتون التاريخية والمصادر الدفينة سيدرك أن هذه السردية التاريخية التي غُلف بها تاريخ الأمازيغ، هي سردية مغلوطة، وغير حقيقية. والحَاصِلُ أن البعض حاول تحييد موقف الأمازيغ من تاريخهم، وإغراق الكتابة التاريخية بنصوص تستهدف الحقيقة التاريخية وتوجيهها نحو تسييد مواقف وأفكار يطغى عليها البُعد الأحادي الذي يمجد طرفا أو عنصرا عرقيا معينا على أطراف ومكونات أخرى فاعلة في بنية التاريخ.

وهذه الآفة لازمت الكتابة التاريخية منذ العهود الأزلية في شمال إفريقيا، فكلما وصلت جيوش الشعوب الغازية إلى شواطئ وأراضي بلاد الأمازيغ (بلاد البربر في المصادر الغربية والعربية) إلا وكتبت تاريخَ المنطقة بحروف لغتها وبمدادها المزيف، الذي يحتقر الأمازيغ ويحط من قيمتهم وشأنهم، ويُعلي من شأن تلك الشعوب التي احتلت المنطقة، وقد ظهر هذا بشكل جلي أثناء غزو روما لبلاد الأمازيغ، واستفحل أكثر أثناء الغزو الأموي- العربي، ثم الغزو التركي، كما طفا على السطح مرة أخرى وبشكل قوي أثناء الاستعمار الفرنسي والإسباني لشمال إفريقيا والصحراء الكبرى منذ سنة 1830.

وتبقى فترة حكم الأمازيغ في الأندلس أكثر الفترات التي كُتب تاريخها بكثير من الغلو، وأكثر الفترات تعرضا للتحريف والتزوير، فتاريخ الأندلس كله ملغوم، بفعل طغيان الكتابة الإيديولوجية، وتمجيد الوجود العربي المبالغ فيه، إلى حد أنه يتم تقديم كل المنجز الحضاري والثقافي في الأندلس كأنه منجز عربي خالص، وتصور الأندلس كأنه رقعة جغرافية تقع بضواحي دمشق أو بغداد أو كواحة وسط صحاري الشرق الحارقة، فلم تتم مراعاة البعد الجغرافي الكبير بين الشرق والأندلس الواقع في أقصى غرب المتوسط، وكذلك التعدد الثقافي والعرقي الحاصل في شبه الجزيرة الإبيرية إبان تلك الحقب الزمنية، وما عاشتها المنطقة بشكل عام من اضطراب سياسي وصراعات مذهبية ودينية وطائفية، أرخت بظلالها على طريقة كتابة التاريخ وتأليف الصور النمطية.

وقد زادت حرارة وحماسة الصراع والحروب الدينية بين المسيحية والإسلام، وبين المذاهب الإسلامية، والتي كان الأندلس مرتعا لها، من توجيه التاريخ والتأليف وتكوين صورة مجانبة للواقع وللأحداث، وأدت بالكتابة التاريخية إلى نوع من الزيغ الإيديولوجي وغلبة الأسطرة وتمجيد كل ما له علاقة بالثقافة العربية الإسلامية. لكن هذا لا يبرر حجم الهجوم على الأمازيغ والسعي نحو إخفاء كل ما له صلة وارتباط بالحضارة الأمازيغية. لا سيما إخفاء موقفهم وموقعهم وصوتهم في كتابة تاريخ الأندلس، حيث تتم تصفية وجودهم بشكل ممنهج ومقصود.

وفي هذا الصدد لا بد أن نذكر بكتاب “مفاخر البربر” الذي سلط الضوء على وجود الأمازيغ ودورهم الكبير في بناء تاريخ وحضارة الأندلس، ودافع عنهم مؤلف الكتاب باستماتة قوية وصريحة، وخوفا على سلامته وعن حياته، قام بنشر الكتاب دون الإعلان عن اسمه، وعُرف الكتاب باسم مجهول، ويظهر من خلال هذه الإشارة أن الأمازيغ لا يشعرون بالأمان في الدفاع عن أنفسهم والكتابة عن تاريخهم وعن أسرهم، فالتعبير عن الموقف آنذاك كان ليس بالأمر الهين، بسبب عدم وجود حرية تعبير للحديث عن الحضور الأمازيغي ومساهمته في الأندلس، كأنه “ملف حساس” على اعتبار أن تاريخ هذه المنطقة كان محفوظا لعنصر عرقي دون غيره، وقد استمرت هذه الثقافة إلى عهد قريب، وربما لا تزال مستمرة.

وتُعتبر سيرة المَلك الأمازيغي بمدينة غرناطة، عبدالله بن بلگين، من بين أدق وأحق المصادر التاريخية في تاريخ الأندلس، وأصدقها وأنفسها، كما أكد ذلك مكتشف الكتاب وناشره ليفي بروفنصال سنة 1955، لأنه لم يتعرض للتحريف والتلفيق، كما أن كَاتبه هو أمير أمازيغي كان أسيرا في مدينة أغمات.

وقد فكر في أن يؤلف ويكتب سيرة ذاتية يجمع فيها تاريخ تسلسل عائلته الأمازيغية التي أسست مدينة غرناطة الإسبانية وحَكمتها عدة عقود. وهو يفعل ذلك، فإنه يدرك تمام الإدراك حجم التهميش والإقبار الذي سيطال تاريخ أسرته الأمازيغية الصنهاجية التي ساهمت بشكل وفير في بناء حضارة وتاريخ الأندلس. ويشكل هذا الكتاب فارقة ونموذجا في الكتابة التاريخية، لأنه قلما نجد ملكا يتحدث بالتفصيل عن نشأة مملكته وفترات ازدهارها، وأيضا عن طريقة سقوطها. كما يحكي عن ظروف وملابسات استسلامه واقتياده أسيرا من قصره بمدينة غرناطة إلى مدينة أغمات.

فمَن يكون هذا الأمير الأمازيغي الكاتب والمؤرخ؟

إنه الأمير عبدالله بن بلگين بن باديس بن حبوس بن زيري، وهو الملك الثالث لمملكة غرناطة الأمازيغية التي تم تأسيسها من قبل أسرة من صنهاجة إيزناگن، ولد سنة 1064م وعين بعد وفاة والده بلگين/ بولگين عام 1077. وكان أخوه تميم أميرا مستقلا على مالگة. وخاض الملك عبد الله حروبا كثيرة دفاعا عن مملكته ضد الملك ألفونسو السادس أمير قشتالة، وضد الأمير المعتمد بن عباد، وحروبا أخرى كثيرة إبان الصراعات السياسية بين أمراء الأندلس وبين الملك ألفونسو السادس. وشارك الملك الأمازيغي عبدالله بن بلگين في معركة الزلاقة سنة 1086م التي تزعمها الملك الصنهاجي الآخر القادم من الصحراء يوسف بن تاشفين. هذا الأخير عاد وحاصر عاصمة المملكة الزيرية بغرناطة سنة 1090م واحتلها واعتقل الأمير عبدالله وبعث به إلى مكناس، ثم إلى أغمات أسيرا، التي عاش فيها إلى أن توفي، وبها كتب مذكراته التي سماها “كتاب التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة زيري في غرناطة”.

وبالرغم من أهمية هذا الكتاب النفيس، واللغة الجميلة والبديعة التي كتب بها، فقد عانى من النسيان واللامبالاة من قبل المؤلفين والمؤرخين والإخباريين، وقُبر في المهملات، وكاد يضيع بسبب ذلك؛ كما ضاعت كتب ومؤلفات أمازيغية أخرى، ألفها الأمازيغ عن ممالكهم وسيرهم إلى أن جاء ليفي بروفنصال في خمسينيات القرن الماضي، وانتشل المخطوط من رفوف خزانة القرويين بفاس، وقام بطبعه وإصداره في حلة جديدة وأنيقة. وقد انتبه بروفنصال إلى وجود هذا الكتاب حين كان يهتم بنشر كتب ومخطوطات حول تاريخ الأندلس، خاصة مؤلفات لسان الدين بن الخطيب، حيث قرأ ضمنها عبارة أوردها ابن الخطيب في أحد مؤلفاته مفادها: “وقفت على ديوان بخط عبدالله بن بلقين ألفه بعد خلعه بمدينة أغمات وقرر فيه أحواله والحادثة عليه مما يستظرف من مثله، أتحفني به المسجد بأغمات رحمه الله”. والمعروف أن ابن الخطيب زار مدينة أغمات وجبال “درن” عام 1390م، وقد تحدث عن رحلته إلى الأطلس الكبير في كتاب مفيد للغاية وسمه بعنوان “نفاضة الجراب في علالة الاغتراب”.

وقد استهل الأمير الأسير عبدالله بن بلگين كتابه بالحديث عن تاريخ قدوم أمازيغ “آيت زيري” إلى الأندلس وحلولهم بمنطقة إلبيرة. و”آيت زيري” هم سلالة حاكمة تنتمي إلى صنهاجة الشمال، كانت لهم دولة أمازيغية بسطت سلطتها على أجزاء مهمة وشاسعة في بلاد الأمازيغ جنوب المتوسط، وبعد تحولات سياسية واضطرابات اجتماعية طارئة في المنطقة والأندلس، فكر وجهاء وزعماء من أمراء إيزناگن/ صنهاجة في العبور إلى العدوة الأخرى/ الأندلس، التي كانت تعيش تحت وزر الحروب الطائفية والانتقامات والدسائس السياسية بين أمرائها. وفي ذلك السياق حل إيزناگن بإلبيرة، بقيادة زاوي بن زيري بن مناد، وهو المؤسس الفعلي لمملكة “آيت زيري” بغرناطة. وجاء في كتاب “التبيان” للأمير عبدالله: “فلما رأى سلاطين صنهاجة وبنو زيري اقتطاع كل أمير في بلد لنفسه، وذهاب ما كانوا عليه من عز وأثر، عزموا بالرحيل عن الأندلس والجواز إلى العدوة (…) وكان أهل إلبيرة في بسط من الأرض، وكان بهم من الغش بعضهم لبعض …، ولا يرجعون إلى طاعة ولا حكم والٍ …، فلما بصروا باختلاف سلاطين الأندلس وأنها أضرمت نارا، وتوقعوا أن يتخطفهم الناس، وجهوا إلى زاوي المذكور شاكين مما هم فيه”.

وقد استجاب أمراء إيزناگن لطلب أهل إلبيرة، ليقوموا بحماية بلدهم وممتلكاتهم مقابل أداء إتاوات مالية على ذلك، ونزلوا بها، وبايعوهم وقدموا لهم الطاعة. “فلما طاعت لهم البلاد، اجتمع رأيهم على أن يتقارعوا عليها، وكانت عادة في البربر، كي لا يأنف أحدهم مما يصير إلى أخيه، فرجعت إلبيرة قرعة زاوي، وحصن آشر مع جيان في قرعة حبوس ابن أخيه جدنا، رحمة الله عليهم، وتعاقد جميعهم على أنه إن طرق عدو جهة صاحبه، يكون الآخر يحميها بنفسه ورجاله”. وبهذا الملمح وزع الأمازيغ مناطق إلبيرة فيما بينهم، وأخذ كل أمير من سلالة “بني زيري” جهة من الجهات يحكمها بنفسه.

وبعد أن تمكن أمراء إيزناگن من السيطرة على منطقة إلبيرة، وتوزيع مناطقها عليهم، خططوا للانتقال إلى ناحية أخرى لتحصين دفاعاتهم وقلاعهم، ومن ثمة جاءت خطة بناء مدينة أغرناطة. في موقع جغرافي اختاره أمراء إيزناگن بعناية ودقة، وجاء في الكتاب: “فوقعت أعينهم على بسط جميل، قد جمع الأنهار والأشجار، وجميع ما يليه من البلد كله ينسقي من واد شنيلي المنحدر من جبل شُلَيْر، وبصروا بالجبل الذي فيه الآن غرناطة موسطة للبلد كله… فأفتنهم المكان وعملوا عليه كل حساب، ورأوا أنه في وسط النعم وجمهور الرعايا، وأن العدو متى نازله لم يطق له إحصارا… وتولى كل امرئ منهم إقامة داره من أندلسٍ وبربرٍ”. ويبين لنا هذا النص من كتاب الأمير أن الأمازيغ هم من خطط لبناء مدينة غرناطة الحالية، وهم الذين سكنوا فيها منذ البداية، إضافة إلى الأندلسيين الذين يتشكلون من أقوام مختلفة، وبينهم أيضا الأمازيغ الذين دخلوا منطقة إلبيرة منذ الفترات الأولى لغزو الأندلس بقيادة أمغار المعروف باسم طارق بن زياد.

لم يكن تأسيس مملكة أمازيغية بالأندلس وبناء عاصمتها في غرناطة حدثا عاديا في كل المنطقة، بل شكل حدثا تاريخيا بارزا ومهما كان له ما بعده خلال تلك الفترة، وتسبب في ردود فعل كثيرة لدى ملوك الطوائف في المدن المجاورة، أدت إلى نشوب حروب عديدة، منها الحرب التي أعلنها الملك المرتضى ضد بني زيري، والذي خرج زاحفا للهجوم على الأمازيغ في غرناطة، لكنه تعرض لهزيمة شنعاء من قبل إيزناگن بالرغم من قلة عددهم وعتادهم. وقد فصل الكتاب في هذه الحروب التي جرت بين أمراء إيزناگن وملوك الطوائف والملك ألفونسو. وقال الأمير عبدالله بن بلگين في سيرته متحدثا عن انتصار أجداده على الملك المرتضى: “فخرجوا إليهم بأنفس جريئة وعلى الموت موطنة، وقلوب حنقة وللموت طالبة، فلم يكن إلا كصفقة بالكف على الكف حتى ولوهم الأدبار وانهزموا أمامهم مذعورين يطلبون النجاة بأنفسهم، لا يلوى منهم أحد على صاحبه، واتبعتهم صنهاجة وانبسطت عليهم أيدي البربر، يقتلون منهم نهمة أنفسهم، ويأخذون أموالهم وما تركوه من أسلحتهم”.

واعتنى الأمير عبد الله في سيرته بتاريخ سلالة مملكته الأمازيغية في غرناطة، وذكر مفاخرها وأخبارها والدسائس والمؤامرات التي عانت منها جراء الصراع والمنافسة بين أمرائها وأبنائهم. وقد تحدث الأمير الأسير في “تباينه” عن فترة حكم الملك الأمازيغي حبوس بن ماكسن، التي ازدهرت فيها إمارة إيزناگن وعاشت فيها الأوج والاستقرار والقوة والرفاه، بفعل سياسة الملك حبوس، الذي أرسى دعائم الحكم الأمازيغي المبني على التشاور والحوار والإشراك، فقد كان واعيا بخطورة الصراعات البينية داخل الأسرة الحاكمة، فحرص على التعامل مع الأمراء الذين يحكمون في الجهات والنواحي بالاستشارة والتشارك في اتخاذ القرار، وكان رفيقا بهم ومُحسنا إليهم. وكانت للملك حبوس بن ماكسن لأمراء صنهاجة مقولة مشهورة مفادها: “إن صنهاجة عندي مثل الأسنان في الفم إن عدمت منهم واحدا، لا نخلفه أبدا”. ويبدو أن هذه المقولة التي نقلها لنا الأمير عبد الله في سيرته هي مثل شعبي أمازيغي لا يزال مستمرا إلى اليوم. وتظهر لنا هذه المقولة أيضا مدى اعتماد الملك على اللحمة القبلية لتسيير شؤون الإمارة، أو ما يسميه ابن خلدون في مقدمته “العصبية” كآلية وركيزة أساسية في بناء الدول وانهيارها.

كما تطرق الكتاب الذي نحن بصدده إلى فترة حكم الأمير باديس بن حبوس وتوسعاته وحروبه مع أمير مدينة ألمريا وانتصاره عليه واستيلائه على مدينتي مالگة وجيان، وكذلك إلى فترة حكم الأمير بلگين سيف الدولة وهو جد مُؤلف الكتاب. كما تحدث الأمير عبد الله عن نفسه ومُلكه وطريقة تدبيره لمملكة غرناطة، والصراعات الكثيرة التي خاضها مع وزرائه ومع جيرانه ملوك الطوائف وأخيه تميم بن بلگين، والثورات التي تعرض لها أثناء حكمه. وقدم لنا معطيات دقيقة، من وجهة نظره، حول واقع الإمارات السياسية في الأندلس، وطريقة تدبيرها من طرف الأمراء والملوك.

الأمير الأسير تحدث أيضا عن بداية صعود المرابطين صنهاجة الصحراء إلى الأندلس، الذين خاضوا معركة الزلاقة التي انتصر فيها يوسف بن تاشفين على ألفونسو السادس، وشارك فيها الأمير عبدالله بن بلگين وعدد من أمراء الطوائف. وقدم لنا الأمير في سيرته معلومات دقيقة عن سياقات قدوم المرابطين واستعدادهم للمعركة، واجتماع يوسف بن تاشفين مع ملوك الطوائف بعد انتصاره في موقعة الزلاقة، ثم العودة الثانية ليوسف بن تاشفين إلى الأندلس وإسقاط إمارات وممالك الطوائف واعتقال ملوكها وأمرائها. وقد أفرد الأمير حيزا مهما في سيرته لطريقة دخول المرابطين لمدينة غرناطة وظروف استسلامه ليوسف بن تاشفين، الذي أسقط حكم “آيت زيري”، وكيفية نهب جيش هذا الأخير ممتلكات قصر غرناطة وأموال وذهب أميرها عبد الله بن بلگين. ووصف لنا بطريقة دقيقة كيف تم تجريد كافة أعضاء عائلته من ممتلكاتهم، وكذا مجوهرات نساء القصر، بمن فيهن والدة الأمير. وقد قال عن استسلامه أثناء محاصرته ما يلي: “وقد كان أرسل إلي قرور يطلب خط يدي بإسلام المدينة وإخراج من لي فيها من الحشم، فبادرت على المقام، إذ الالتواء عن ذلك مما لا ينفع ولو فعلت، لكان ذلك زيادة في الهوان، ولم يفد شيئا، وأنا قد حصلت في القبضة”.

وقد نَهبت جيوش المرابطين كل ما وجدته في قصر غرناطة، وبحثت عن الأموال المدفونة والودائع، وفتشت كل جوانب القصر بحثا عن الذهب والأموال والمجوهرات النفيسة، وقد علمت بأماكن وجودها سلفا، فأجبرت الأمير وعبيده وخدمه على الاعتراف بأماكن وجود الأموال، وفتشت حتى الثياب التي ارتادها الأمير وعائلته وأمه. “ولم يَترك لنا خادم إلا حيل بيننا وبينه، وفتش عليهم ألا تكون في أوساطهم خبيئة، وجعل قرور يقول لي ولأمي: اكشفا لي عن ثيابكما، فقد أخبر السلطان (ابن تاشفين) أن خيرة الجوهر على أوساطكما، فتبرأنا له عن ذلك، ونزعتُ له عن الثياب، ثم جعل ينفض المخدات عن الصوف، ويفتش بينها… ثم أمر بحفر الأرض التي عليها الخباء خوفا من أن ندفن فيه شيئا”. وبعد أن تم الاستيلاء على كل شيء، تم القبض على الأمير عبد الله بن بلگين واقتياده إلى سبتة ثم إلى مكناس، التي مكث بها إلى أن عاد ابن تاشفين من الأندلس وجيء به أسيرا، رفقة الأمير الشاعر المعتمد بن عباد، إلى مدينة أغمات ونزلا بالمنزل القديم الذي كان يملكه يوسف بن تاشفين بالمدينة ذاتها.

سيرة الأمير الامازيغي ابن بلگين تعد مصدرا مهما ونفيسا في معرفة الكثير من المعطيات والمعلومات التاريخية الدقيقة في تاريخ الأندلس وتاريخ الملوك الأمازيغ وحياتهم اليومية وطريقة تدبيرهم لشؤون ملكهم ومساهمتهم في بناء الحضارة الأندلسية. فمعلوم أن الأمازيغ هم الذين قاموا بغزو الأندلس، لكن تاريخ حكمهم ووجودهم بها تعرض للتزييف والتهميش، وغض الطرف عنه، فقد كتب الأمير في سيرته “التبيان” أن مملكة غرناطة أسسها أمراء إيزناگن، لكن جندها يتكون أساسا من إيزناتن/ زناتة. وقد تحدث الأمير عن حوادث كثيرة وقعت بينه وبين إيزناتن (زناتة)، لذلك فأمازيغ الأندلس يشكلون مختلف فئات المجتمع وليس فقط الأمراء.

مجمل القول؛ هذه السيرة نستفيد منها أمورا كثيرة، أهمها أن أمراء الأمازيغ وغيرهم من الذين زحفوا إلى الأندلس لم يكن الجهاد هو الغرض الرئيسي لتحركهم صوب شمال المتوسط، وإنما كان الكسب والذهب والمال والجاه هو الدافع الأساسي والغرض الرئيسي، أما الجهاد فقد اتخذ شعارا إيديولوجيا لتغليف الغزو وإعطائه شرعية دينية، وجعله- أي الجهاد- فعلا مقدسا. وقد اتضح ذلك في الغزو الثاني ليوسف بن تاشفين الصنهاجي للأندلس، وإسقاطه مملكة غرناطة، التي كان يحكمها السلطان الصنهاجي الأمير عبدالله بن بلگين، فقد كان غرض بن تاشفين هو الحصول على المال والذهب والجواهر النفيسة التي كانت داخل قصر غرناطة.

إن هذه السيرة وصاحبها الأمير عبد الله بن بلگين، بالرغم من أهميتها وقيمتها التاريخية والعلمية ودقة معطياتها وندرتها، حيث قلما نجد ملكا أو أميرا يكتب يومياته وسيرته، ويكتب بنوع من الصراح والبوح والاعتراف عن فترة حكمه وأيامه الزاهرة، ثم عن مأساته وسقوطه واستسلامه ثم أسره ونفيه.. بالرغم من كل ذلك، فإن اسمه ظل منسيا ومضمرا بين منعرجات التاريخ والآثار، فرفيق دربه في الحكم والأسر والمنفى المعتمد بن عباد أصبح اسمه مشهورا ومحفوظا في كل مكان حاليا في المغرب، وقبره حظي بعناية كبيرة، حيث تمت إعادة بنائه وترميمه وأصبح ضريحا ومزارا مشهورا في أغمات، في حين ظل قبر الأمير الأمازيغي عبدالله بن بلگين مجهولا لا يعرفه أحد، بالرغم من أنه هو الآخر كان أميرا وشاعرا وكاتبا نبيها.

وقصة الأمير المعتمد بن عباد والأمير عبد الله بن بلگين شاهدة على رسوخ التمييز الذي يرسم مسافات متباينة ومتفاوتة تفصلنا عن ثقافة الإنصاف والمساواة في قراءة التاريخ.

_________________________

المصدر بتصرف : https://www.hespress.com

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

إلى شقيقة مهجتي- الشاعر حمدي الطحان

يا طيبَ أرضٍ قد خَطوْتِ بِتُرْبِهاوتعطّرتْ أعطافُها بشذاكِ ونسائمٍ لزهور وجهكِ عانقتْوخميلةٍ عُنِيتْ بها كفّاكِ …

اترك تعليقاً

https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js