الخميس , يناير 21 2021

السؤال الفلسفي في القصيدة الزجلية .. «محال نكون أنا؟» لعز الدين الشدادي نموذجا – بقلم الدكتور محمد رحو

إن استحضار القصيدة الزجلية الحديثة للأسئلة الفلسفية وارتكازها على طروحاتها ليس بدعا، ولا هو بالغريب والطريف. فقد ظلت الفلسفة أحد المعائن الثرة والمهمة التي تغذي الأدب وتسهم في نسج مختلف أجناسه، والسؤال الفلسفي من أبرز الركائز التي يستند إليها في معالجته للقضايا، إلى حد أن أصبح النهل من حياض الفلسفة والتزود منها شرطا أساسا من شروط الأديب الحق. يقول محمد حسين هيكل في هذا الصدد: «فلكي يكشف الأديب للناس عما في الحياة من حق وجميل، وليؤدي الرسالة العظيمة الملقاة على أدباء العصور جميعا، يجب أن يتغذى ما استطاع من ورد الفلسفة ومن ورد العلم»1.
فليس هناك أي تعارض بين الأدب والفلسفة، وإنما يشكلان دائرة مترابطة الأجزاء. فكلاهما يسعيان إلى الوصول إلى لحظة الحقيقة وإشاعة الجمال. فما هي إذن الأبعاد المعرفية لهذه الأسئلة الفلسفية؟ وكيف تم توظيفها في القصيدة الزجلية؟.

الأبعاد المعرفية للأسئلة الفلسفة:

إن الباحث في مدونة الزجل المغربي الحديث لا يعوزه إقامة الدليل على هذا الحضور الفلسفي. فقد يكفيه استعراض بعض المجموعات الزجلية مثل: «ديال من هي الحياة؟» و«شكون باقي فيكم عاقل على سميتي» لإدريس أمغار مسناوي، و«علاش أنا ماشي هو» لميمون الغازي و« ما يمكنش نكون أنا» للشاعر نفسه التي تتناص مع هذه المجموعة قيد الدراسة، و«ما غاديش تموت» لعادل السليماني.. ليتأكد أنه حضور ينطلق من عتبة العنونة. فالشعراء لا يفتؤون يسائلون الوجود الإنساني ويشككون فيه، ويعبرون عن قلقهم وحيرتهم أمام الوضع القائم في مختلف مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية..
وفي حالة الزجال عز الدين الشدادي، فإن الدافع الأساس لإثارة هذه الأسئلة الإشكالية هو إبراز التناقض والمفارقات الصارخة التي يعيشها المجتمع الحالي الذي من المفروض أن يرفل في النعيم والسعادة نظرا لما يعرفه من طفرة على جميع المستويات والأصعدة. فلا شك في أن الزجال يحس بالحرج وتتملك نفسه الحيرة أمام الوضع المعيشي القائم وإزاء الحياة الحديثة برمتها التي يحيا فيها الإنسان إشكاليات عديدة، تأتي في مقدمتها إشكالية القيم التي عرفت تحولا خطيرا. فقد بدأ الشاعر بمساءلة وجوده والبحث عن إيجاد معنى له في عالم أصبحت العبثية من أهم سماته مستفيدا في ذلك من طروحات فلاسفة الوجود: سارتر وهيدغر ونيتشه. فهو يسعى أن يكون له وجود حقيقي يخالف الوجود المادي الموازي للحضور الجسدي الذي تتساوى فيه كل الكائنات، وجود اعتباري يحقق له ذاته ويعلي من قيمته باعتباره إنسانا أولا، تتوافر له كل شروط الإنسانية وضرورياتها، وباعتباره مواطنا يتمتع بكل حقوق المواطنة ثانيا. فالمواطنة لا تقاس ببطاقة الهوية، ولا تتحدد بالانتماء الجغرافي المستند إلى مكان الولادة وتاريخها، وإنما من خلال ثنائية الحق والواجب وما يعيشه المواطن من عمر بينهما، وهذا ما أشار إليه الشاعر في قوله: «قلبت لوراق/ ورقة ورقة/ لقيتني مكتوب/ بخط عريض/ لقيتني/ عندي يوم/ وعندي شهر/ وما عنديش/ عمر» ص: 17.
إن من أفظع الأحاسيس أن يشعر الإنسان بالغربة وهو داخل وطنه وبين أهله، وأن يكون رقما زائدا ينضاف إلى نسبة سكان هذا الوطن، تتناسى كينونته ولا يقام لوجوده أي اعتبار، فمثل هذا الوضع يدفع صاحبه إلى التشكيك في ذاته والتمرد عليها. يقول: «واقيل/ نكون تمحيت/ ولا نكون/ تنسيت/ ولا شي ريح/ جابني لهذ الأرض» ص: 18.
ولم يكن هذا الاحساس موقفا فرديا ولا هو وليد لحظة عابرة، إنه خلاصة تجربة حياتية واحتكاك يومي بالمجتمع، جعلت الشاعر يصور الحياة في شكل متاهة يعمرها العقلاء والمجانين والعلماء والجهلة، ويتجاذبها الماضي المجيد والحاضر المؤلم، ويتوزعها الفقر المذقع والغنى الفاحش. إنها المتناقضات التي لا تنتهي والثنائيات الضدية التي لا تبرز إلا في المجتمعات اللاديموقراطية حيث تغيب العدالة ويخيم الظلم. وهذا ما أشار إليه الشاعر في قصيدة متاهة التي نختار منها هذه الأسطر. يقول: «ف بندول الزمن/ وقفت على راسي/ قالو لي/ انت فوق هنا/ جاتني الحيرة/ شفت بحالي/ كثار/ نفس الشعر/ نفس الوجوه/جوج قدام/ جوج رجلين/ جوج يدين/ زيرو عقل[…] ف بندول الزمن/ لقيت ناس/ قالبة لوجه قفا/ لقيت/ جوج ما يتعاشروش/ الحب ولوفا/ جوج ما يتئمنوش/ قلة شي وعقل حفا/ وواحد ما يموتش/ الصفا» ص: « 31- 38.
لم يجد الشاعر أمام هذا الوضع بدا من العودة إلى التذكير بقضية الوطن والدعوة إلى قيمة المواطنة التي تشكل أس القيم الإنسانية الأخرى وفتيلها في قصيدة «لبلاد». فالإصلاح لن يتم إلا بتمثل هذه القيمة تمثلا فعليا. فليست المواطنة شعارا يتغنى به، ولا هي أقوال تتردد في المحافل الدولية، إنها أفعال وسلوكات تظهر على أرض الواقع وتكون شخصية المواطن. ولعل هذه التمثلات الخاطئة لمفهوم الوطنية والتناقضات الصارخة بين الأقوال والأفعال هي التي دفعت الشاعر إلى أن يصدح بقوله: «لبلاد آ لولاد/ ما شي/ كلمة بالجميل/ ما شي/ كاغط يتحرك/ ما شي ضروبة تباع/ ما شي/ تليس/ ماشي/ قصر/ ماشي/ موس غدر» ص: 43.
ولكي يتم الشاعر رسالته النبيلة تجاه وطنه، لا يفتأ يدعو إلى الوحدة والأخوة ونبذ كل أشكال التفرقة، وكل ما من شأنه أن يزرع الحقد والكراهية في القلوب ويفصم عراها، وذلك من أجل تحقيق الذات، ومن أجل مجتمع آمن ومزدهر، كما في قصيدة «قلب واحد» ص: 47. وقد استثمر الشاعر في ذلك مقولة هيدغر «الوجود بما هو موجود» ص: 49. فإذا كان قد جعل من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية نفيا للذات وتغريبا لها، فإن تحقيق وجودها لن يتم إلا من خلال إصلاح هذه الأوضاع، وعبر مدخل القيم الذي يشكل الاتحاد والأخوة أحد تجلياتها. ولم يقصد الشاعر لتحقيق هذه الذات قيمة بعينها، وإنما أراد كل القيم البانية للإنسان والمجتمع. وما جاء ذكره في الديوان فمن باب إطلاق الجزء وإيراد الكل. لهذا نجده يختم الديوان بفضيلة الإيثار التي تعمر قلبه والتي من المفروض أن تكون صورة لكل شاعر ومثقف، وإلا ما فائدة الشعر إذا لم يلين القلوب ويخلصها من الغلظة والفضاضة؟ وما فائدة العلم والثقافة إذا لم يبنيا شخصية الفرد وإنسانيته؟. إن الشاعر وهو يؤثر على نفسه إلى حد التضحية بها من أجل سلامة الآخر وسعادته، لم يكن خطابا استعراضيا، ولم يسقطه في التعالي الذاتي بقدر ما يؤسس لنموذج الشاعر والمثقف الإنسان الطافح قلبه بالخير كما في قصيدة «خيتي يا خيتي» ص:55

توظيف المعرفة الفلسفية:

إن السؤال الذي يمكن أن يثيره توظيف المعرفة الفلسفية وأسئلتها في القصيدة الزجلية هو: ألا يمكن أن تسيء هذه الحمولة الثقافية إليها وتنحو بها نحو الإبهام؟ فتجعل منها تمارين هندسية عسيرة الحل، تنفر القارئ من الإقبال عليها. إن الجواب سيكون بالنفي طبعا، لأن تعامل الشاعر مع هذه المعرفة كان تعاملا فنيا، ينم عن حنكته وتمكنه من آليات الكتابة الإبداعية. فقد عمل على صهر هذه المعرفة الفلسفية مع روافد ثقافية عدة، منها الموروث الثقافي الشعبي والمسكوكات اللغوية العامية والأسطورة. ويمكن أن نمثل لذلك من خلال قصيدة «محال نكون أنا» فاتحة المجموعة الزجلية التي استعارت عنوانها، يقول فيها: «البارح/ وقف علي راسي/ تهجيت حروفو/ ما عرفتوش/ طاح لي القلب/ ف الركابي/ طار لي اللسان/ ف لعقل/ تحبس لي الدم/ف اللاوعي/ واقيل/ غ نحماق/ واش أنا راسي/ وما عرفتنيش» ص: 13- 14. فقد اغترفت هذه الأسطر من الفلسفة الديكارتية شكها المتمثل في قول الشاعر: «وقف علي راسي/ تهجيت حروفو/ ما عرفتوش» ولكن دون أن تنزل على القارئ بذلك الزخم الفلسفي الذي يمكن أن يهيم به في شعاب الفلسفة، ويتيه به في مساربها أو يقف عقبة كأداء أمام القارئ، لأن الشاعر أعطاها نفسا شعبيا تتداوله العامة من الناس حين تريد التعبير عن حيرتها وقلقها داخل مجتمع يعج بالمتناقضات. ومن ثم يبقى الشك هو الدلالة العميقة التي يمكن أن يصل إليها المتلقي من خلال قراءة ما وراء السطور. كما تستحضر هذه الأسطر المسكوكات اللغوية «طاح لي الما في الركابي» و«تحبس لي الدم في العروق» التي عمل على تحويرها فأصبحت « طاح لي القلب/ ف الركابي» و« تحبس لي الدم/ف اللاوعي». فبالرغم من خصوصية مصطلح «اللاوعي» باعتباره مصطلحا علميا وفلسفيا وظفه عالم النفس سيجموند فرويد للدلالة على مجموع الغرائز الفطرية والرغبات عند الانسان، فإن استحضاره داخل سياق هذه المسكوكة اللغوية الشعبية وجمعه برديفه «الدم» يقربه من الادراك، إذ يجعل منه تعبيرا عن أزمة في صورة فنية وجمالية. فالشاعر إذن عمل على دمج مجموعة من الروافد وصبها في قالب فني كان هو القصيدة الزجلية.
وفي السياق نفسه نعثر على قول الشاعر: «سولت راسي/ باش أنا/ إنسان؟» ص: 34، وهو سؤال عميق وإشكالي يثير مسألة مقومات الإنسانية التي تناولها الفلاسفة الوجوديون والمفكرون والأدباء كل حسب وجهة نظره. وقد أبى الشاعر إلا أن يجعل منه محطة للتوقف فيثير من خلاله ذهن المتلقي إلى التفكير في إنسانيته التي تشكل أساس وجوده، والتي ما فتئ يفقدها داخل هذا العالم الذي طغت عليه كل أشكال الفساد. ومراعاة لمستويات التلقي فإن الشاعر عمد إلى التخفيف من تلك الهالة المعرفية والفلسفية لهذا التساؤل – كما بدا عليه خلال القراءة الأولى – عبر اقتراح إجابات في شكل فرضيات، وفي قالب شعري طبعا. يقول في الصفحة 34: «بالرجلين/ ولا، باليدين/ ولا بالقلب؟؟» وهي فرضيات تيسر على القارئ طريق الفهم قبل أن يتم الانتقال به إلى المقوم الأساسي وهو العقل الذي استدركه في قوله: «نسيت العقل/حيت/ عيب ندوي عليه» ص: 35. وتحفزه إلى معرفة المزيد في هذا الباب خاصة وأنه يستحضر تبعا لذلك هرمين من أهرامات العقل جمع فيهما بين الحديث والقديم وهما: رائد الدراسات المستقبلية المهدي المنجرة والفيلسوف ابن رشد في قوله: «لقيت المنجرة/ ناسج خيوط المستقبل/ ماد يديه/ لابن رشد/ بجوج واقفين على عقل واحد» ص: 35.
ومن تناصات الشاعر مع المعرفة الفلسفية نعثر كذلك على قوله في الأسطر الشعرية التالية: «واقيل/ نكون تمحيت/ ولا نكون/ تنسيت/ ولا شي ريح/ جابني لهذ الأرض» ص: 18، المأخوذة من فكرة الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في معنى فقدان الأرضية وانحطاط الكائن، وشعوره بأنه شيء تتقاذفه الرياح. فالإنسان بحسب هذا الفيلسوف مقذوف في هذا العالم، ويظل كذلك، تجره الدوامة في لا أصالة «الهم»، غير أن هذه المقذوفية ليست أبدا نفيا للذات، بقدر ما هي نمط لكينونة الكائن، يفهم عبرها نفسه ويستشرفها.2 وإذا كان الزجال عز الدين الشدادي قد استقى الفكرة نفسها، فإنه استطاع بحنكته الفنية أن يجردها من تلك الحمولة المصطلحية المحيطة بها، لتصبح عبارة متداولة يستعملها العامة من الناس، ولكنها حاملة في الآن ذاته للعديد من الدلالات البعيدة، تستدعي القارئ إلى مساءلة أغوارها. والتجريد هنا لا يعني تحوير هذه الكينونة أو المس بمقوماتها كما أسس لها هيدغر، لأن الزجال نفسه يبحث عن موطئ قدم لها في ظل عالم كاد أن يكون نفيا لها بما يعرفه من متناقظات، وهو يسعى إلى إثباتها من خلال مؤشرات فنية. ويكفيه في ذلك أن سافر بها من الفلسفة الهيدغيرية إلى الزجل لأن الشعر في حد ذاته عنوان حاسم لمقام الانسان في العالم حسب هيدغر نفسه، وأن إيقاع الكلام وطريقة التعبير ونبرات الصوت التي تشكل مقومات الشعر كلها مؤشرات على هذه الكينونة وعلى انفتحاها 3. وهذا دليل أكثر وضوحا على تكامل الفلسفة والشعر، وعدم تعارضهما كما تم التنصيص على ذلك في مقدمة هذه الورقة، تكامل يسم الذات الشاعرة نفسها. فلم يكن من الممكن صهر المعرفتين الفلسفية والزجلية معا إلا من لدن شاعر اغترف من بحريهما حتى ارتوى، ذلك هو الشاعر الزجال عزالدين الشدادي الذي تخصص في الفلسفة من خلال الدراسة الأكاديمية، وانفتح على الزجل الذي تربى بين أحضانه في قبائل «أولاد احمر» المعروفة بعشقها للفنون الشعبية.

خاتمة:

إن الرسائل التي يسعى عز الدين الشدادي – وأمثاله من الزجالين الذين اختاروا هذا النوع من الكتابة – إلى بثها، هي أن القصيدة الزجلية ليست تلك المطية الذلول التي يمكن أن يعتليها أي كان، وليست بتلك البساطة التي تعتقدها العامة والتي تهوي بكثير من النصوص في هذا الجنس الأدبي إلى حد الإسفاف والابتذال، وإنما تحتاج هي الأخرى مثلها في ذلك مثل بقية الأجناس الأدبية الأخرى إلى رصيد ثقافي ومعرفي أولا، وإلى آليات فنية ثانيا، لا بد لمقتحميها من التسلح بها.

عن نازك الملائكة

اترك تعليقاً