[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

الفضاء وتجلياته في القصة القصيرة بالجهة الشرقية – د. محمد دخيسي أبو أسامة

 

تقديم:

قبل البدء لا بد من تسجيل ملاحظتين أساسيتين:

أولهما متعلق بالعنوان، إذ يُعتبر الحديثُ عن الفضاء المكاني في النص القصصي أمرا مفروغا منه، لأنه عنصرٌ أساسٌ في تقديم الحكي.

ثانيهما تقني، لأن الاشتغال على نصوص الكترونية (على الحاسوب) -بحجم إحدى عشرة مجموعةً قصصية بما فيها مجموعتين مشتركتين بَيْنَ عددٍ لا يُستهان به من المبدعين – مهمةٌ صعبة، لذلك استعنتُ في بعض الأحيان ببعض النصوص للمبدعين أنفسهم من أعمال منشورةٍ سلفا.

يمكن أن نطرح أسئلةً جديرة بالتقديم والمناقشة، أسئلةً هي من بوح القارئ العادي والمتفحص للإبداع القصصي العربي، مارسَتْ حضورَها الفعلي من خلال قراءةِ أعمالِ الموكب الأدبي في نسخته الثالثة 2015، ومارسَتْ حضورَها الفعلي أيضا من خلال قراءات هامشية للإبداع الأدبي عامة.

 

ما جوانب اللقاء بين الفضاء أو الحيز المكاني بين الشعر والسرد (القصة القصيرة خصوصا)؟

ما خصوصية الفضاء المكاني في إبداع الجهة الشرقية من خلال النماذج المقترحة؟

نشير أولا أن النماذج المدروسة هي مخطوطات لأعمال ترى النور موازاة مع هذه القراءة، وهي لكل من:

بديعة بنمراح: علمتني امرأة

حسن بنمومنة: كمائن وفخاخ

محمد حامدي: أخاديد جبل الفحم

ميمون حيرش: ريف الحسناء

محمد العتروس: امرأة تقرع باب الله

رشيد قدوري: هكذا جُنَّ قلمي (هلوسات ساخرة)

سعيد كفايتي: أحمد الذي يطير

مريم لحلو: هسيس المساء

محمد مباركي: غيبوبة على مطر ساخن

المجموعة القصصية الخاصة بالشباب: موكب الهزارات

المجموعة القصصية الخاصة بالمبدعين الذين سبق لهم النشر: أقواس قصصية.

 

 

1- ملاحظات أولية:

أولا: بين الشعر والقصة علاقةُ إبداع، غير أن الفضاء في الشعر مَتَحَ من القضية الأساسية التي تشكلُ غربةَ المبدعِ في مكانه انطلاقا من مسلمات ذاتية أو اعتباراتٍ موضوعية خضَعَتْ لِغُربة إليوث وجَعَلَتْها ركنا مبدئيا. لذلك نجد الشاعرَ يخترق المكان ليجعلَه غربةً ذاتية، في مقابل القاص الذي لم يجد فيه إلا فضاء أو حيزا يخترق به أحداثه. من هنا كان المكان ذا بعد وظيفي في الشعر بخلاف السرد الذي يمثل فيه الوسيلة والعنصر المهم في تشكيل الحبكة.

ثانيا: طبيعة اللغة بين الشعر والسرد تُحَلِّقُ بالشاعر إلى انزياحات وتحولات في المعنى، في حين يحافظ القاصُّ بشكل أكثرَ بروزا على معيارية اللغة، إلا ما جاء مرتبطا بشعريتها النصية.

ثالثا: يجعل القاص من المكان في بعض النصوص قضيةً محوريةً من خلال قضية الإنسان المرتبطِ بها، مثل أشكال مقاومة الإنسان ضدَّ العنف أو الاحتلال أو الاستعمار وغيرها.

رابعا: حضور قوي لعلاقة المدينة والقرية في السرد، مما يوثق لعلاقة المبدع بالمكان، وهنا نستطرد قليلا لنُعَرِّجَ على شكل السيرة وبعضِ صُوَرِ تقريب المتلقي من مشاكلِ الهجرة سواءٌ منها المحلية (القروية) أم الدولية (السرية أو المشروعة).

خامسا: ارتباط أغلبِ القصاصين بوطنهم عامة ومدينتهم خصوصا، في حين يكون الحديث عن المدينة باعتبارها فضاءً عاما؛ وهنا نصل إلى منشورات الموكب الأدبي في نسخته الثالثة، حيث نسجل أن عملية الانتقاء كانت مركِّزَةً على جمعِ نماذجَ لأسماء من الجهة الشرقية عامة: وجدة وبركان وجرادة وتاوريرت والناظور مع تسجيل غياب اسم بارز في فكيك أو ممن غاب عن وطنه مهاجرا، ولعل في هذا الاختيار ما سيساهم في إبراز خصوصيةِ اشتغالِ كل مبدع مع بلدته مع تسجيل غيابِ هذا التوظيفِ عند أغلب المشاركين، وحضورِه بشكل بارز خاصة مع محمد حامدي وميمون حيرش وخالد مزياني..

 

 

2- الفضاء المكاني: الارتباط العضوي والعاطفي

ليس غريبا أن تتشكل علاقةٌ وطيدةٌ بين المبدع والمكان الذي ترعرع فيه فَسَمَتْ فيه عواطفُه وأفكارُه؛ غير أن اللافتَ للانتباه خلال اطلاعي على الأعمال المنشورة هو الترابطُ الشديد بين القاص ومدينته حدَّ الهوَس والتعلق. وسأقدم في الحيز نماذجَ تقريبيةٍ.

2-1- أخاديد جبل الفحم لمحمد حامدي:

مزج المبدعُ في هذه المجموعة بين الشخصية الرئيسية التي تؤثِّثُ القَصَصَ، والمكانِ الذي اختاره أن يكون جبل الرومبلي المعروفِ في جرادة دليلا على قوة الشخص من كل النواحي الفكرية والجسدية والنفسية وغيرها، نأخذ مثالا من ثلاثِ قصص:

“من لم يشمَّ رائحة الرومبلي فهو مطرود من رحمة المدينة” هكذا حدثني جدي ذاتَ ليلٍ بارد قد كان تجمد فيه كلُّ شيء ودمْدمَتِ الريحُ بَيْنَ سَكَناتِ القرية المهترئة.” (النص الأول: برتقال واحتراق)

“من لم يتجول بين بقايا أخشابِ وصفائحِ الرومبلي، فلن يتحسَّنْ تعبيرُه أبدا، هكذا قَرعني معلمُ الصف الخامسة يوم كتبتُ إنشاءً حول نزهةٍ في الشاطئ.” (النص الثالث: شاطئ وطوب)

“من لم يتمتع بإطلالة الروبلي تحت القمر لن يعرف للعشق سبيلا، هكذا قال لي صديقي يوما وهو يَغْرِزُ عُقَبَ السيجارة في مِعصمِهِ الأيسرِ.” (النص الرابع: عشق وشهادة)

فمهما تعددت السبل، فالطريق إلى جرادة واحد، والمكانُ متفرِّدٌ ومتميز حسب ما تقتضيه ضرورةُ النص أولا وعشق الكاتب ثانيا لفضائه من حيث جمالُ المدينة، وقدسيةُ الجبل وتفردُ الأمكنة.

 

2-2- ريف الحسناء[1] لميمون حيرش:

إذا انتقلنا إلى نموذج ثان؛ سنقف عند القاص ميمون حيرش مع مجموعته القصصية القصيرة (ريف الحسناء)، فالظاهر أولا تركيزُه على منطقة الريف، ثم إضافتُها إلى الحسناء، ومن ثمة تخصيصُه النصوصَ لحيز مكاني بصيغة المؤنث الحسناء. لذا نقرأ في نصه المعنون بالصيغة ذاتها: “كررَتْ “ريف” العبارةَ بهَمْسٍ أكثرَ من مرة حين عَجَزَتْ عن فهم حقيقة الذي حصل لبلدتها الصغيرة التي حولتْها الأمطارُ إلى مجرد دمار، وإلى مدينة غارقة في الوَحَل والماء، الأشغالُ التي راكمَتْها في الأشهر الأخيرة، وبسرعة فائقة، لم تكن سوى نَقْطِ عَروسٍ ليس إلا، استفَاقَتْ، بعدها، فإذا دنياها كما يعرفها أهلُها، لا جديدَ تحت شمس الريف.”

فلفظة الريف تتكرر مرتين في الفقرة الأولى من القصة، فهي الحسناء ريف، وهي الريف المكانُ؛ لذلك لا نستطيع الفصلَ بينهما باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الكاتب ذاتِه، وخصوصيةٍ تجعله يَتفردُ بتنويعِ ارتباطِهِ بالمكان دون قيد أو شرط. لأن الإنسان مجبول على حب أرضه وبلدِه، ولولا هذا الحبُّ لما استطاع أن يُفَتِّتَه في نصوصه الإبداعية وأن يجعلَه أساسَ التحول، يقول في النص ذاته: “لو يُخلِصُ الإنسانُ للأمكنة، وللأشخاصِ لرَحُبَتِ الأرضُ ولمَا حرَنَتْ، ولأَنْبَتَتْ قلوباً خضراءَ تَتَعَرَّشُ في الصدور..” وقد جاء ذكرٌ لبعض المدن كالناظور وبين انصار، أو أماكنَ عموميةٍ كالمقهى، أو المقاهي التي أصبحت تتناسل بالناظور.. ومن المفارقات أن المجموعة القصصية القصيرة جدا (نجيُّ ليلتي)[2] لميمون حيرش خلَت نهائيا تقريبا من أيةِ إشارة للمكان العام.

 

2- 3- خالد مزياني والارتباط بوجدة ومعالِمِها وشخصياتها:

تَرَكَّزَ اهتمامُ خالد مزياني في قصِصِهِ المنشورةِ ضمنَ (أقواس قصصية) على مدينة وجدة ومآثرها الحية النابضة وسطَها، كبابِ سيدي عبد الوهاب والجوطيةِ قديما والأماكنِ التي كانتْ تجمَعُ فرسانَ “الحلايقي” بكل الأصناف وفي جميع الاتجاهات. لذا نجدُهُ يُقَدِّمُ صورةً حيةً  لواقع مضى ولم تبقَ منه إلا بعضُ الذكريات. يقول في نص (لا جديد تحت السماء): “خلف أسوار مدينةِ وجـدةَ الجميلةِ. العريقةِ. وسطَ المدينة المزدحمِ. تحديدا ساحة باب عبد الوهاب. الصخَبُ.. الحَرُّ.. الأوراقُ المتناثرةُ هنا وهناك.. الجمهورُ بعضُه صامت والبعض الآخر من شيوخه.. شبابِه.. أطفالِه يتوسدون جِدارَ الحديقةِ القصيرَ، حتى صار واحدا منهم. ليبقى الشارعُ الوجدي يحتضنُ كلَّ الجراح.. جراح الكبارِ.. الصغارِ..”

ونشير هنا إلى حضورِ الحلقة أيضا وهي رمزٌ لوسَط مدينةِ وجدةَ وغيرِها من المدن عندَ كثير من المبدعين، كنور الدين الصغير في قصته (الحلقة) ضمن المجموعة القصصية ذاتها، أو غيره..

 

 

2-4- غيبوبة على منظر ساقط لمحمد مباركي:

يتحول الفضاء مع محمد مباركي إلى تيمةِ الارتباطِ بالماضي وتوقِهِ إلى ذكريات عاشَها في أماكنَ عِدَّةٍ؛ إذ لو عدنا مثلا إلى مجموعته (الرقم المعلوم..)[3] نجد حديثه عن الكُتَّاب والحي القديم بفروعه وأزقته وممراته ووقائعه والقرية.. لذلك يبدأ مجموعتَه الحالية (غيبوبة على منظر ساقط) بتناولِ المدينةِ الشاطئية (السعيدية) بأوصافَ تركِّزُ على مظاهرِ التفسخِ وتدني الجانب الخُلُقي مع وَضْعِ مفارقات بين معاملةِ أهلِ البَلَدِ والسُّواح. فيورِدُ مثلا لقاءً بين كلب سائح وآخرَ ضالٍّ بالمدينة: “غافلَ “سوسو” سيّدتهُ في صبيحة اليوم الموالي وهرب من الفندق، واتّجه إلى هوامشِ المدينة، حيث كان قد شاهدَ تلكَ الكلابَ الضّالةَ. وقف مُتوجّسا يُراقبها، وهي منهمكةٌ في اللّعب… شاهَدَتْهُ، فَجَرَتْ إليه وتَحَلّقَتْ حوله. تَشَمَّمَتْهُ وعطستْ بشدّة. سألهُ كبيرُها: “من أنت؟”.” (قصة: كلبنة) ونسجل هنا حضورَ قصةِ الكانيش في مجموعة (هسيس المساء) لمريم لحلو بطريقة تُكَلْبِنُ (إن صحَّتْ هذه الصفةُ) فيها بعضَ الأجناسِ البشرية.

كما أنه يفرضُ سلطةَ المكانِ، فيحولُه من حيزه إلى أبعدِ نقطةٍ يمكن أن يصلها، معتمدا في ذلك على نظريةِ زحزحةِ القارات، لكن بصورة تخييلية يجعلُ المغربَ يتمَوْقَعُ بينَ عَشِيَّةٍ وضُحاها في المحيط: “فتحتُ جهازَ التّلفازِ على القناة الوطنية، طالَعَني مديرُ مصلحة الأرصاد الجوية بوجه شاحب، وصَوْتٍ يقطّعُهُ الفزَعُ ممّا كان يقرأ على اللّوح الإلكتروني، ويَدُه ترتجف على خريطة بلادي. سابحةً في المحيط الأطلسي في غير موقعها من شمال غرب إفريقيا.” (قصة: هل تتغيرُ الجغرافيا) لكن المحيطَ جفَّ عند مريم لحلو في مجموعتها (هسيس المساء) حيث تقول: “جفَّ المحيط الأطلسي، تحولَ إلى حفرة كبيرة يلهو فيها الأطفالُ.. مَلِيء بالدِّلاء الفارغة وبالكُرات المفشوشة وبالقطعِ النقدية القديمة الباهتةِ الصُّفْرَةِ وببعضِ الهياكلِ العظمِيَّةِ البشرية التي أتى بها الريحُ من حُفرة الأبيض المتوسط..” (قصة المحيط)

2-5- هسيس المساء لمريم لحلو:

مع هذه المقارنة نعود إلى القاصة مريم لحلو في (هسيس الماء)، وما يمكن تسجيلُه حول اشتغالها بالحيز المكاني هو تأثُّرُها العميقُ بالأفضية القديمة لكن من جانبها الاجتماعي فقط، فتذكُرُ أحياءَ أو أمكنةً أو دروبا أو حماماتٍ وغيرَها بكثيرٍ من التفصيل، لأنها عايشَتِ المرحلةَ، وعاشَتْ تفاصيلَها مع صَبِياتِ الحي ورفيقاتِها، فتَتَذكرها وتَذْكر بها من يقاسمها اللحظات، وهذا الأمر نلحظه في مجموعتها السابقة (ضحك كالبكاء) ونسجل حضورَه القوي في هذه المجموعة كنص (حمام بوسيف) مثلا، أو في كثير من نصوصها المنشورة.

2-6- هكذا جن قلمي لرشيد قدوري أبي نزار:

بغض النظر عن جنس النص، واعتبارِه يندرج ضمن نسق جديد قد نختلف فيه أو نتفق؛ غير أن المهمَّ من خلال هذه التغطيةِ اكتشافُ حضورِ الفضاء في بعض خلفياته، لأنه يُشَكِّلُ مَسْرَحَةً لقضايا وأحداثٍ منوعة، تتوزع عبرَ شخصيات حقيقية وأخرى مجازية، وبينَ حيز مكاني معروفٍ تارة ومتخيَّلٍ تارة أخرى.

يحضر المسْجدُ في نصوص أبي نزار والحيُّ والمدرسة والمنزل والدكان والحارة الصغيرة وغيرُها، وما يلفِتُ النظرَ هو التركيزُ أكثرَ على القُفلة التي تؤثث فضاءَ النص أكثر من اهتمامه بالفضاء ذاته. نقرأ في نص بعنوان ( أنا والهلوسة): “ماذا لو خطرَتْ ببالِكَ فكرةُ اللقاء -مجددا- بجميع الأصدقاء الذين عرَفْتَهُم عبرَ مسار حياتك.؟! مِنَ الذين بصموا طفولتَكَ بمشاغباتهم.. إلى الذين شاركْتَهُم أجواءَ اللعب في فضاء الحارة الصغيرة.. إلى الذين بادلْتَهُم الخِصامَ والتصالح في اليوم نفسه..”

بعد هذا العرض العمودي لبعض الأعمال التي نصبت اهتمامها للفضاء المكاني؛ نصل إلى أهم الاستنتاجات:

أولا: ارتباط المكان/ الفضاء بالشخصية الرئيسة في النص القصصي، وذلك من تداعيات التعالق العاطفي وسلطةِ المدينة/ الأصل، أو المدينةِ/ المنشأ، وهو دليل أيضا على اعتبار الفضاءِ المكاني أسًّا في بناء النص القصصي القصير.

ثانيا: ارتباط المكان/ الفضاء بالحدث في بعض النصوص مما يؤرخ لواقعة حدثَت بمكان معين، أو ذكرى جعلت المبدعَ يُخَلِّد المدينةَ أو الحيزَ المكاني ويجعله بناء مهيمنا في صيرورة حياته أو صورةً لحياة متخيَّلَةٍ.

ثالثا: حضور أمكنة مشتركَةٍ بين القصاصين مما ينبئ بأهميتها من جهة، وتركيزِ الاهتمام عليها، إلى درجة اقترانِها بالمبدع.

 

3- خصوصيات الفضاء والقواسمُ المشتركة:

تشترك المجموعات القصصية المدروسة في كثير من القواسم التي جعلتنا نُقِر أنها خصوصيةٌ مثبتَةٌ بالدليل الموضوعي والقرينةِ السياقية في النصوص، ونشير هنا إلى كونِ المدينة بصفة عامة حيزاً له حضورُه القوي، ولعل من وراء ذلك رؤيةَ المبدع وتوقَه إلى كسب المكان دلالةَ الانتماء والانتساب والهروبِ من الواقع.

3-1- المدينة ورمز الوجود:

تتحددُ رمزيةُ الوجود الخاصةِ بالمدينةِ من خلال تتبع المبدع لأفضيةِ المدينة أولا، ثم بذكر المدينة ثانيا؛ وهو المقصود لدينا، إذ نبحث عن هذه الخصوصية ومميزاتِها.

نقرأ في قصة (ظل امرأة) لمريم لحلو قولَها: “افترشَتْ رُخامَ عتبةِ البنك التجاري المغلَقِ، تتأمل في هدوء المارةَ كأنها فلاحةٌ تزور المدينة لِتَكْرَعَ من مباهجها ثم تعودُ فَرِحَةً إلى بقراتها”، وهي إشارة واضحة إلى علاقة المدينة بالقرية، من خلال زيارةِ القرويةِ للمدينة ودهشتِها أمام الأضواء والمحلات والمؤسسات الإدارية… وقد يُحسُّ المبدعُ بالغربة الذاتية وهو يزور مدينةً بحجم العاصمة، فلا يألفُ منها إلا الوجوهَ، أما الضجيجُ والصخبُ فلا يزيدانه إلا ألما وحسرة، وتوقاً إلى عالم الفضاء الواسع في القرية أو المدينة التي لا تحْملُ من سمات المدنية إلا اللقبَ، يقول علي عبدوس في نص قصصي بعنوان (ضجة العاصمة): “في العاصمة ضجةٌ عارمة.. كالعاصفة. أعدْتُ الإصغاءَ إلى ما حولي.. بحاسة سمعٍ مُرهفَة، اكتشفتُ طَعما خاصا للزحام واللَّغَط.. أُصِبتُ بالصمم، ولم أعدْ أسمَعُ شيئا على الإطلاق.”[4] بمعنى أن ما أحسَّتْ به بطلةُ لحلو لم يَكُن إلا انعكاسا لرؤية قبلية منبعِثَةٍ من المتعارفِ عليه لديها، لأن المدينةَ نفسَها لم تكن إلا قريةً بالنسبة لعبدوس حينَ سافر بطلُه إلى الرباط.. من هنا نقول إن مقولةَ المدينةِ/ القريةِ تبقى نسبية تخضع للعامل النفسي أولا ولدرجةِ الانتقال من مكان إلى آخر. وقد يُحس المرءُ بالغربة أيضا حين ينتقلُ من مدينة إلى أخرى فيجدُ ما لا يَمُتُّ بصلة إلى الحضارة الحقيقة، وهذا الأمر نلاحظه لدى محمد العتروس الذي يقيمُ مقارنةً بين نساء مدينةٍ ما في وطنه افتَقَدْنَ رمزَ الأنوثة، ونساءٍ أوربيات حافظنَ عليه وإن مارسن حريتهن، يقول في قصة ( النساء): “كنت أدرك أني دخلْتُ المكانَ الخطأ، أنا الذي لم يكن لِتُرْبِكَهُ نساءُ باريس ولا لندن ولا فينيزيا ولا أمستردام..”[5] بالرغم من أنه كان يحس بغربة مكانية شاعرية تزيد من همومه وتُقَرِّبُهُ من مصيره المحتوم، يقول في نص (الغرفة الباريسية) في مجموعته (امرأة تقرع باب الله): “وَمِثْلَ أملٍ تُصارِعُ البياضَ، تعاندُ الفناءَ وتنتفِضُ من غفوتِك لتفتحَ لكَ صفحةً في الغرفة الباريسية”. كما نجد عند نجاة قشو الرؤيةَ ذاتَها حينَ يحضرُ التخيُّلُ وتتيهُ الشخصيةُ في فضاءات لا تناسِبُ حياتَها، فيكون المهاجرُ إلى باريس تائها لا يحاكي ما تشترِكُ فيه المجتمعات هناك، تقول في نص بعنوان (قروي في باريس): “قلبُ باريس.. ها هي ذي مقاهي (الشانزلزيه)، حيث فنجانُ القهوة بِطَعم التَّرف.. وحيث لا يحلُم أمثالي بمسح أحذية السادة.. فاغرَ الفم، مشدوهَ النظرة؛ أطالعُ من زجاج النافذة.. دنيا ثَمِلَةٌ بالترف..” لكن تنتهي الرحلة برفْسٍ من النعجة التي كانت تقبَعُ أمامَ البطل فيصحو من حلم لم يكنْ لينتهي.

وقد نصادف أيضا حديثا عن مدينة كئيبة يَحْكُمُها منْ يجْهَلُ القانونَ وهو يمثله، وتحتَلُّها وجوهٌ لا تدرك قيمةَ الكلمة، يقول الحسن بنمونة في مجموعته (كمائنُ وفِخاخٌ قصصية): “القاضي الذي عَمَّر طويلا في هذه المدينة الكئيبة استطاع أن يملأ السجونَ بالساكنة، وهذا يرجع إلى التطبيقِ الفاضلِ للقانون الذي لا يُفَرِّقُ بين صغير وكبير ، أو بين غني وفقير.”

إذاً، هذه بعض النماذجِ التي اخترتُها لتكون دليلا على ارتباط المبدع بالمكان عامة والمدينةِ بوجه الخصوص، سواء بالقَبول أم الرفض.

 

3-2- المقهى ورمزية اللجوء:

تعد المقهى أهم ملجإ يمكن أن يُدَثِّرَ أهوالَ الإنسان، ويُجيرَه إلى الفضاء الذي ينسى فيه الهموم، ويقتربُ من أحلام المارة والجالسين، ويحكُمُ على نفسه بلجوء استثنائي. وقد نجدُ هذه التيمةَ في الشعر كما تحضُرُ في النص السردي والقصصي خاصة. وقد استقصيتُ الأمرَ فوجدته بارزا في كثير من النصوص.

يستطردُ كثيرا ميمون حرش في وصف المقهى في نص (ولنا في المقهى مكان)، ويجعل منها المبتدأَ والمنتهى، وبها تتزين مدينةُ الناظور التي تناسلت فيها المقاهي بسرعة وكثرةٍ لا تقاوَم، يقول: “مقهىً جديدةٌ اسمُها فانكوﭬر رَسَتْ بمحاذاة شارع “طومعتيش”، يقال إنها مَخْمَلِيَّةٌ، وخطيرة.. وهناك أيضاً داوليز، وسيدني، وغوغول، وأخرى في طور الانجاز… المقاهي تتناسل في الناظور.. مدينتُنا تتغير.”

لكن ماذا يمكن أن نجنيَ من ورائها إلا الفقرَ والتهميشَ وكلَّ أنواع التشرد والتشرذم: “فلينظروا إلى الفقر في شوارع المدينة، وإلى غلاء المعيشة، وإلى العاطلين فيها، وإلى الأُسَرِ المعوزة، وإلى البِناء العشوائي…”

وهذا ما عبر عنه سعيد كفايتي في قصته بعنوان (عود على بدء) في مجموعته (أحمد الذي يطير) حين وجد نفسَه وسَطَ مقهى لا تُذَكِّرُه إلا بالبِطالة يقول: “في المقهى شرِبْتُ دُفعةً واحدة كأسَ قهوةِ “إكسبريس”، أحسسْتُ بالغُبْنِ لأني أصبحت عاطلا، وتغرغَرَتْ عينايَ بالدموع واختلَطَتِ الصُّوَرُ في ذاكرتي وبَذَلْتُ جهدا جبارا لكي أبكيَ كطفل فَفَشَلْتُ.” أو كما عبر عنه محمد عزوز بفراغ المكان وفراغ الوقت الذي لا يزيد البطلَ إلا حزنا وألما: “في لحظة ما ساد هدوءٌ تام فضاءَ المقهى، فتمكَّنَتْ أذناه من استنشاقَ موسيقى هادئةٍ تصْدُر من التلفاز، نبراتُ (الباينو) الخفيفَةُ عمَّقَتْ شعورَه الحزينَ، وَضعَ كفَّهُ على جبينه وراح يقيس حرارةَ الفراغ التي في ذهنه، عبْر جدرانِ المقهى وكراسيها وطاولاتِها..”[6]

غير أن المقهى تصير  في بعض الأحيان نقطةَ لقاءٍ وتعارف، كما تكون أيضا مَدعاةً لتساؤلات عدة، وهذا ما نجدُه عند عبد القاهر الحجاري مثلا في نص بعنوان (جاليلي): “في المقهى دخانُ السجائر ضبابٌ.. أنفاسٌ مخنوقة. رجل أنيق يحتسي قهوةً سوداء.. تطلَّعَ إليَّ بنظراتٍ شاردةٍ.. قام من مكانه.. دَلَفَ نحوي.. وسألني…”[7] أو كما جاء عند نور الدين الفيلالي في قصته (لوم) حيث تتبدى العلاقاتُ الإنسانية حين يطفو على السطح هاجِسُ التفوُّقِ الإبداعي أو ما يتركه فعلُ الطبع والنشر، يقول: “جالَسْتُهم في المقهى، نظرتُ إليهم للحظات دون أن أكلمهم، خاطَبَني “صديقٌ”: أيُّ رواية تقرأ هذه الأيام؟

قلت: تكفيني أعمالُكم التي فاقتِ الخيال.”

وما نشير إليه أن تيمة َالمقهى لم تتوقف عند الرجل بل تحضُر أيضا لدى المبدعة المرأة، وحسبُنا القولُ إن الإبداع لا يفصِلُ بين ذكر وأنثى، ما دام الإبداع إنسانيا معبِّرا عن الأحاسيس والمشاعر والقضايا. تقول أمنة برواضي في قصة قصيرة جدا بعنوان (المقهى): “ذهبَ في اتجاه المقهى التي لا بديلَ عنها في مدينة كهذه، تلقَّفَتْهُ نظراتُ روادِّها الثاقبةُ تتفحصه بدقة متناهية، استشْعَرَ لهيبَها يَلسَعُه، بادَلهم النظراتِ خوْفَ أن يتحول إلى رماد.”[8] وهي نظرة لِصدى فِعْلِ المقاهي وما يتوارى خلفَها من نظرات التفقد.

إلى جانب هذه الفضاءات المشتركَةِ نشير إلى أخرى تحضُرُ بقوة لكن بأشكال مختلفة ودلالات متنوعة، لسبب بسيط هو أنها فضاءاتٌ واسعة غيرُ محدودة، ونقصد من وراء ذلك أن المبدعَ لا يختار مكانا خاصا لنصِّه أو لبطله وإنما يجعله مفتوحا على كل التأويلات، وكل الاستنتاجات المقبولة أو المحتمَلَةِ. ولعل الأمرَ ضرورةٌ ملحة لِجَعْل النَّصِّ مِلْكَ المتلقي الذي يبحث فيهِ عن ذاته، أو يشكِّلُ الصورةَ التي يمكن أن تناسب وضعيَّتَه وحالاتِه الاجتماعيةَ والنفسية. ومن بين الأمكنة نذكر:

– المكان عامة: وهناك أمثلة عدة، نذكر منها قول محمد حماس في نصه (رحيل السيد سين): “المكانُ رهيبٌ. فوضوي .. لوحَةٌ سوريالية .. تركوه كما هو عليه..” أو قول نور الدين كرماط في قصة بعنوان (حكاية الضبع والعقرب والحمار أو حكاية الرمانة المفرقعة): “استوقف سيارةَ الأجرة بعنف، نهَرَ السائقَ وهذا ليس من عادته. نزل في مكان يمنع تَوَقُّفَ السياراتِ فيه.”..

– الفضاء لفظا: ويحضر لدى كثير من المبدعينَ، ونقدم نموذجا لبديعة بنمراح في نص بعنوان (شظايا حلم): “ضَمَّنا طائرُ الوجْدِ الجميلُ، بين أحضانِ روحٍ عذبة ، فحَلَّقْنا في فضاءات لا تنتهي، تُضيء دربَنا نجومٌ تتلألأ في حَدَقاتنا أملا، وغداً نرنو إليه مُزْهِر .”

إلى جانب أمكنة أخرى حاضرة كالمسجد والبيت والمدرسة وغيرها..

 

خلاصة:

يشكل الفضاءُ ملجأً خصْباً يعتمده القاصُّ للتعبير عن انتمائه أو عضويته أو ذكرى أو مكانِ تَقَرُّبٍ وَتَوَدُّدٍ لذلك نصل للقول إنه وسيلةُ أساسية تخدُمُ العملَ الإبداعي كما تساهم في توثيقِ الصلة بين المبدع وذاتِه أو المبدعِ ومحيطِه أو المبدعِ وقضاياهُ الاجتماعيةِ والسياسية والاقتصادية، لذلكَ حضرَ الفضاءُ وبرزَتْ تجلياتُه في آفاقٍ واسعة ومُنوَّعَةٍ أثثَتْ هذه الحلَقَةَ المفقودةَ في ذاكرته؛ ألا وهيَ حركةُ الصراعِ الخفيِّ بين الذاتِ والمحيطِ/ الفضاءِ.

________________________

هوامش:

[1]– للإشارة فهي الطبعة الثانية لهذه المجموعة، فقد سبق طبعها سنة 2012 عن مطابع الرباط نت.

[2]– ميمون حرش: نجي ليلتي، مطابع الرباط نت، ط. 1، 2013.

[3]– محمد مباركي: الرقم المعلوم، منشورات ديهيا، مطبعة الجسور، وجدة، ط. 1، 2012.

[4]– علي عبدوس: فاكهة النون، شركة مطابع الأنوار، وجدة، ط. 1، 2011، ص. 21.

[5]– محمد العتروس: غالبا ما..، منشورات ديهيا، مطبعة نجمة الشرق بركان، ط. 1، 2015، ص. 92.

[6]– محمد عزوز: المدينة تحترق الخبل، مكتبة سلمى الثقافية، تطوان، ط. 1، 2014، ص. 21.

[7]– عبد القاهر الحجاري: قهوة الروح الجديدة، قصص قصيرة، منشورات الاستهلال، مطبعة أنفو برانت فاس، ط. 2، 2011، ص. 9.

[8]– أمنة برواضي: صدى الكلمات الجريحة، مطبعة نجمة الشرق بركان، ط.1، 2015، ص. 72.

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

حلاوة برتقال يافا في قصة الدكتورة روز اليوسف شعبان __ هناء عبيد

  “حلاوة برتقال يافا في قصة الدكتورة روز اليوسف شعبان” :    صدر عن أ. …

اترك تعليقاً