[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

البيت __ ذ. ماجد بكار أبو إياس

 

“البيت” :

   يبدو كثكنة عسكرية: ستائر مسدلة، أشجار تظلّه وتحيط به، بوابة كبيرة تفتح وتغلق باستمرار. داخله كخلية نحل: هذا يروح، وهذا يجيء، هذه تلمّ، وهذه تقمّ، وهذا يحمل أكياسًا يدخل بها، ثم يخرج بغيرها.

الكل يلعن هذا البيت؛ العمل لا ينتهي، والطلبات لا تنفد، والأصوات عالية ومتشابكة ومختلطة، ذلك يسمع أغنية ركيكة، وآخر ينصت لأم كلثوم بشغف، يردد معها ويتمايل، وثالث توضأ ليصلي، ويصرخ بهم ليخفضوا أصوات أغانيهم، ورابع يريد أن ينام.

في البيت يجتمعون كلهم على مائدة الطعام، جالسين معًا وقلوبهم شتى، عجالى من أمرهم، يريد أحدهم أن يلحق صديقه الذي ينتظره خارجًا، وتريد إحداهن أن تكمل دراستها، والأخرى مسلسلها المفضل.

 

وحدها الأم تمدّ أيديها السبع لتلبي لكل واحدة طلبه قبل أخيه، تبدأ بالأب فيعترض: “مشّي فلان”!
ترفض بصمت: أبوكم أولًا!
تستمر بتركيز، هنا يحتاج إلى ملح، وهنا إلى زيت، وهنا الخبز جافر.
– هاتوا خبزًا جديدًا!
– ألم تحضروا زجاجة ماء؟!
– أين العصير؟!
– قم يا فلان!
– قم أنت، أنا تعبان!
– طيب، قومي يا فلانة، أنتِ أقرب!
وفيما تصطدم النظرات وتتعارك تكون الأم قد نهضت وأحضرت الخبز والماء والعصير؛ فتبرد نظراتهم وتخجل، وتلتهي بمضغ الطعام.

– أبي، لدي سؤال :
– تبدو قد قاربت على الشبع، تفضل!
– أيهما أسبق: البيضة أم الدجاجة؟!
تعلو الأصوات مستنكرة توقيت السؤال، ويضيع الجواب الحائر، فيما يمضي محمد الفاتح قُدمًا في نقل السفن العثمانية برًّا، ليفتح القسطنطينية.

الكل يلعن البيت والظلام. لكن ما أن تهبط العتمة حتى ينزوي كل واحد في غرفة معتمة، ويبدأ في طقوسه الخاصة: يضع سماعته في أذنيه، وتهتز ركبتاه، ويضحك بلا سبب!

الزجاج مكسور، الماء يتصبب من الصنبور، لمبة الغرفة لا تضيء، أنبوبة الغاز نفدت، قارورة الماء فارغة، … لا خبز، لا زيت، لا ملح، لا طعام! من يقضي كل هذا؟! من ينقذ البيت؟! الكل خارج البيت، أو خارج التغطية، ينادي الأب، تنادي الأم؛ ما من مجيب!

 

وحين ينتصف الليل يبدأ الجميع بالعودة إلى البيت، فلا بيت يؤويهم سوى هذا البيت، تطلّ رؤوسهم، ويسألون بصوت واحد:
– أين أمي؟
– يرد الأب: دخلت ترتاح استراحة محارب!
يدخلون إليها، فتنهض للقتال من جديد. ثم يتحلقون حول شاشة تتوعدهم بحظر شامل يوم غدٍ؛ فيلعنون البيت من جديد، لكنهم بعد أن يهدؤوا يسألون:
– أمي، ماذا غدًا ستطبخين؟!

تمضي أيام البيت ما بين طبيخ ونفيخ، وما بين طاخ وطيخ، يتناقشون، ويتعاركون، ويتناوشون، لكنهم يكبرون، على عين أم وأب، يلعنون البيت، لكنهم يسعون إلى بيت دافئ، وإلى ركن أمين.

لعنة البيت ليست إلا نفثة وزفرة، تخرج ما في الصدر من ألم، وتسقي ما فيه من أمل؛ فالبيت وطن لا يعرف قيمته إلا من لا يجد دفئه الحنون!

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

زمن الشعر – ناصر رمضان عبد الحميد ، عضو اتحاد كتاب مصر

  مالي وللشِّعرِ ينساني وأنساهُ… ويرقُصُ الحرفُ في كفِّي فأخشاهُما كنتُ للعهدِ يوماً خائناً أبداً… …

اترك تعليقاً