[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

أنتم عالة على الأدب – عاطف عز الدين عبد الفتاح

 

قال لي صاحبي -الذي يصغرني بعشرين عاما- وهو ينظر إلي مبتسماً: ما رأيك لو تكتب موضوعا تتحدث فيه عن موقف صادفك بدلا من نقد الومضات؟

قلت له: لكنني صرت معروفا في العالم العربي بفضل نقدي للومضات في الفيس.

قال لي: بصراحة.. أنا لم أعترف بالومضات أو الفيس، حتّى أنّهم يقولون أن هناك ومضة قصصيّة وهم بذلك يظلمون القصّة القصيرة.

قلت له : الوَمضة فن أدبي حديث، والكثيرون لم يبذلوا جُهدا لمعرفتها، فالناس أعداء ما جَهلوا، ولا تحتوي الوَمْضة -كما يقول المُبْدع حمدي عليوة- على الوصف والشرح والاستطراد ولا الاستدراك ولا العطف ولا جُمْلتين مُتتابعتين أو مُنفصلتين، وقد أخَذَت اسْمَها من أنَّها وَمْضة أي برقة واحدة، فوجود هَدف ومَغزى للوَمْضة مُكمِّل لشروطها. فَمِن المُمْكن أن توجدَ وَمْضة ولكنها لا تُقدِّم فِكرة أو مَغزَى أو مَعنَى قيِّما؛ وكلما كان هَدَفها ومَغزاها عَميقا كلما كانت وَمضة قيِّمة؛ وهذا ما يفرق كاتبا عن مبدع!!

قال لي: أنتم جيل ليس لكم أية منفعة، ما فائدة كتابك؟ هل قام بتغيير سلوك رجل الشّارع؟

لقد ذَكر لنا القرآن الكريم أن هناك مَنْ يستمع للهُدى ولا يهتز، وهناك خُطب دينيّة كثيرة لم تنجح في تقويم الكثيرين، وهناك إبداعات أدبيّة عالميّة إنسانيّة كثيرة لم يستفد منها رَجلُ الشّارع لأن نسبة الأمّيّة مُرْتَفعة في مصر، فهل كل هذا دون فائدة، فالمَنطق يؤكد أن العيب ليس على الذين يقدّمون الوَعْظ والإبداع والنّقد، لكن ينبغي ألا نقف مكتوفي الأيدي!!

قبل أن نتهم الآخرين بأنّهم لا قيمة لهم، ينبغي أن ننظر إلى ما قدمنا حتّى لا نُسقط فشَلنا على الآخرين؛ في كتابي الذي أنقد فيه سبع روايات لثروت أباظة -صدر الكتاب عام 1993 والناشر دار الشعب بالقاهرة-؛ وهو واحد من أهم كتب نقد الرّواية، وهذا الكتاب مرجع في الجامعة الأمريكيّة بالقاهرة، وقد تَرْجم المَرْكز الثقافي الأمريكي بالقاهرة بعض أجزائه إلى اللغة الإنجليزيّة، وتم توزيع هذه الترجمة في جميع المراكز الثقافيّة الأمريكيّة في العالم العربي.

قال لي صاحبي: هل تريد الصراحة؟ أنت كنت تنافق الروائي ثروت أباظة، وهل تعتقد أن التاريخ سيذكر كتابك بعد عشرين عاما مثلا؟

قلت له: أنا حاولت في هذا الكتاب أن أشرح لمُحبّي الرّواية أسلوب تيار الوعي عند “جيمس جويس” وكذلك المعادل الموضوعي عند “ت. اس. اليوت” الفائز بجائزة نوبل عام 1948، وذلك من خلال سبع روايات للروائي ثروت أباظة، وأكيد عندما أنافق شَخصا لا أستخدم في الكتاب أكثر من 55 مَرْجعا كالكتب الدينيّة والملاحم والأساطير الإغريقيّة والفارسيّة مثل “الشهنامة” للفردوسي والسِّير الشعبيّة مثل “سيرة الملك الظاهر بيبرس” بجانب كتب البلاغة والنقد الأدبي، فكتابي يستحق دون غرور شهادة دكتوراة لأنه أطروحة علميّة بكل المقاييس.

قال لي ساخرا: كتابك ليس له فائدة لأنه منذ ربع قرن، والنقد الروائي تطور!

قلت له: ما ذكرته أنا كناقد في هذا الكتاب من تكنيك في فن كتابة الرواية يحتاجه كل أديب ومُبدع روائي، هناك فرق بين تطور التكنولوجيا وبين الثوابت الأدبيّة التي يجب أن نَعيها ونَحْفَظها، والدليل أن اللوحات الفنيّة القديمة منذ أكثر من قرن تُباع اليوم بملايين الدولارات لأنّها فن وليست أجهزة واختراعات؛ فبعد مائة عام سنتمتع أيضا بالشعر العمودي عند المتنبي وأبو نواس!!

 

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

كذبت بيوت القطن __ الشاعر زيد الطهراوي

حدقت في بعض الشموع فنابني قلق و أدركني لهاث خائن قد يغرقون زنابقي في اليم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.