0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

الدورة الخمسون للمقهى الأدبي الأوروعربي في بروكسل – مؤمن الوزان

بعودة المقهى الأدبي بدورته الخمسين في موسمه الجديدة (2019-2020) فإن الإبداع والاجتهاد الثقافي والفكري يكون لزاما له وإلا لتعطلت عجلته وخبت شعلته، الأمر الذي يعيه جميع القائمين على المقهى الأدبي من أعضاء وحضور ضيوف؛ ليتحول دافعا للجميع لتقديم الأفضل مما تجود به حدائق الفكر وبساتين الأدب (نثرا وشعرا).
عنوان الدورة الخمسون (صورة المغربي في الصحافة الفرانكفونية البلجيكية) للأستاذ والإعلامي وعضو المقهى الدائم محمد بحسي، وجدير بالذكر والإعادة أن الدورات تستمد عناوينها في العادة من عنوان المحاضرة الملقاة فيها، هذه المحاضرات في الفكر والأدب والاجتماع والتاريخ والدين والتربية والثقافة التي ما انقطعت منذ الموسم الماضي بصورة تتابعية مترابطة المواضيع التي كوّنت صورة شاملة وجسر تواصل بين عدة جهات عربية وأوروبية، وعربية – عربية، في لوحة فسيفسائية تامة الأركان والمضامين، وما زال المقهى الأدبي ومن فيه يحثون خطى الإبداع والعمل الدؤوب من أجل إعطاء صورة ناصعة البياض والإشراق تشقشق كل مرة عن محتوى جديد في طرحه وتشخيص علّاته وتحديد سماته وطرق علاجه.
فلماذا المغربي ولماذا الصحافة الفرانكفونية؟ ننطلق من العنوان الذي حمل بين طياته حمولات لغوية لا تكشفها القراءة دون الغوص في هاتين الكلمتين.
لا تمثل كلمة المغربي هنا من سكن المغرب أو ذاك القادم من المغرب أو ذا الأصول المغربية، فلا بد أن نعرف أنَّ من أساليب الخطاب هي لفظ خاص ومقصد عام، فالمغربي يُعنى به كل عربي بصورة عامة وكل مسلم بصورة خاصة، فقد سمّى فولتير المسلمين فيما سبق بالأتراك، والتركي، نظرا لأن الحكم في تلك البلاد كان تحت سلطان الأتراك. فالمغربي اليوم كالتركي في الأمس، حين يُقرأ من قبل القارئ الأوروبي والبلجيكي فإن للكلمة حمولاتها اللغوية والمقصدية والفكرية، فهي تستحثُّ العقل وتنقله صوب الشرق وبالتحديد صوب الإسلام والعرب، فتثير في نفس القارئ جوى وبيئة بشحنات سلبية واضطرابات فكرية مشوهة أو حقيقية ويستفيق اللا وعي بتداعٍ للأفكار والذكريات، فيصبح سهل الانقياد نحو أي وجهة، ولا نغفل من كل هذا أن المغربي هو الوجهة الأولى التي ستقصدها كل العقول دون غيره لكنها وجهة من عدة وجهات، يستغلها بعض الإعلام وفق خطوات مدروسة في مخاطبة عقل المتلقي والتي تغفل عن كثير من الناس. ولمَ الصحافة الفرانكفونية (بالتحديد صحيفة سود بريس “Sud Presse”، فتعود الأسباب كما ذكرها الأستاذ محمد ما بين موضوعية وشخصية. فالموضوعية تعود أسبابها لكثرة الجالية المغربية (مهاجرين أو مواطنين بلاجكيين من أوصول مغربية) في إقليم والونيا الناطق بالفرنسية، وتركّزهم في الجنوب البلجيكي، وشخصية لكونه -نظرا لعمله الصحفي- ناطقا بالفرنسية ومن المتابعين للصحافة الفرانكفونية ومتابعا نشطا في مواقع السوشيال الميديا، وعضوا فعّالا على صفحات الصحف في الفيس بوك، مما يمنحه رؤية بانورامية سواء في قراءة الأخبار أو قراءة تعليقات جمهور تلك الصحف (ولا سيما سود بريس التي تناولها بالعرض والحديث)، كل هذا جعل المحاضرة من صحفي وقارئ ومحتك بالآخر، مما تعطينا صورة ثلاثية الأبعاد تشمل المُرسِل والمُستَقبِل والمُراقب، فقد أمسك الموضوع من تلابيبه فكان خير محاضر وخير فاتحة لمحاضرات المقهى الأدبي في الموسم الجديد.
شملت المحاضرة: المقدمة لماذا اختيار الصحافة الفرانكفونية، والثاني مدخل (لمحة تاريخية عن الهجرة المغربية إلى الجنوب البلجيكي الفرانكفوني، ثم أربعة مباحث رئيسة هي:
1- لماذا اختيار سود بريس.
2- صورة المغربي من خلال عناوين ومضامين المقالات.
3- صورة المغربي من خلال تعليقات رواد التواصل الاجتماعي وتعامل مديرو تلك الصفحات مع الآراء المخالفة.
4- الاستنتاج والتوصيات.
حاول الأستاذ وعمل جاهدا على تلخيص النقاط التي ذُكرت أعلاه في تقديم وتوطئة لمغاربة بلجيكا والحضور التاريخي والهجرة التي تعود للعقد الثاني من القرن الماضي، وتعدد الهجرة إلى مراحل رئيسة ثلاثة كان آخرها (والأستاذ من ضمنهم) في نهاية القرن الماضي.
لم يكن اختيار صحافة سود بريس دون سواها اعتباطيا أو عبثيا بل لكون هذه الصحيفة تستخدم أساليب شعبوية وديماغوجية ترتكز على مخاطبة الجماهير مركّزة على الحمولات الفكرية والثقافية التي يحملها القرّاء والتي تأتت إلى أذهان العامة من سوء أوضاع بعض المناطق العربية والإسلامية في العالم من حروب وأوضاع أمنية سيئة إلى الكثير مما لا يجهله القارئ في أي مكان فوق المعمورة، هذا الأسلوب الخطابي الذي يعتمد على إثارة الشحناء والبغضاء تجاه المغربي -الحامل سمة العرب والإسلام والمهاجر- الذي يعد مادة دسمة لخطاب تعبوي شعبوي يخلق جدارَ صدٍ وعداءً بين المهاجر (الذي في كثير من الأحيان هو مواطن بلجيكي مولود فوق الأراضي البلجيكية)، والمواطن البلجيكي ذي الأصول غير الشرقية. لا يمكن أن نعزل هذه المشكلة عن نظيراتها في العالم الغربي بصورة عامة، فتمييز الخطاب (كالصحافة الناطقة بالإنجليزية وتغيير العنوان من Terrorist Attack و Mass Shooting اعتمادا على هوية الجاني أهو إرهابي مسلم أو مريض نفسي في أغلب الأحيان كما يوصف، والأمثلة كثيرة في هذا الباب لا تخفى عن اللبيب)، ومحاولة وضع صورة المهاجر أو العربي أو المسلم في مربع واحد، مربع لا يحمل أي معانٍ إيجابية أو رفيعة، بل والتسرع في وصم أي مرتكب لحادثة ما بهذه الأوصاف حتى قبل التأكد من هُوية الجاني كما في أمثلة ذكرها المحاضر عن صحافة سود بريس بتكبير أي مخالفة وكتابتها بالخط العريض إن كان مرتكبها مغربيا أو نسبته إلى المغربي حتى وإن لم يكن مغربيا وذكره بالاسم الكامل -هنا نعود على الحمولات اللغوية التي تراهن الصحيفة على تداعيها في ذهن القارئ-، ومحاولة الطمطمة عن أي جريمة إن كان مرتكبها أبيضَ أو مواطنا بلجيكيا غير مهاجر. هذا التمييز في الخطاب كفيل بخلق جو من التنافر وعدم الاندماج بل ويكون مخالفا للقانون التشريعي البلجيكي والأوروبي، لكن بدون إجراءات صارمة تجاه هذه المخالفات فهي مستمرة، وما يزيد الطين بلة هو حالة التقوقع حول الذات عند كثير من المهاجرين دون الولوج الحقيقي داخل المجتمعات الجديدة، هذه القضية (الذات والآخر، والوطن والمهجر) من المسائل الإنسانية الكبرى التي لا يمكن الوصول إلى علاج شافٍ يلائم الجميع، وأفضل ما يمكنه القيام به هي حلول ترقيعية قد تؤتي أُكلها بعد أجيال عدة.
لا شك أن صورة المغربي من كل هذا لن تكون إلا نتيجة لخطوات مدروسة بعناية في الخطاب الصحفي والإعلامي، فعملية غسل الدماغ لا تعني أن أصب دلو ماء فوق الرؤوس بل سكب الأخبار الكاذبة في آذان وأعين المستمع والقارئ المشاهد، أو ما يسمى في عالم الخداع والمكر السياسي بالـ Post-Truth (ما بعد الحقيقة)هذا الأسلوب الديماغوجي القائم على أساس الكذب على المتلقي اعتمادا على عواطفه ثم تكرار الكذب حتى تبدو
حقيقة مطلقة ومسلّمة بديهية لا تقبل الشك، ليخرج الإنسان من طور الذاتية المُسيِّرة إلى مرحلة الآلية الخاضعة التي لا تحق حقا ولا تبطل باطلا بأبشع أنواع الاستبداد الفكري.
لكن ما الحل لكل هذا، أو الخطوات التي يمكنها تقليل الفجوة؟ فإني أنقل هناك كلام الأستاذ محمد بحسي:
1- وجود مراصد في البلدان المستقبِلة ترصد كل ما ينشر عن المغاربة والمسلمين إيجابيا كان أو سلبيا، وتحريره والرد عليه بشكل موضوعي يراعي أعراف الصحافة وأخلاقياتها، ولا بد هنا من الاستعانة بالكفاءات الإعلامية داخل الجالية المغربية.
2- محاولة خلق علاقات ودية من الصحفيين الأوروبيين والبلجيكيين ودعوتهم إلى ندوات ونشاطات المهاجرين لتصحيح الصورة وتقويم المسار بالتتابع.
3- خلق وسائل إعلامية منافسة يديرها مغاربة عرب تتسم بالمهنية والانفتاح على جميع مكونات الجالية وأطياف المجتمع الذي تعيش فيه.
أتبعت المحاضرة جلسة نقاش تناول فيها الحضور المحاضرة بالتدارس وإبداء الرأي في الزيادة أو الرد على ما جاء فيها مما خلق جوا فكريا لا يقل عن المحاضرة وموضوعها.
وشمل القسم الآخر من الدورة الخمسين جلسة أدبية شعرية ونثرية، ألقى فيها الحضور ما جادت به قرائحهم من كتابات.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.