0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

الأستاذ محمد بحسي ومفهوم العنف بين الإسلام والغرب في الدورة (44) من المقهى الأدبي الأوروعربي – مؤمن الوزان

إن الفضاء الذي يضم فردا منتجا ومبدعا، يكون فضاءً خلّاقا يمزق حدود المكان ويتمدد إلى ما شاء الله له أن يتمدد، فيحمل من صفة إبداع صاحبه وتناله الشهرة، فكم من مكان عُرف واشتُهر لأنه ضمّ بين جنباته كاتبا أو عالما عظيما، فأضحى مزارا ومعرضا ومضربا للمثل، فما بال حيّز ضمَّ عقولا مختلفة ومتنوعة في جلسة نقاش قد لا يشهدها أحدنا في حياته كلها، تتكرر بصورة شهرية دورية مستمرة منذ سنوات.
إن التلاقح الفكري والنقاش الآني يفتح للمرء أفقا لم تخطر له ببال، وتتجلى أمامه حقائق لم يتوقع أن تُصادفه. ولا أبلغ من معرفة ذات المرء وقيمة أفكاره وما يدعو إليه إلا بالاختلاف معه بل وبالتعارض الكلي الناسف لكل ما يؤمن به -ضمن إطار أدبيات الحوار-، ولهذا لم تكن الدورة الرابعة والأربعون من المقهى الأدبي الأوروعربي في بروكسيل دورة كسابقاتها وقد تكون سابقاتها قد تفوقن عليها، وهذا ما يميز المقهى الأدبي الأوروعربي إذ لا تتفاجأ بمستوى دورة سابقة حتى تثير دهشتك وإعجابك أخرى لاحقة، وهكذا في سلم تطوري تفاعلي تشاركي، ضمه هذا الحيّز الذي أسميناه مجازا مقهًى وهو يوما بعد آخر يحث الخطى نحو تأسيس مجلس فكري فلسفي روحاني، طامحا إلى تأسيس منهاج تنويري إنساني يخدم الإنسان ويفتح الأبواب المغلقة ويعيد قراءة السائد والرائج ضمن حدود العقل والمنطق والإنسانية ويعيد تنظيم الصفوف لتوحيدها بعد طول شتات، لذا قد تكون الدورة هذه وسابقتها، هما أكبر شاهدين على هذا التقدم الملحوظ والخطوة العملاقة والذي سيتم الإعلان عنه قريبا.
وبالعودة إلى الحيّز الخلّاق الذي ابتدأنا به، كانت الدورة الرابعة والأربعون، مركزا لاجتماع فكري وإبداعي وخلّاق، أبرز ما فيه هو التنوع المطروح في الآراء والأفكار المتعاكسة في موضوع شائك وحساس، يؤرق مضجع العالم، وتعداه إلى أن يكون من مسببات كولونيليات جديدة، لن تغيب عن كتب التاريخ وتطور وصراع الحضارات في العقود القادمة إن لم تكن كُتبت بالفعل، وقد مر على انطلاقتها عقدان من الزمن تقريبا.
العنف بين المفهوم القرآني والمفهوم الغربي، بعنوان المحاضرة هذا افتتح الأستاذ  محمد بحسي الدورة الرابعة والأربعين من المقهى الأدبي الأوروعربي السبت الماضي، عمل الأستاذ محمد على تقديم محاضرة عن مفهوم العنف من خلال رؤية إسلامية وأخرى غربيّة (أوروبية وأمريكية)، محاولا توضيح الخطوط الباهتة وإظهار الصورة الكاملة لمفهوم العنف وتجذراته التي تمثلت ذروتها فيما يعرف اليوم بـ”الإرهاب”. ومن هذه الكلمة كان الانطلاق الفعلي للمحاضرة من خلال تعريفات وإيضاحات لغوية واصطلاحية وأمثلة تفصيلية. ومن خلال مفاهيم القوة ثم العنف والإرهاب، يشرع في تبيين المعاني اللغوية والتطبيقية والاصطلاحية وتداخلها في سياقات مشتركة محمودة أو مذمومة، إذ القوة تبقى تمثل جانب الخير ما دام يُراد بها إحقاق الحق وترد المظالم إلى أهلها. والعنف إذا ما خرجت هذه القوة عن مسارها الصحيح وأضحت وسيلة لاستغلال الآخر وإجباره على ما يكره مرغما وبغض النظر عن ماهياتها، سواء أكانت مادية أو فكرية أو أي وسيلة أخرى يتم إيذاء الآخر بها دون وجه حق أو صواب. وأما نقطة الخلاف الكبيرة فهي حول مفهوم الإرهاب (Terrorism)، ومستندا إلى الآية القرآنية: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ”، لتفسير معنى الإرهاب في الآية والاستدلال بها عند حدوث أي هجوم إجرامي يتسم بالعنف الديني وينتمي منفذوه إلى الإسلام، فيذكر أن الإرهاب المقصود في الآية التي يُستشهد بها لمهاجمة الإسلام هو استشهاد خاطئ. فالإرهاب في الآية يعني الردع والتخويف، ولا يعني الإجرام والقتل. والقرآن بهذه الآية يرسم خطوات الدفاع وردع العدو عن تجاوزه حدوده والتعدي على الآخر، ولو أخذنا الآية بمنظور عام لا ترتبط بقرآن أو دين، نجد أن كثيرا من الدول اليوم تعمل على بناء ترسانة أسلحة مدمرية. وقد يقول قائل إن التسليح النووي اليوم لدول كالصين وأمريكا وروسيا هو المانع، إذ كل دولة تخاف نظيرتها، وهي وفقا للمفهوم الذي أوضحه القرآن تُرهب عدوتها عن بدء حربها، وتردعها من الهجوم عليها. وهذا هو المفهوم والاستراتيجية العسكرية التي يأمر بها الله عباده المؤمنين الموحدين.
لكن توظيف هذه الكلمة وربطها بفئة معينة من الناس، حتى يكتفي ذكرها ليتم معرفة المقصود بها في أجزاء من الثانية. قد يكون لكلمة إرهاب Terrorism معانٍ أخرى تفيد ما يتم استخدامه في لغات أخرى، ونبقى هنا أمام معضلتي استخدامها في العربية وتوظيفها في أحداث مرتبطة بالإسلام. لذا فإن المعنى العربي قد تبيّن خطأ معناه المفهوم وما أُشيع بين عامة الناس ولا سيما بين غير المسلمين، وأما توظيفه فهو ما يشترك به الإعلام العالمي والمفهوم الغربي للإرهاب وارتباطه بالإسلام، وأضحت محاربته ذات طابع ديني هي الأخرى. كان أول إعلان رسمي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 إذ صرّح جورج بوش الابن بعزيمته على حرب الإرهاب ووصفها بأنها حرب صليبية، إذاً فهي حرب مقدسة، وما ربط به الإسلام بالإرهاب ومحاربته تحت عنوان حرب مقدسة، وبنظرة استرجاعية إلى الماضي، تتضح لنا كثير الخطوط، يطول بنا المقام إلى ربطها إذ تحتاج هي الأخرى اجتماع ونقاش آخر.
فالعنف والإرهاب وبعد أن أصبحتا آفة تحرق الأخضر واليابس وغولا يكبر يوما بعد آخر، وتغذيه السياسات الدولية الاستغلالية التي تكون من أخطر مسببات الإرهاب “وفق سياقات فهمه وتوظيفه الحالية” والتعامل معه على قدر غير كفؤ، يُغذيه تطرفٌ هنا أو هناك باسم الدين أو المعتقد، لتتسع الهوة ويصبح الحديث عن هكذا موضوع وفهم سياقاته ومجالاته وخطوطه العريضة متداخلة وشائكة، وتتجاوز عمل الأفراد والاجتماعات إلى تظافر مؤسساتي دولي عام. لكن من يقول أن النظام الدولي يريد هذا! إذ لا توجد أي دلائل لمثل هذه الخطوة، ومن هذه الدلائل عدم وجود تعريف متفق عليه أو معلن لمفهوم الإرهاب. ولأجل مفهوم موحد لإزالة الضبابية عن معناه، كرّس الأستاذ محمد بحسي جهوده ومستعينا بكتاب يعمل على ترجمته هو: “معضلة العنف: رؤية إسلامية للأستاذ المقرئ إدريسي أبو زيد”، ومؤكدا أن ما طرحه هو لتمهيد طريقٍ للنقاش وفتح باب تبادل الآراء وطرح السؤال حول ما يتعلق الإرهاب ومفاهيمه في الوقت الحاضر. تنوعت الآراء والأفكار تباينت، وبما أنها قد طُرحت في فضاء المقهى الأدبي المشرعة أبوابه إلى كل الآراء، فكان لا مناص من تجميع هذه الأفكار وتوحيد الرؤية. فما بين أنظمة استعمارية وما بين قراءة استغلالية للنصوص الدينية أو التراث الديني، والانتقائية أو الاستقراء الخاطئ، إضافة إلى دور الإعلام الكبير في تهييج العواطف وإثارتها تجاه مكون دون آخر، أكاد أجزم أن حتى أصحاب الحجة الأولى لا ينكرون حجة الآخر. لذا فإنه يمكن القول بأن الطريق الذي افتتحَ في المقهى الأدبي الأوروعربي تجاوز عقبة الرأي الواحد، إلى منصة تعددية، تُستمع فيها إلى جميع ما يُطرح، وبعد هذا فلازما يكون الانتقال إلى الخطوة التالية وهو تحديد المسببات والأسباب، والتي ستتمثل في نقاط أهمها إعادة استقراء النص الديني أو الفقهي بصورة منضبطة دقيقة لا تعتمد على الأهواء والنزوات والانحرافات الفكرية، مسؤولية الأنظمة الاستغلالية والدكتاتورية (عسكرية أو مدنية) في إلهاب جذوة العنف والتطرف. ولا يستقيم الأمر إلا بتظافر هذين العاملين الرئيسين في اتساق ثابت ومتزن وعادل يقوم على ضبطه وتحديد معالم جهود الطرفين، وهذا الأمر الذي يحتاج إلى عمل كبير يتجاوز قدر شخص أو اثنين أو حتى دولة دون أخرى. فبعد أن أصبح العالم قرية صغيرة يتأثر شماله بظروف جنوبه، تجاوزت مشكلة الإرهاب والعنف دولة دون أخرى، فلا إقصائية ولا تهميش، لا يجب أن نكون حالمين كثيرا أو نبحث عن يوتوبيا خيالية، بل السعي إلى التعامل بجدية مع الإمكانيات المتاحة في اليد، لتُغير -في الأقل- ما ترسخ في أذهان كثير من الناس في ربوع المعمورة، وما نحت الصخر وفتته إلا قطرات ماء دائمة السقوط.
النصف الآخر من دورة المقهى، وكان كالعائدة الاستماع إلى ما كتبته أنامل أعضاء وضيوف المقهى الأدبي شعرا ونثرا، في أمسيّة بروكسلية أدبية جميلة زادت دفئها الأصوات الندية، طاوية صفحة دورة ناجحة وفاتحة أخرى استعداداً للقادمة.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.