0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

السيف اليماني في نحر الأصفهاني – مؤمن الوزان

من منا لم يسمع بكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، الذي يُعد لدى كثير من الباحثين والأدباء والمستشرقين من الكتب المهمة ويعتبرونه من المراجع الأدبية والتاريخية الموثوقة وفي مقدمة هؤلاء طه حسين. فمن هو هذا الأصفهاني وما قصة هذا الكتاب؟ 
نسبه: هو علي بن الحسين بن محمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الأموي، المعروف بالأصفهاني، ولد في أصفهان سنة 284 هـ، ونشأ في بغداد والكوفة، أخذ عن علمائها أمثال أبي بكر ابن دريد، وأبي بكر ابن الأنباري، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وغيرهم. وتقرب من البويهيين إبان سيطرتهم على الخلافة العباسية حتى صار كاتبا في ديوان ركن الدولة البويهي ونال عنده حظوة ومكانة عالية. 
أما كتاب الأغاني فقد جمع فيه الأصفهاني أخبارا شتى، في الأدب والشعر والغناء، من الجاهلية إلى صدر الإسلام، ثم العهد الأموي، والعباسي، وتناول أغراضا شتى في التفسير والحديث والسيرة والفقه واللغة، وأخبار الفتوح، وأحوال الخلفاء والأمراء والوزراء والعلماء والأدباء، وسروات الناس. ووقف في كل ذلك إلى عهد الخليفة العباسي المعتضد بالله، المتوفى سنة 289 هـ. 
وقد تولت دار الكتب المصرية طبعه -بعد الطبعة الاستشراقية- وأخرجته بأربعة وعشرين مجلدا كبيرا، وحشدت له جمعا من العلماء والأدباء لتحقيقه. 
يبدو الكتاب في هذا العرض الذي نقلته عن وليد الأعظمي جاذبا لقراءته نظرا لتنوع أخباره وكثرة مواضيعه وأخباره، لكن هيهات، فالمصائب والشرور كلها في بطن هذا الكتاب. 
السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني، هو كتاب من تأليف الخطاط والمؤرخ والشاعر العراقي وليد الأعظمي، والذي يحكي في مقدمة كتابه هذا، عن مدى إعجابه بهذا الكتاب أيام شبابه، حيث كان يتسامر مع أصدقائه في قراءة النوادر والطرف التي نقلها الأصفهاني دون أن يلقي بالا لسند المرويات، حتى وقعت عينه على أخبار خبيثة ماجنة بحق أعلام التاريخ الإسلامي وطعنا في المجتمع العربي الإسلامي، يصوره الأصفهاني كأنه مجتمع انحلال وشذوذ، وسقوط أخلاقي، حيث الخمر مباح، والسحاق واللواط منتشر، والطعن بالشخصيات الإسلامية سواءً من العلماء أو آل البيت، والطعن بالدين الإسلامي وشعائره ولا سيما الحج والصلاة. فابتدأ بتحقيق هذا الكتاب والتدقيق في مروياته وفحصها سندا ومتنا، وعائدا إلى أقوال أهل العلم الثقاة في أبي الفرج الأصفهاني وفي كتابه ومن نقل عنهم، وبعد سنتين من التفرغ والاجتهاد في البحث والتمحيص انتهى المؤرخ -رحمه الله- بإصدار كتابه الذي يعد من أشهر الكتب المعاصرة الناقدة لكتاب الأغاني والكاشفة عن ضلال الأصفهاني وكذبه وشعوبيته تجاه العرب والمسلمين، وحقده على الدين الإسلامي الحنيف. 
إذ يفتتح الكتاب بقول الخطيب البغدادي: 
(حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طباطبا العلوي، قال: سمعت أبا محمد الحسين بن الحسين بن النوبختي، كان يقول: كان أبو الفرج الأصفهاني أكذب الناس. كان يشتري شيئا كثيرا من الصحف: ثم تكون كل رواياته منها).
وينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، يتناول في فصله الأول ترجمة للأصفهاني وكتابه وأقوال أهل العلم الثقاة فيه وفي كتابه أمثال: هلال بن المحسن الصابي، والخطيب البغدادي، وابن الجوزي والذهبي وغيرهم الكثير، ومما قالوه فيه أذكر قول العلامة ابن الجوزي:  ((… ومثله لا يوثق بروايته، ويصرّح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، ويهوّن شرب الخمر وربما حكي ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل قبيح ومنكر)). وأشد المآخذ عن الأصفهاني في كتابه الأغاني هو تساهله في الرواية إذ بلغ عدد الرواة الكاذبين والمجاهيل، الذين كذّبهم وشكك بهم أهل الجرح والتعديل والعلماء الثقاة أمثال الإمامين البخاري وأحمد بن حنبل، وذكرهم وليد الأعظمي في كتابه، ثلاثة وعشرين راويا، نقل عنهم الأصفهاني مئات الروايات في كتابه وجمعتهم دفات مجلداته. 
ولا يظن القارئ أن وليد الأعظمي قد سفّه هذا الكتاب وأبان أباطيل مروياته وكذب الأصفهاني، بل أراني أجد أن الأعظمي قد نقد وأغلظ القول في المحققين لهذا الكتاب في طبعاته، والذين لم ينبهوا إلى أكاذيب المرويات، بل وحتى لم يحققوه فعلا، لأن بعض الروايات تحمل لغطا وكذبا في التواريخ، فيتساءل كيف مرّت عليهم هذه الأخبار؟ وهل فعلا قاموا بتحقيقها؟ لذا فإن كتاب السيف اليماني ليس فقط في نحر الأصفهاني بل في نحور طائفة من المتأخرين الذين لم يكشفوا باطل المرويات وعلى رأسهم طه حسين، وحسين مروّة، وشفيق جبري، بل وقد دافعوا عنه واعتبروه من الكتب المهمة التي نقلت لنا صورة المجتمع الإسلامي وقتئذ. 
وينقل الأعظمي قول الدكتور محمد أحمد خلف الله: “إن كتاب الأغاني لم ينل حظّه الفائق من الشهرة، إلا بعد أن فقدت المكتبة العربية كثيرا من الكتب، وكثيرا من المرويات التي اعتمد عليها أبو الفرج في التأليف. ولولا ذلك لظل الكتاب وسطا بين الكتب، وظل أبو الفرج -كما كان في عصره- من الأدباء الذين يحسنون السمر، ويجيدون قص الأخبار ولا شيء وراء هذا. فليس الرجل بالشخصية الجبارة، وليس الرجل بالعقلية الفذة، حتى يضخم، وتتضاءل إلى جانبه جميع الشخصيات. أبو الفرج شخصية عادية، أو أديب مغمور في عصره”. 
وتتوزع الفصول الثلاثة الأخرى من الكتاب في تفنيد بعض مرويات كتاب الأغاني التي حملت من الطعن بأعلام المسلمين، والفحش والبذاءة، والمرويات الفاسدة القذرة التي يعاف اللسان ذكرها. الفصل الأول خصصه للروايات التي طُعن وأُسيء بها إلى آل البيت وفي مقدمتهم طعونه في الحسن والحسين وسُكينة بنت الحسين والحسن بن الحسن بن علي، فما بين تسفيه لأخلاقهم وطعن بعقيدتهم كما في إقرار الحسين (رضي الله عنه) ليزيد على شربه الخمر في راوية (15/291). وكانت السيدة الفاضلة والشاعرة العالمة سكينة بنت الحسين، والتي شهدت الطف مع أبيها الحسين، من أكثر الشخصيات التي تم الطعن بها وتسفيهها، وإظهارها بمظهر اللاهية التي لا شغل ولا شاغل لها إلا الغناء واللهو والتفاهة. كما في مرويات (16/152)، (1/105)، (2/365)، وأبشع ما أورده عن هذه السيدة الفاضلة، والطعن بها هو طعن بنساء آل بيت النبوة، في رواية رقم (17/ 42-45) وهي بعنوان: سُكينة تُرجع ابن سريج إلى الغناء بعد توبته. فينقل في آخر الرواية ما قالت سُكينة وهي تحلف بالبراءة من جدها رسول (صلى الله عليه وسلم): برئت من جدي، إن برحت داري ثلاثا، وبرئت من جدي، إن أنت لم تغنِ، إن خرجت من داري شهرا، وبرئت من جدي، إن أقمت في داري شهرا، إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشرا، وبرئت من جدي، إن حنثتُ في يميني أو شفَّعت فيك أحدا. 
فأي مطاعن أكبر ينقلها الأصفهاني بعد! وهو يلفق القصص تارة ويلفق الأسانيد تارة، ويعتمد على الكاذبين والمطعون بصدقهم، وما له من غاية إلا الطعن والكذب، وإظهار عليّة القوم بهذا المظهر البائس التعس، فكيف بحالة عامة الناس. 
وفي الفصلين اللاحقين يذكر الأعظمي الروايات التي نقلها الأصفهاني في الطعن بالأمويين وهي مليئة بالكذب سندا، ولغطا وخلطا في متنها، وأما طعنه في الدين وشعائر الإسلام لهي أدهى وأمر، إذ يظهر الحج بلا أي قدسية، وكأنه تجمع للهو الطرب والغناء، أو الاستخفاف بالصلاة، كما في رواية رقم (13/326)، حيث يروي عن تجمع للسكارى يطلبون من جارية أن تؤمهم في الصلاة، وكان عليها غلالة رقيقة، مطيّبة، بلا سراويل، فلما سجدت بان فرجها، فوثب عليها أحدهم فكشف عنه، وقبله وقطع صلاته ثم قال: 
ولما بدا فرجها جاثما   كرأس حليق لم يعتمد 
سجدت إليه وقبلته     كما يفعل الساجد المجتهد 
فقطعوا صلاتهم، وضحكوا، ثم عادوا إلى شربهم. 
وهذا غيض من فيض، فأدعو القارئ الكريم العودة إلى كتاب وليد الأعظمي “السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني” وقراءته والوقوف على كذب وسفالة الأصفهاني، والكتاب متوفر إلكترونيا. وجدير بالذكر أن آخر طبعات الكتاب كانت سنة 2000م.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.