0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

أقلام مهاجرة : الفنان الكفيف عبد العزيز مكروم ج1 ــ ذ. محمد الحراق

أقلام مهاجرة
الفنان الكفيف عبد العزيز مكروم ج1
*******************
  هو عبد العزيز مكروم؛ فنان مسرحي، فنان تشكيلي، مخرج وسيناريست، وممثل سينمائي، ومنتج ومخرج للأفلام القصيرة… متعدد المواهب والاهتمامات رغم الإعاقة البصرية. لهذا، فالكتابة عن مبدع كفيف كالفنان عزيز مكروم هي مغامرة من نوع خاص، هي الكتابة عن مبدع يمتلك عينا أخرى. مبدع تحدى ما تسمى إعاقة بصرية التي كانت نتيجة أخطاء طبية وقصور البصيرة البشرية، ليبدع ويتألق ويقوم بما يقوم به من يمتلكون أعينا، بل وأكثر. لقد خاض تجارب إبداعية وفنية عدة؛ من المسرح إلى السينما، إلى الفن التشكيلي الذي درسه بالمهجر ببروكسيل، والذي يعتمد على مزج الألوان ليخلق الفنان لونه الإبداعي والجمالي الخاص به. فكيف تسنى له ذلك ؟ وكيف درس وتعلم كل هذا ؟ وكيف أبدع كل هذا ؟ وقد فقد نعمة البصر منذ طفولته الأولى، أم أنه فعلا لم يفقد أبدا نعمة البصيرة.   

                                                
   المولد والنشأة :

  اسمه الكامل عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن غانم “مكروم”، أو على الأصح “الصغير” حسب الاسم العائلي القديم، لكن والده غيره بعد ذلك إلى “مكروم”، لدواعي شخصية وعائلية. ازداد عزيز يوم الجمعة 7 يونيو 1974 ، في حي يعج بالحركة ليلا ونهارا، يسمى” حي رشيل” أو “ساحة فيردان” قرب “سينما فيردان” الشهيرة بالدار البيضاء، والتي كانت تتواجد بظهر المنزل الذي ولد فيه، ومن هنا جاء عشقه للسينما منذ الطفولة… وبهذا الحي الذي يقطنه اليهود والمغاربة ويعيشون فيه منذ زمن طويل في انسجام تام. في هذا الحي يمتزج فيه عطر النساء بالتراب، بالمطبخ المغربي، بالأسواق المكتظة، بنمنمات النساء، بقهقهات الرجال، بلعب الأطفال وصخبهم. بالمدينة الكبيرة الدار البيضاء المغربية دخل المدرسة مبصرا، ليخرج منها كفيفا. في العام الثالث من مولده ولج روض الأطفال في سن مبكرة، وكان من عادته الوصول مبكرا أيضا لحجز المكان الأول في الصف للتركيز مع المعلمة نظرا لضعف بصره… وفي عام 1980 تم تسجيله بمدرسة بحي الإنجليز وتسمى مدرسة رحال الفاروقي، دخل المدرسة مبصر العينين كباقي الأطفال بفرح وسرور ، لكن مع مرور الوقت أخذ يحس بشيء ما غير طبيعي في عينيه، خاصة عند نزول الظلام فلا يرى ما كتب في السبورة، فكان عندما يطلب من المعلمة الاقتراب كان يتلقى سخرية التلاميذ. بعد المدرسة يخرج إلى باب مراكش، حيث كانت هناك طيور كثيرة ينصت إليها، خاصة طائر الحسون وأم قنين، وكأنه يشكو إليها حزنه، ويتحاور معها بروحه وصمته، فتخفف عنه بصوتها الجميل في المساء ما عاناه طول اليوم من شقاوة الصبيان. فأخذ يتمتع بهذه الأمسيات، فكان يساعد مربي الطيور بسقي الماء، فكانوا يجودون عليه ببعض ما اصطادوا، فيعود فرحا مسرورا إلى الدار. وفي يوم من الأيام قدمت له حمامة هدية، فشرع في تربية الحمام في السطوح ما زال أولادها من صلبها إلى اليوم في المغرب.

   المعاناة في مرحلة الصبا كانت كبيرة، ولما وصل إلى المستوى الثانوي، فقد شبكية العين، تطلب الأمر إجراء عملية جراحية مستعجلة. فسافر الوالد على وجه السرعة إلى القرية إلى بلاد الأجداد “أربعاء العونات” بإقليم الجديدة، فباع قطعة أرضية من أرض الأجداد على وجه السرعة، لكي لا يفلت فرصة العملية، لينقذ فلذة كبده. في قاعة العملية وبعد إجراء العملية، أخبره الطبيب أن المصعد معطل، فبقي ستة ساعات هناك. فصعد على قدميه، جلس وحيدا في حجرته، لكنه أحس بعدها بشيء لزج ينزل من عينيه، فلما نادى الطبيب قيل له أنه غير موجود، وانتظر حتى الغد. فلما فحصه قال له كن شجاعا… فعلم أن الأمر صادم جدا، وأن العملية لم تنجح، ستة أشهر كانت ظلاما دامسا فقد فيها الكل، حتى الأصدقاء، فأصبح العالم كله أسودا، كأنه رسم على الورق، وطويت الصفحة إلى أخرى سوداء، فكان النوم هو العلاج الوحيد. هاجر إلى فرنسا لعله يجد هناك علاجا لهذه العاهة الأليمة، لكن الأطباء صارحوه بأن العملية التي أجريت له بالمغرب شابتها كثير من الأخطاء الفادحة. أجروا له عملية أخرى لكنه لمح فيها البصر في لحظات قليلة، لكن سرعان ما فقده نهائيا وعاد إلى المغرب، زار طبيبا آخر “العلوي عبد اللطيف” الذي تعاطف معه جدا، فأرشده إلى المدرسة العلوية لرعاية المكفوفين بدرب عمر لمتابعة دراسته موسم 1993ـ 1994 بالسنة الرابعة إعدادي والتي تكللت بالنجاح، ليلج قسم المسرح ويحقق حلمه الذي كان يتمناه منذ سنوات الصبا قبل أن يفقد نعمة البصر، ليمارسه الآن وهو فاقد لها. ولكن كيف بمن يمتلك العزيمة القوية، والإرادة الصلبة أن يوقفه عائق أوعوائق مهما كانت، صحية أو مادية أو اجتماعية، وكما قال الشاعر الحكيم المتنبي: وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ 

تحدي الإعاقة باحتراف المسرح :
  درس المسرح على يد محمد سعيد عفيفي، الذي ساعده كثيرا في مشواره الفني، متحديا هذه الإعاقة الجسدية. فشارك في المسرح البلدي كأول ظهور له على الخشبة في أول عرض مسرحي يقوم به، والذي مثل له دعما معنويا كبيرا. ثم شارك في برنامج تلفزيوني “المسافر” لمحمد مهدي ليفوز بالجائزة الثانية، فكان علاجا أيضا نفسيا، ودعما معنويا جد مهم للخروج من هذه الوضعية النفسية المتأزمة.
المسرح هو دعم معنوي وعلاج نفسي :
   بعد المسرح البلدي شارك في مسرحية “تاغونجا”، التي كانت من إخراج ادريس السبتي. ثم مسرح شكسبير بالمعهد المسرحي في مسرحية “العين بالعين” و”موليير”. إلى سنة 1999 حيث أخرج محمد سعيد عفيفي مسرحية “رجل من الشمس” ، قام بها بجولة بالعالم القروي وبمناطق عديدة بالمغرب، والتي توجته كممثل مسرحي واقف على قدميه. وفي نفس السنة كانت هي السنة النهائية وامتحان التخرج بالمعهد المسرحي كللت أيضا بالنجاح.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.