[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

اليمين المتطرف بهولندا.. كيف تجعل من العنصرية بوابة للسلطة؟ – محمد سرحان

واقع جديد يلقي بظلاله على الحياة السياسية الأوروبية مع صعود اليمين المتطرف الذي يبني دعاياته ضد المسلمين والمهاجرين، وهو ما يمثل تهديداً حقيقيا للقيم الأوروبية التي تدعو للتعايش.
كان آخر هذه الدعايات ما تعهَّد به رئيس حزب الحرية بهولندا “خيرت فيلدرز” بإنشاء وزارة للتطهير من الإسلام.
نشر حزب “فيلدرز” عبر موقعه الرسمي على الإنترنت، البرنامج الذي سيخوض به الانتخابات المقررة في مارس 2021، ويتضمن إنشاء وزارة للهجرة، وإعادة اللاجئين، و”التطهير من الإسلام”، ويعرف الإسلام باعتباره “أيديولوجية شمولية”، إضافة إلى الدعوة إلى عدم استقبال طالبي اللجوء والمهاجرين الأجانب من المسلمين، وحظر المدارس الإسلامية والمساجد، ومنع ارتداء الحجاب في الأماكن العامة.

العنصرية أولى:
يقول الكاتب الصحفي بهولندا نصر الدين الدجبي: “إن حزب “فيلدرز” مصنف باعتباره حزباً شعبويا، وهذه الأحزاب اليمينية ليس لها برنامج سياسي واضح وإنما تعتمد على مخاطبة المشاعر القومية وإعلاء منطق “نحن وهم” والعمل على كسب الأصوات بشتى الوسائل الدعائية الشعبوية بدلاً من تقديم حلول حقيقية للمشكلات القائمة.
ويتفق مع هذا الرأي محلل الشؤون الأوروبية حسام شاكر، إذ يرى أن “فيلدرز” يعبر عن التيار المتطرف في الحياة السياسية الأوروبية، والذي يتعمد محاولة إثارة الاهتمام من خلال حملات تقوم على إثارة قضايا تضمن له الظهور الإعلامي.
‏ويرى “شاكر” أن خطورة خطاب اليمين تكمن في التمهيد لسياسات وقيم الإقصاء، حيث يظهر سياسيون يُحسبون على التطرف يدعون إلى سياسات إقصائية وبمرور الوقت تتكيف أذهان الجماهير مع هذا الخطاب العنصري، فيصبح الإقدام على تطبيقها مستساغاً لدى الشعوب، لأن هذا الخطاب يدخل تدريجيا النزعة العنصرية إلى الرواق السياسي فتصبح معمولاً بها، لاسيما ضمن ما يمكن تسميته “سياسات الخوف”، وهي سياسات ومشروعات قوانين يجري طرحها في إطار الخوف من المسائل المرتبطة بالإرهاب أو موجات اللجوء، إذ يتم افتعال حالة من الخوف بما يسمح تمرير هذه النزعات الإقصائية.
ويعتبر “شاكر” أن هذا هو التأثير الأخطر الذي ينطوي عليه اليمين المتطرف كما في حالة “فيلدرز”، فهو يجر الساحة السياسية نحو اليمين، حتى أن دولاً أوروبية بدأت تتبنى سياسات واستراتيجيات تصب عمليا في هذا الاتجاه، فتم مؤخراً سن قوانين ذات طابع استثنائي تختص بالمسلمين وحدهم حتى وإن تم تغليفها بعبارات عامة، وهذا المنحى يهدد بانزلاق الحياة السياسية الأوروبية إلى طور شديد الوطأة على المسلمين بشكل خاص وعلى القيم الأوروبية المشتركة عموماً.

من يواجه؟:
‏فيما يتعلق بمواجهة العنصرية، يقول “شاكر”: إن الأقليات لا يمكن لها أن تضبط هذه النزعات، بل الأمر يقتضي تحرك الأغلبية السياسية والنخب الثقافية والمجتمع المدني لعزل الخطابات العنصرية في مهدها وعدم التساهل معها، وإلا فإنها تنذر بأن تتحول إلى حالة سياسية مستمرأة يتم التكيف معها بالواقع.
أما الكاتب الصحفي نصر الدين الدجبي فيضيف قائلاً: إن فيلدرز سواء حصل على عدد مقاعد كبير أو قليل فإن مكانه الطبيعي هو المعارضة، فالكتلة التصويتية للأحزاب اليمينية شبه ثابتة يتقاسمها في الغالب أكثر من طرف يميني، كما أن هناك شبه اتفاق بين الأحزاب السياسية العادية في هولندا بيمينها ويسارها على عدم مشاركة فيلدرز والمقربين منه أعباء الحكم لعدم وجود أرضية مشتركة في تشكيل الحكومة وهو ما يجعله في خانة المعارضة، موضحاً أن المشاركة الوحيدة لفيلدرز في حكومة من خلف الستار بدعم برلماني وعدم المشاركة بوزراء من حزبه كانت في 2010 مع الحزب الليبرالي وسقطت بعد أقل من سنتين لصعوبة العمل المشترك، ومن هنا يتأكد بحسب رأيه أن الأحزاب اليمينية المتطرفة ليس لها مستقبل في هولندا، كما هو الحال في أوروبا التي يشهد فيها اليمين حالة من الصعود لكن في النهاية الدول تحكمها سياسات ومصالح عليا، حتى وإن تصدرت هذه الأحزاب الحكم فإن خطابها يختلف عن الخطاب العنصري السابق خلال الانتخابات.

استقالة الحكومة:
يذكر أن الحكومة الهولندية برئاسة “مارك روته” استقالت منتصف يناير 2021 على خلفية فضيحة اتهام بالخطأ لنحو 10 آلاف عائلة بالاحتيال للحصول على إعانة رعاية الأطفال، وبموجب هذا الاتهام وجدت العائلات نفسها مطالبة بسداد عشرات الآلاف من اليورو وهو ما تسبب في أضرار بالغة لهذه العائلات، لكن تقرير لجنة الاستجواب البرلمانية أظهر عدم صحة الاتهام، والحكومة حالياً تمارس عملها فقط لتصريف الأعمال حتى الانتخابات المقبلة.

الخريطة السياسية:
حول الخريطة الحزبية والسياسية في هولندا، يوضح “الدجبي” أن البرلمان الهولندي يتكون من 150 مقعداً، ويتطلب تشكيل الحكومة نصف المقاعد زائد واحد، ولم يحدث أن حصل حزب واحد بمفرده على هذا العدد، وبالتالي تكون الحكومة ائتلافية برئاسة الحزب الحاصل على أكبر عدد مقاعد، وتتشكل الحكومة الحالية من (الحزب الليبرالي الذي حاز على 33 مقعداً ومنه رئيس الحكومة مارك روته والحزب الديمقراطي صاحب الـ 66 مقعداً والحزب المسيحي بـ19 مقعداً ، وحزب الاتحاد المسيحي خمس مقاعد).
أما عن أحزاب اليمين المتطرف، يكشف “الدجبي” أن حزب الحرية بقيادة فيلدرز، ليس هو الحزب العنصري الوحيد بهولندا، فهناك أحزاب أخرى مثل “منتدى الديمقراطية”، وهو حزب يميني جديد لكن تمثل نخبته طبقة مثقفة في المجتمع، إذ أن رئيسه أستاذ جامعي للفلسفة، ويعيش هذه الأيام حالة من الانقسام، ويتقاسم مع خيرت فيلدرز أصوات الناخبين المحسوبين على اليمين المتطرف.
كما تعيش أحزاب اليسار حالة من التقهقر مؤخراً إذ تراجع حزب العمل المحسوب على يسار الوسط وكان يشارك في حكومة روته الثانية من 38 إلى 8 مقاعد فقط وهو يجلس الآن في المعارضة، أما “حزب الخضر” فيحسب على اليسار ويعد من الأحزاب التي تتموقع في الغالب في المعارضة مع “الحزب الاشتراكي الاجتماعي”، إلى جانب حزب يضم أغلبية من الأجانب (دينك) وكان له ثلاث مقاعد، ولكن خلافات بينهم أدت إلى استقالات في الحزب وخروج أعضاء من الكتلة الخاصة بهم، بالإضافة إلى “حزب الدفاع عن الحيوان” و”حزب الكبار” الذي يدافع عمن هم فوق سن الخمسين.
وبخصوص “فيلدرز” فسبق أن واجه قضايا تتعلق بالعنصرية تجاه مكونات الشعب الهولندي، مثل مطالبته بإعادة المغاربة إلى بلادهم وأدين بسببها، كما أساء للأتراك، وطالب بأن تدفع المرأة المسلمة ضريبة مقابل ارتداء الحجاب في الأماكن العامة.
وفيما يتعلق بالإسلام فهو يتعامل بذكاء ليس من قبيل إصدار أحكام ضد الأديان، وإنما من قبيل وجهة النظر، وهو ما يتماشى مع النظرة الأوروبية للأديان باعتبارها قابلة للنقد أو النقاش، فهو عندما يتحدث عن الإسلام يقول “أظن” أو “أعتقد”، وبالتالي أمام المحاكم يكون لديه تبرير أن هذه مجرد وجهة نظر وليست حكما على دين، وهو ما يحميه من الإدانة.

المسلمون في هولندا:
بحسب “الدجبي” ‏فإن وصول الإسلام لهولندا كان في ستينيات القرن العشرين عندما احتاجت هولندا للسواعد القوية من العمال لوضع بنيتها التحتية ومقاومة المياه التي تهددها من كل جانب، فاستقدمت أتراكاً ومغاربة، على أن يعودوا إلى بلادهم بعد انتهاء عملهم، لكنهم استقروا في هولندا واستقدموا عائلاتهم بموجب قانون “لم الشمل” في السبعينيات، فشكلوا اللبنة الأولى للمسلمين لكن أغلبهم كانوا عمالاً ومن غير المثقفين، ويمثل المسلمون اليوم نحو 6% من عدد سكان هولندا البالغ 17 مليون نسمة، من بينهم حوالي 400 ألف تركي و300 ألف مغربي إلى جانب جنسيات متعددة، وللمسلمين تنسيقية خاصة تمثلهم أمام الحكومة، لكن صورة الإسلام والمسلمين السلبية في الإعلام العالمي إضافة الى ممارسات غير مسؤولة من مسلمين متطرفين بقتل مخرج هولندي في 2004، عمقت من مشاعر الخوف والعنصرية ضد المسلمين في هولندا.
وتكفل القوانين الهولندية الحقوق لكل الأديان، وكذلك المادة 29 من الدستور تكفل حرية التعليم، إذ تنتشر المدارس الإسلامية المدعومة تماماً من الدولة، وتتيح للمسلمين تدريس الأجيال بما يحافظ على هويتهم، لكن في نهاية العام تعقد الحكومة امتحانات عامة تطبق على جميع المدارس، وبالنسبة للمساجد، فالحرية مكفولة في إنشائها حيث هناك نحو 600 مسجد في هولندا، منها  35 مسجداً تقريباًبالعاصمة أمستردام وحدها.

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

سماوات __ الشاعر زيد الطهراوي

“سماوات” : أفتش عن عالم يحتوي بسمة وسماء وأحمله في فؤادي بيادر حب بحجم السناء …

اترك تعليقاً