[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

اعتراف – نوفل السعيدي

إني تعبتُ، نعم تعبت، أحسّ وكأنني أجترّ الكتابة ومعها الأحاسيس لأخرِج هذا الذي يُسمّى شِعرا -ولا أسمّي نفسي شاعرا-، أحس وكأن جميع العوالم التي كنتُ أحملها في حقيبتي الصغيرة فُرقعت كبالونات الأطفال وصرتُ أحتاج إلى بالونات أخرى، أحس وكأن هذا الباب الذي يُسمّونه الشعر عصيّ عليّ لا يُفتَح، أدقّ على خشبه مرة، ومرة أقرع جرسه كالأطفال وأهرب، ومرة أرميه بحجارة من بعيد. أقولها وأصرّح بها، لم أجدني بعد، بدايةً، كنتُ أردّد صوت القدامى، وهذه التجربة البسيطة التي راكمتُها لم تمثّلني ولكن يُمكن اعتبارها بمرحلة ما بعد ترديد صوت القدامى.. وكأن كل هذا الذي أكتبه مؤخرا عبارة عن تقارير اعتذار وتبرئة من التقليد وليس بوحا نوفليا صافيا.
قبل مسابقة أمير الشعراء كنتُ جالسا مع صديقي حسن بورحيم في مقهى الصويرة، قلت له وأنا أبكي: حان الوقت ليُنصفني الشعر، لأنني وهبتُه حياتي وحرقتُ في بحاره جميع أشرعتي ومراكبي، نعم أنصفني، وصعدتُ للنهائيات والتقطتْ صوري كاميرات القنوات. كنتُ أظنّ أنّ هذا هو الإنصاف الشعري، أن تجنيَ مالا ويُذكَر اسمُك في أوساط الشعر العربي.. وبعد حين اكتشفتُ أنّ هذا كله سراب، فليس هذا ما أبحثُ عنه.. وقع لي كالذي اعتلى الطبق الأول من صومعة ما ظانّاً أن هذا هو العلوّ الذي يريد ليرى من خلاله العالم، ولكن سرعان ما اكتشفتُ أن هذه الصومعة لا نهاية لها وهي الشعر.. حتى أنني لم أعرف ماذا أريد من الشعر، وقد عكفتُ قبل عامين على ضريح محمود درويش في رام الله وأنا أبكي وأقرا الشعر بأعلى صوتي، قرأتُ قصيدة “ماذا أريد من القصيدة أيها النجم البعيد”، في لحظة اعتراف من مُريد مُبتدئ لشيخه الكبير، وأكرم به من شيخ عظيم..
تعبتُ حقا، من حمل فأس اللغة والنبش في جبال المعاني بحثا عن شعر يُترجمني ويُترجم أحاسيس الناس.. لا أحبّ أنصافَ الحلول، “لا توجد منطقة وُسطى ما بين الجنّة والنار”، لا أحب أنصاف الحلول في كل شيء حتى في الحُب.. وربما هذا الشيء الذي جعلني فاشلا-بين قوسين- في العاطفة، لأنني إما أن أحبّها بكل عواطفي وجنوني وأعاصيري القلبية أو لا أحبها.. لا أحب الاعتدال.. لا أحب أنصاف الحلول في مواقفي من الحياة أو من السياسة أو حتى من تراث وتاريخ الأجداد ومن الخرافة.. فإما أن أكونَ مواليا تابعا أو أو أكون رافضا ثوريا.. ومثلي لا يعرف الموالاة في كل شيء.. فالرفض والثورية والانتفاض من الأشياء التي عُجِنَت بها تُربتي قبل خروجي لهذا العالم العبثي المبهَم.. وهكذا أيضا في الشِعر، فإما أن أمتشقَ المعولَ وأهدم كل شيء يُعيقني لألامس سماء الشعر الحقيقي وأكتب شيئا حقيقيا وإما أن أميل للهدوء والسكينة.. لي خياران: أن أهدم جميع الطابوهات كيفما كان نوعها أو أن أسير مع القطيع … آكل وأشرب وأتناسل وأقول “العام الزين”..
ختمتُ ديواني الجديد مؤخرا ومزّقته.. لم أجدني فيه.. أحس بتكرار الأشياء.. وتكرار الرؤى والمعاني وحتى البحور والأوزان.. أحسّ وكأنني في حاجة لهزّة وجدانية كبيرة جدا كالهجرة مثلا أو إلى شرخ عاطفي مُهول، ليولَد الشِعر وأولَد معه من جديد..

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

سبعة أيام في عينيها __ الشاعر صالح طه “ظميان غدير”

“سبعة أيام في عينيها” : هنالك لي نجمة ضائعة وأغنيةٌ في المدى يانعة بعينيك حاست …

اترك تعليقاً