[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

اَلْبَـكَّــــــــاؤُون ــ ذ. سليم عوض عيشان ( علاونة )

” البكــاؤون ”

1) بئر الدموع :

مر عليهم بينما كانوا يجلسون حول البئر .. يذرفون الدموع بحرقة وألم ..الدموع تنساب من أعينهم كالمطر الغزير .. تجري في جداول صغيرة .. لتصب في النهاية في الجب العميق .
البئر .. لا يمتلئ بالمطلق .. رغم أعدادهم الكبيرة .. رغم دموعهم الغزيرة ليل نهار ..فالبئر ليس له من قرار .
سألهم عن حالهم .. لم يرد عليه أحد منهم بحرف .. فلقد كان لهم جميعاً شأن آخر .. أهم من كل إجابة .. فهم لا يريدونه أن يعطلهم عن مواصلة ذرف الدموع ولو للحظة !!

2) السر :
سأل أحد العارفين عن أمر هؤلاء القوم .. أخبره العارف أنهم ” البكاؤون ” .. هم يذرفون الدموع ندماً على ما اقترفوه من آثام وخطايا عظام .. عل الدموع تخفف عنهم .. بل لعلها تكفر عنهم .. هم يعتقدون بأنه إذا امتلأ البئر بالدموع .. فسوف تغفر لهم خطاياهم وآثامهم ؟؟!! .

3) الخطيئة :
أقبل رجل جديد .. كان يحمل على كتفيه فتاة .. يبدو بأنها ” مقتولة ” .. اقترب الرجل من البئر .. صرخ بألم :
– لقد قتلتها بيدي .. إنها ابنتي .. لقد تمردت عليّ .. لقد أبت أن تتزوج سوى ذلك الشاب الذي أحبته واختارته ..فقتلتها !!
بعدها .. ندمت على فعلتي الشنعاء .. وها أنا هنا عساني أكفر عن خطيئتي ..
ألقى الرجل بجثة الفتاة في البئر ..
.. انضم إلى مجموعة ” البكاؤون ” .. راح يذرف دموع الندم بغزارة .. فشقت الدموع أخدوداً في الأرض .. يصب في البئر .

4) الموءودة :
كان يحمل على كتفه طفلة .. يحسبها المرء نائمة .. ويخالها المرء ملاكاً .
اقترب من البئر .. هدر مزمجراً :
” لم يقتلها الفقر .. ولا العوز .. لقد قتلتها بيدي .. هي ابنتي .. طفلتي .. فأنا رجل فقير في الرزق .. غني في الخلف .. لديّ أكثر من عشرة أطفال .. كلهم فقراء مثلي .. جوعى مثلي .. محتاجين مثلي .. ولأني أحبها .. قتلتها بيدي .. خشية أن يصيبها الفقر والعوز والفاقة .. وبعد أن قتلتها سمعت إمام المسجد يردد ” وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ” .
ولما انتقل الإمام إلى آية أخرى .. ونطق بها : ( وَلاَ تَقتُلُوا أَولَادَكُم خَشيَةَ إِملاَقٍ نَّحنُ نَرزُقُهُم وَإِيَّاكُم ) .. أدركت مدى ذنبي .. وعرفت مدى خطيئتي .
اقترب الرجل من البئر .. ألقى بجثة الفتاة .. ثم انضم إلى جمع ” البكاؤون ” الغفير .
.. وراحت دموعه الغزيرة تحفر نفقاً جديداً .. يصب في البئر .

5) العاشقة :
امرأة هي .. فاتنة الجمال .. رائعة الحسن .. كانت تحمل على ظهرها رجلاً !! .. يبدو أنه بلا حراك .. هتفت :
” إنه زوجي .. أقصد زوجي الذي كان .. كان رائعاً بكل المقاييس وبكل الحسابات .. وفيّاً إلى أقصى درجات الوفاء .. على العكس تماماً مما كنت أنا عليه .. فلقد غرتني الحياة .. وأصابني غرور جمالي .. فعشقت شابّاً .. وبت محظية الشاب وزوجة الرجل !! .. ولم أكتف بذلك .. فلقد قررت مع عشيقي قتل زوجي .. وكان علينا أن نتخلص منه ليخلو لنا الجو بشكل تام .. وضع عشيقي خطة القتل .. وقمت بالتنفيذ .. قتلته بيدي .. ليس المهم كيف تم القتل .. المهم أني قتلته !! .
تردد صوت الواعظ في أذنيّ وهو يقتحم أسماعي اقتحاماً مردداً :
” إن هدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من إراقة دم مسلم ” ..
حينها .. أدركت جسامة ما ارتكبته من خطيئة .. وما اقترفته من فاحشة .. نتيجة غروري وحمقي وطيشي .. وجنوني .
اقتربت المرأة من البئر … ألقت جثة زوجها داخله .. ثم انضمت إلى حلقة ” البكاؤون ” وراحت الدموع تشق الأرض متجهة صوب البئر .

6) الميراث :
عريض المنكبين .. فارع الطول .. قوي العضلات .. كان يصل المكان وهو يحمل بين يديه جثة .. تبدو للوهلة الأولى بأنها لطفل .. وللوهلة الثانية لشاب .. ولكنه شاب نحيف .. هزيل .. ضعيف .. مقتول .
صرخ العملاق صاحب العضلات المفتولة والطول الفارع :
” إنه أخي .. أخي الوحيد .. لقد ترك الأب لنا ميراثاً كبيراً من الأموال .. وميراثاً أكبر من الضغينة والحقد والكراهية .. هذا من جانبي على الأقل .
لم أقبل بالقسمة الربانية والشرعية لتقسيم الميراث بالعدل .. أبت نفسي المريضة أن ينافسني أخي … شقيقي هذا في نصف الميراث .. قبل أخي بالربع .. فرفضت .. قبل بالعشر .. فرفضت .. قبل بالواحد بالمئة .. ولكني رفضت أيضاً .. رفضت إلا أن أستحوذ على جميع الأموال .. على الميراث كله .. وقبل أخي ذلك … على أن أبقي له جزءاًً يسيراً لا يذكر لكي يسد به رمقه … فرفضت أيضاً .. تمسك بالأمر .. فقتلته .. لأني كنت القويّ وهو الضعيف ..
لقد أغواني الشيطان .. بل كل شياطين الإنس والجن .. ثم .. ذهبت كل الأموال هباءً في صحبة أصدقاء السوء .. ولم يتبق لي سوى الذل والخطيئة والندم .. فأدركت مدى جسامة خطيئتي وإثمي ..
ألقى بجثة أخيه .. شقيقه في البئر .. وانضم إلى مجموعة ” البكاؤون ” .. وراح يذرف الدموع بغزارة .. فكونت جدولاً يصب في البئر .

7) الصداقة :
وصل نحو البئر .. وقف قريباً من زمرة ” البكاؤون ” .. لا يحمل أي جثة ؟؟!! .. ولكنه كان منحني الظهر وكأنه يحمل هموم الدنيا قاطبة .. وكأنه يحمل قتلى البشرية منذ عهد سيدنا آدم .. ومنذ عهد ” هابيل ” أول قتيل على الأرض .. وقف إلى جانب حافة البئر .. صرخ بألم عميق :
” كان صديقي .. أخي .. الذي أحبه وأحترمه من كل قلبي .. كانت كل معاني الصداقة تتمثل فيه .. بشخصه .. من وفاء وإيثار وصدق .
بحمقي وجهلي .. قتلته .. أنا لا أقصد الصديق .. بل أقصد الصداقة .. مفهوم الصداقة .. لقد كنت أكثر من غبيّ .. لم أدرك الأمر سوى بعد أن قاطعني الصديق .. وبعد أن ماتت مفاهيم الصداقة .
ها أنا قد أحضرت الصداقة الميتة .. مفهوم الصداقة الميت .. لألقي بهما في البئر .. ” .
اقترب الرجل من البئر .. ألقى عن كاهله جثة الصداقة ومفهومها .. إلى داخل البئر .. انضم إلى مجموعة ” البكاؤون ” .. راح يذرف الدموع بغزارة .. فكونت بحراً من الدموع يصب في البئر .
هتف أحد ” البكاؤون ” :
” يبدو أنه رجل أحمق .. بل لعله مجنون ” !!
أتبع آخر :
” إنها جريمة شنعاء .. جريمة لا تغتفر ” !!
أتبع ثالث :
” أعتقد بأن جريمته التي اقترفها أكبر إثماً من كل جرائمنا .. ومن كل آثامنا ” !!.
توقف جميع ” البكاؤون ” عن البكاء .. نهضوا من أماكنهم .. غادروا المكان .. تفرقوا هنا وهناك .. تركوه وحيداً … يذرف الدموع بغزارة .. بحرقة ..
.. وما زال ..
ما زال يذرف الدموع ..
… وما زال ..
ما زال ينتظر أن يمتلئ ” بئر الدموع ” ذات يوم ؟؟!!

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

الباقيات الراجمات __ أحمد حضراوي

الحب لا يأتي إلى الشعراءِ إلا سرابا في صفاتِ الماءِ حسبوه من نبع القصيدة، أخطؤوا فالحب طبع كان من حواء كان الخطيئة، لم يزلها، وجهُه مرآة حزن دونما أسماءِ ! تتكبرين! أما علمتِ بأنني جذعٌ وأنت الريش في الأنواءِ؟ بعض من “النون” المديدة حفنة من توت تاء في سلال نساءِ نقط من الحبر القديم يجف في نصف الدواة بغفلة الإنشاء إني جمعت بما رميتِ حقيقتي فوجدت في أمم الحصى أشلائي فبنيت بالحجر الكثيف حضارتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.