[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

أخطاء لم ترتكبها ثورة 25 يناير – عبد الرحمان يوسف

لكل ثورة أخطاء، ولكل أمة سقطات، ولكل مسيرة نضال مثالب.. إنها طبيعة الأشياء.
وها هي الأيام تمرّ، وها نحن نقف على أعتاب الذكرى العاشرة لثورة يناير المجيدة، نتذكر نسائم الربيع العربي، نترحم على شهدائنا، ونواصل نضالا لن ينتهي إلى آخر العمر مهما دفعنا من أثمان باهظة في السجون أو المنافي..
لا شك أننا قد ارتكبنا الكثير من الأخطاء، وفي أجواء الهزيمة التي يمرّ بها كثير من الثوّار، لا بد أن يعلم الجميع أن المسيرة كانت مظفرة، وأننا في يوم ما انتصرنا، برغم أي تراجع مؤقت نمرّ به الآن.. وكما لا بد أن نعرف ما الأخطاء التي ارتكبناها.. فإننا لا بد أيضا أن نعرف ما الأخطاء التي لم نقع فيها!
والحقيقة أن هنالك كثيرا من الأخطاء التي لم نقع فيها، ولكن أهمها ثلاثة أخطاء:
الخطأ الأول والأهم الذي لم تقع فيه ثورة يناير.. هو العنف!
لولا سلمية الثورة لما انتصرت، ولما خلعنا الدكتاتور مبارك!
لقد كانت آلة القتل جاهزة للبطش بالناس، هكذا هي دولة يوليو مذ ابتلانا الله بها، وقد نجحت تلك الدولة في القضاء على جميع أشكال المقاومة المسلحة التي حاولت أن تسقطها، ولم ينجح أي تنظيم يستخدم العنف في خدش واجهة زجاجية مضادة للرصاص من تلك الواجهات التي يجلس خلفها السادة الضباط.. (اغتيال السادات خرجت منه دولة يوليو رابحة، وامتد استبداد الدولة ثلاثين عاما مع استقرار مميت نتج عنه قتل المؤسسات، وضياع الأمن القومي، من منابع النيل، إلى حدود غزة).
لقد نجحت ثورة يناير في تحطيم صنم دولة يوليو لأنها استدرجت الدولة إلى لعبة لا تتقنها، هي لعبة المقاومة السلمية، فأصبح الأمر كأنك تتحدى مصارعا ضخما في لعبة الشطرنج، وحينها لن تنفع المصارع عضلاته وحجمه، بل سيظهر الحجم الحقيقي لعقله..
يظن بعض الكتّاب اليوم أن سلمية الثورة كانت سذاجة، والحقيقة أنها كانت أمرا مدروسا مقصودا مع سبق الإصرار والترصد، ويظن هؤلاء أن سبب انتصار العسكر – فيما بعد – هو أننا كنا مسالمين، والحقيقة عكس ذلك تماما.. لولا سلمية الثورة لما تمكن الشعب من الانتصار على النظام أصلا.
إذاً.. أين الخطأ؟
الخطأ أننا لم نحكم فورا.. أو على الأقل لم نشارك في الحكم بشكل فوري، وتركنا إدارة المرحلة الانتقالية لمجلس عسكري لا همّ له إلا إفشال الثورة، وسكتنا عن انتهاكاته فترة طويلة جدا، حتى أصبحنا أمام أمر واقع لا يمكن تغييره!
لم نشارك في الحكم من اللحظة الأولى.. ومن وصل إلى أي موقع من مواقع الحكم من التيارات الثورية، في أي موقع كان، من أي تيار من التيارات، كل هؤلاء كانوا يعملون كأقلية لا تملك الأدوات، ضمن دولة يحكمها الجنرالات من أقصاها إلى أقصاها، لا فرق في ذلك بين رئيس الجمهورية المنتخب رحمه الله، وبين أبسط منصب تولاه شخص ما باسم الثورة في الجهاز الإداري للدولة.
السلمية خلعت مبارك من عرشه، وكان بإمكانها أن تفرض نفسها، وأن تولي من تشاء، وتعزل من تشاء، ولكن لأننا لا نملك الخيال، ولا نملك الثقة الكافية في بعضنا البعض.. قبلنا أن يدير المجلس العسكري المرحلة الانتقالية، وبالتالي.. تلاعب بنا العسكر، وأدخلونا في متاهات لا أول لها ولا آخر.
الواجب اليوم هو أن نستمر في السلمية.. ولكن لا يمكن لثورة أن تنتصر دون أن تنتزع حقها في الحكم منذ اللحظة الأولى..
الخطأ الثاني الذي لم يقع فيه أي فصيل من فصائل الثورة المصرية.. هو تزوير الانتخابات!
إن الفارق الأوضح والأكبر بين أي نظام حكم مصر في العصر الحديث، وبين فترة حكم الثورة.. هو الرغبة في استقرار حكم ديمقراطي يحتكم إلى الصناديق.. وكان جميع المنتمين ليناير متفقين اتفاقا كاملا على أن منهج الحكم الذي ينبغي أن يستقر.. هو منهج حزبي تعددي.. تجرى فيه انتخابات حرة (نزيهة وسليمة)..
لن تستطيع أن ترى طوابير انتخابية حقيقية مثل تلك الطوابير التي صنعتها ثورة يناير، ووقف فيها عشرات الملايين من المصريين.. في استفتاءات أو انتخابات.
وحتى حين تذمر البعض من نتائج بعض الانتخابات لم يتمكن أحد من التشكيك في النتائج، اللهم إلا بعد أن أصبح ذلك من دواعي التقرب للدبابة.
لقد وقع البعض من المنتمين للثورة بسبب الاستقطاب والأحقاد ومؤامرات العسكر في فخ الرضا بالانقلاب على نتائج الصندوق، والاحتكام مؤقتا للدبابة (كانوا يظنون أن الأمر مؤقت!!).
ولكن لم يحدث أن شكك في نتيجة الانتخابات في عهد حكم الثورة أحد، وكل من شكك في نتائج الانتخابات لم يكن بسبب التزوير، بل كان بحجج أخرى لا مجال لذكرها في هذه العجالة..
قارن ذلك بستين عاما من الانتخابات والاستفتاءات التي زُورت تزويرا كاملا مكتملا، فجا صفيقا، على مرأى ومسمع من الشعب، وبشهادة من العالم كله.. حتى أصبح الناس لا يذهبون إلى تلك الانتخابات إلا لغرض لا علاقة له بما أقيمت له..
أما الخطأ الثالث الذي لم نرتكبه، وما زلنا جميعا فخورين بعدم ارتكابنا له.. فهو التطبيع!
من حق كل منتمٍ لثورة يناير أن يفخر بأنها ثورة شعبية وطنية مصرية، خرجت من ضمير وطني واعٍ، تكنُّ العداء الطبيعي لأعداء الأمة الصهاينة، وترى فلسطين قضية الأمة المركزية.
من حق كل أبناء تلك الثورة المجيدة أن يفخروا بيوم التاسع من أيلول/ سبتمبر 2011م، حين حوصرت سفارة الصهاينة في القاهرة، وتسلق أحد الشباب المبنى من الأرض إلى الطابق الثاني عشر..
من أهم ما يظهر لك الفارق بين الثورة.. وبين الثورة المضادة.. هو الموقف من المحتلّ الإسرائيلي، وهذا ما يدفعنا بكل ثقة إلى أن نصف ما يحدث في السودان بأنه انتصار للثورة المضادة، وأن الثورة السودانية قد اختطفت بفضل مجموعة من السياسيين الحريصين على تصفية حساباتهم مع تيارات معينة، حتى لو كان ذلك بإجبار السودانيين على ارتكاب عار التطبيع.
لقد ارتكبت ثورات الربيع العربي وفي القلب منها ثورة يناير أخطاء كثيرة، ولكن لا بد أن نعلم جيدا أننا تصرفنا بشكل صحيح أخلاقيا ووطنيا، حين ثرنا على الظلم، وحين طالبنا بالحرية، وحين وقفنا مع حق الشعب في اختيار من يحكمه، وفي مراقبته ومحاسبته.. ومعاقبته..
لقد اخترنا المنهج السلمي، وهذا صواب أخلاقي سياسي، واخترنا اللجوء إلى الصناديق، وهذا صواب أخلاقي قانوني، واخترنا أن لا نخضع لإسرائيل وهذا صواب أخلاقي استراتيجي..
لقد تحيزنا للأمة ضد الطاغية.. واخترنا أن نقف مع الشعب ضد نظام من الخونة.. وغيرنا فعل العكس.. وتلك لعمري أخطاء نعتز بأننا لم نقع فيها..
ستنتصر ثورتنا قريبا بإذن الله..
(هذه أخطاء لم نقع فيها.. وربما نعرّج قريبا على الأخطاء الكبرى التي وقعنا فيها)!

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “شرق المتوسط” للروائي عبد الرحمن منيف __ ذ. هناء عبيد

“قراءة في رواية “شرق المتوسط” للروائي عبد الرحمن منيف” : يبدو أن التاريخ يعيد نفسه …

اترك تعليقاً