[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

الفضيحة الإيطالية (1) – محمد بركة

 

-رواية الفضيحة الإيطالية في حلقات-

 

لماذا لم تحبني القاهرة؟

أتساءل يومياً وأنا أتأهب للعودة إلى البيت كما يعود القاتل إلى مكان الجريمة.

أغادر صالة التحرير بخطوات بطيئة مثل خيال مائة عجوز وأفكار تتطاير مثل وطاويط فقدت رادارها الطبيعي.

أنشط فجأة حين أدلف إلى “المقبرة الكهربية” المسماة أسانسير.

أعرف أنه يمكنني الآن أن أمارس بعض حركات الأكروبات مستنداً على القوائم الحديدية داخل الحيز المعدني الضيق، وقبل أن يشير الضوء الأحمر إلى حرف G معلناً الوصول إلى الطابق الأرضي، أكون قد اعتدلت وارتديت القناع المناسب لاستقبال العالم الخارجي، أوقع في جدول الانصراف دون أن أعرف كيف احتملت الحياة في هذه المؤسسة 8 ساعات، أرد بوقار يليق بشخصية مهمة على تحية موظفي الأمن وهم يودعونني أمام البوابة الالكترونية.

أول من يصافح عيني بك محترم انحنى على جدار “مسرح الجلاء” وتفيض ملامحه بالسعادة والخلاص وهو يفك أزمته في نفس الموضع الذي تحول بمرور الوقت إلى “مبولة” لعابري السبيل بوسط البلد.

إنها ميزة أساسية ينفرد بها هذا المسرح وتتجاهلها إعلانات التليفزيون حين تشير إلى عروضه بعبارة: “على مسرح الجلاء، مكيف الهواء”.

أسرع باتجاه محطة المترو هرباً من فيض الروائح العطرة.

الموظف في شباك التذاكر يرمق باحترام كارنيه النقابة التي أنتمى إليها رسميا منذ 3 سنوات ولم أدخل مبناها الفخم الذى أنشأته القوات المسلحة سوى مرة واحدة مضطرا، يبدو الموظف كما لو كان يلوم نفسه على اللهجة غير الودودة التي طلب بها الاطلاع على الكارنيه قبل أن يقطع لي نصف تذكرة بنصف السعر.

صوت متثائب يتصاعد في أرجاء المكان: حضرات السادة الركاب.. القطار المتجه إلى خط حلوان هو الأخير، وعلى السادة موظفي التذاكر مراعاة ذلك.

الركاب المتحفزون على الرصيف لا يبدو أنهم في حاجة إلى مثل هذا التنبيه، يتأخر القطار ويمتلىء الرصيف بالمزيد، لكنى اعتدت على فكرة البحث عن موطىء قدم وسط كتلة اللحم التي تُطبق على أنفاس القطار المسكين في رحلته الأخيرة. أحاول عبثاً منع الأقدام من أن تدوس حذائي.

لا أحد يعتذر.

رائحة العرق المعتَّقة تزكم أنفى، لا أحد يبدو مشغولاً بذلك غيرى. العيون من حولي تعطى نفس التعبير الذي تعطيه عيون أسماك ميتة في أسواق الهايبر.

رغم كل شيء، ثمة سنتيمترات شحيحة تشكل فجوات فاصلة بين رجال يباهون الأمم بكروشهم ونساء يخفين تهدل صدورهن. في هذه السنتيمترات ينبثق فجأة بصوته الهادر الذي لا يتناسب مع ضآلة جسده: إقرأ معجزات الرسول يا كابتن!. وهبة الكتاب جنيه يا باشا.. 50 معجزة يا مدام.. المعجزة الواحدة بقرشين يا بيه!

ويترك في يد كل راكب نسخة من كتيب مرسوم على غلافه الملون جذع شجرة يبكي. يختفي الولد البائع في الزحام ثم يظهر مرة أخرى يجمع الكتب بنفس السرعة والحماس الذي وزعها به. لا يبدو متأثراً برد فعل الركاب السلبي، فلا أحد اشترى أو على الأقل تصفح الكتيب من باب الفضول.

هل دار بخلد الفرنسيين وهم ينشئون مشروع مترو الأنفاق في مصر أن يلايى هذا المصير الرائع بعد سنوات قليلة من إنجازه: اللافتات التي تضم أسماء المحطات تمزقت والبطانة الجلدية في الأبواب تآكلت بفعل الأمواس والمطاوي. العقد النفسية التي يعانيها طلبة الثانوي والمعاهد الخاصة ظهرت ــــ طبقاً للتقليد المصري القديم ــــ على المقاعد من خلال فنون الشخبطة والتشويه، لا لشيء سوى أن هذا المترو “بتاع الحكومة” وبالتالي فلابد أن يُعامل معاملة خاصة تليق بالمقام!

الفرنسيون على أية حال أُناس طيبون، يحبون الفنون ويغرمون بالتاريخ، لكن مشكلتهم أنهم يصدقون سريعا كلام المسئولين، في بلاد العالم الثالث، قيل لهم: الفراعنة بنوا الأهرامات وأنتم ستبنون مترو الأنفاق فأخذوا الموضوع على محمل الجد واقترحوا أن تضم المحطات الرئيسية نماذج لتماثيل متنوعة تمثل الحضارة المصرية القديمة، ولم يدر بخلدهم أن التماثيل سيغطيها التراب وستأكلها الأملاح والرطوبة ولن يفرق الركاب بعد فترة وجيزة بين صناديقها الزجاجية وبين عساكر الأمن المركزي المنتشرين على أرصفة المحطة بزيهم الأسود.

باعة البرتقال في جلبابهم الصعيدي يحاصرونني ببضاعتهم الرخيصة فور خروجي من المحطة. أتوقف فقط عند محل مخبوزات لأشتري منه بيتزا بالخضروات، أعرف من فرط رخص سعرها كم هي رديئة.

أستدير في طريقي للبيت وأنا أتهادى بمحاذاة السور الشاهق لسجن “طرة” بلونه الطوبي. أتجنب النظر إلى الجندي الواقف بزيه الكاكي في برج المراقبة، لم أخبركم أنيى أسكن في العمارة الوحيدة في العالم التي تقف في شرفتها فترى واحداً من أقدم أنهار الدنيا أمامك والمساجين يؤدون طابور الصباح خلفك، وإلى وزارة الداخلية يعود الفضل في هذه اللفتة السياحية الكريمة، فقد وعدت بنقل السجن أثناء البدء في بناء عمارات الشرطة أو “مساكن الضباط” ــــ على حد تعبير الأهالي هناك ــــ، وحين اكتمل البناء وتم تسكين الشقق، بقي الحال كما هو عليه..

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

أسباب العزلة -قصة قصيرة- __ سيد نصر

  “أسباب العزلة” :   عندما أحسست بنضوب معيني من قصصي القصيرة، بدأت أسأل نفسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.