0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

عن الدورة 45 من المقهى الأدبي الأوروعربي في بروكسل – مؤمن الوزان

شهد السبت الماضي، التاسع من شهر آذار/ مارس، الدورة الخامسة والأربعين من المقهى الأدبي الأورو-عربي في بروكسل، والتي كانت بعنوان إحياء الهوية الأندلسية، والتي قام بتقديمها الأستاذ عزيز السعيدي، المتخصص بتاريخ الأندلس، والمقيم في أمستردام، والذي تكبد عناء السفر إلى بروكسل ليحيي هذه الأمسيّة تحت ظلال قصور غرناطة وإشبيلية، ناشرا العبق الأندلسي في رحاب المقهى الأدبي. تناول الأستاذ عزيز السعيدي تاريخ الأندلس بصورة بانورامية استعراضية شاملة منذ نزول المسلمين فوق السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة الإيبيرية سنة 92 هـ/ 711 م، مرورا بمعاهدة تسليم مفاتيح مملكة غرناطة، والتي تمت ما بين أبي عبد الله محمد الصغير، آخر ملوك بني الأحمر، والملكين الكاثوليكيين فردناند الثاني الأرغوني وإيزابيلا الأولى القشتالية في الثاني من كانون الثاني/ يناير سنة 1492م/ 897 هـ، بعد حصار دام لعشر سنوات، والمراحل اللاحقة التي كانت حلقة وصل للهوية الأندلسية والإسلامية التي تمتد حتى هذا اليوم. وخلال ثمانية قرون اجتهد المسلمون في الأندلس في بناء حضارة عظيمة، ما زالت حتى الساعة آثارهم شاهدة وقصورهم خالدة ومساجدهم صامدة ودماؤهم تنبضُ في عروق الموريسكيين المسلمين الذين بقوا تحت حكم الملوك الكاثوليك، والذين عانوا ما عانوه من عمليات اضطهاد وتنصير ومحاولات مسخ عن هويتهم نجح بعضها وفشلت أخرى، وهو ما تم تناوله من قبل الأستاذ، مسلطا الضوء على أهم المحطات المهمة في تاريخ هذا الصراع الذي ابتدأ بعد سقوط غرناطة، منها التأثير الأندلسي الكبير في المجتمع القشتالي والأراغوني، سواء في مجالات الأدب والمخيال الشعبي والأساطير والموسيقى والعلوم، التي بلغ تأثيرها ما بلغ إذ أصبحت شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال) مهد عصر النهضة والعصر الباروكي والذي انتشر إلى باقي القارة الأوروبية، وليفتح أمام الأوروبيين عصرا جديدا تظافرت فيه الجهود والعقول في خلق العالم الجديد في الألفية الثانية فالثالثة، ويكمل الأستاذ عزيز السعيدي السمات الأخرى التي أبقت جذوة الهوية الأندلسية ملتهبة، فمنها الثورات التي قامت ضد الحكم الكاثوليكي مثل ثورة البشارات، وثورات أخرى لاحقة مثل ثورة طاهر الحر في وقت لاحق، وكان العنصر الموريسكي هو العنصر الفعال فيها. وحظيت هذه الثورات كذلك بدعم وتحريض الموريسكيين من الطبقة النبيلة، وما يثبت أن الهوية الأندلسية لم يتم القضاء عليها مطلقا من قبل محاكم التفتيش يتمثل في مراسيم ملكية في القرنين اللاحقين السادس والسابع عشر تأمر بتحسين التعامل مع المورسكيين. وبالرغم من كل هذه الصعوبات والاضطهاد الديني الذي تعرض له المسلمون الذين بقوا في الأندلس، إلا أنهم بقوا محافظين على هويتهم، واستغلوا كل الفرص الممكنة للتعبير عنها. 
وانطلاقا من تخصصه في هذا المجال، فقد أثار الأستاذ عدة مواضيع تهم الهوية الأندلسية التي عانت ما عانته خلال قرون، فهي باقية حتى اليوم تحمل سماتها الثابتة التي لا تتغير، فمن جهة فأحفاد المسلمين (المورسكيين) ما زالوا يعيشون إلى اليوم في إسبانيا بل ويحكمون مناطق أيضا مثل مدينة سيدونيا القريبة من قادش، والتي تحكهما عائلة موريسكية حتى اللحظة، وتحتفظ مكتبة العائلة بأرشيف كبير يخص تاريخ هذه العائلة الموريسكية النبيلة. والموريسيكون الأندلسيون متشبثون بهويتهم ومطالبون بحقوقهم، فالهوية الأندلسية بالنسبة لهم قضية وجود. وعمل الأندلسيون على إحياء هذه الهوية في كل مناسبة تتاح لهم، وظهرت شخصيات مهمة موريسكية أمثال بلاس إنفنتي، والذي يعتبر من الشخصيات التي لا تُتجاوز في إسبانيا كما يصفه الأستاذ عزيز السعيدي، ويعد إنفنتي أبو الهوية الأندلسية، والذي أحيى القضية الأندلسية في أواخر القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين حتى إعدامه، والذي عمل جاهدا وفي المجالات كافة على إحياء الهوية الأندلسية وتوحيد الأندلسيين من أجل الحصول على حقوقهم ويكون لهم دورهم الذي يستحقونه في الإدارة والحكم. وعمل على التواصل مع أصوله المسلمة في المغرب، بعد أن تلقى تاريخ أجداده من والدته التي تنحدر من عائلة موريسكية نبيلة كان أحد أجدادها أحد المحرضين على ثورة طاهر الحر. ويمثل إنفنتي مرحلة مهمة في إحياء الهوية الأندلسية إذ يصفها بأنها: ليست هوية عرق أو دم لكن هوية وجود وهوية معرفة. وأصدر كتبا في التعريف بالهوية الأندلسية، والمجتمع الأندلسي الذي عانى التهميش والحرمان من قبل الحكومة المركزية. 
وفي يومنا الحاضر فإن الهوية الأندلسية قضية الأندلسيين، يدعمها تاريخ عريق تشهد له العمارة الأندلسية المسلمة والمساجد والقلاع التي بناها الأندلسيون المسلمون، والزخرفة الأندلسية، والكتابات العربية، وحتى أسماء المدن، والتي يزورها ملايين السياح سنويا ليتعرفوا على تاريخ الأندلس الحي والخالد الذي لا يمكن لأحد أن يحرفه أو يلغيه. 
وبعد جولة شائقة وممتعة في تاريخ الأندلس والهوية الأندلسية، خُتمت الدورة الخامسة والأربعون، بقراءات شعرية ونثرية إبداعية لرواد المقهى، نثرت عبق الأدب على مسامع الحاضرين في المقهى الأدبي الأورو-عربي في بروكسل، وسادلة الستار على دورة جديدة ناجحة، ليتجدد اللقاء في موعده القادم في شهر نيسان/ أبريل.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.