0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

الدكتورة جميلة الكجك تتألق في الدورة (43) من المقهى الأدبي الأوروعربي في بروكسل – مؤمن الوزان


شهد السبت الماضي الموافق للثاني عشر من كانون الثاني/ يناير الدورة الثالثة والأربعين (43) من المقهى الأدبي الأوروعربي في بروكسل الذي أسسه ويتراسه الشاعر والروائي والإعلامي أحمد حضراوي ، هذه الدورة التي كانت من الدورات المميزة حضورا وتفاعلا ومشاركةً، الدورة التي حملت عنوان بناء العقل العربي، والتي تم تقديمها من قبل الدكتورة جميلة الكجك، التي جاءت من المملكة الأردنية الهاشمية لحضور الدورة وإلقاء محاضرتها، والتي هي من نتاج شهادات دراسية وقراءات في مجال الفلسفة على مدى الأربعين سنة ماضية. قُدمت المحاضرة من قبل الشاعر المغربي المقيم في ألمانيا الدكتور محمد كنوف، أردفته الدكتورة في بدء المحاضرة التي امتازت بتركيزها على بُنية العقل العربي في فترة التكوين الأولى بعد الولادة والتي يُمكن أن نحصرها ما بين سنيّ الثالثة والسابعة، إذ تقول الدكتورة بضرورة بناء العقلي والفكري للطفل وتنشئته على ثنائية الصحيح والخاطئ بعيدا عن ثنائية العيب واللائق أو الحلال والحرام، إذ في الثنائية الأولى يجب تنشئته لأجل التفرد والتميز وأن تكون له خصوصيته وشخصيته، وأن يكون هو لا أن يكون رضا الآخر هو غايته أو ما يكبر عليه.
أما الأخرى فهي أن عقل الطفل في سن صغيرة قبل سن البلوغ بمفهومه الديني (سن الاحتلام)، لن يكون قادرا على فهم الأوامر والنواهي الشرعية التي أقرّها الله في قرآنه ونصَّت عليها  السُنة النبوية، فالتركيب العقلي السليم إلى حد سن السابعة أو التاسعة وترك نموه الطبيعي يأخذ حيزه المطلوب الذي يجب عليه أن يصله بتطوره المتزامن مع تقدمه في العمر هو الخطوة الأولى الصحيحة لأجل خلق إنسان مبدع خلّاق لا إنسان تابع خاضع، وبعد أن يتم إنشاء وتربية وتنمية الطفل على الصحيح والخطأ، حتى يضحى أمر التمييز في الأفعال جليّا واضحا بالنسبة إليه، نبدأ بعدها بمرحلة انتقالية هي مرحلة إضفاء التربية الدينية وتعليمه الحلال من الحرام، وهي مهمة قد تختلف ما بين أسرة وأخرى نظرا للتنوع الفكري والعقائدي. لكنها في المجمل إن قلنا السرقة حرام أو قلنا السرقة جرم يُعاقب عليه القانون، نظرا لانتهاكها حقوق الآخر المحفوظة سواء شرعا أو قانونا، فإن ما نريد الوصول إليه وإن تعددت طرقنا فهي هدف واحد، تعليم النشء كيفية التعامل مع الآخر وعدم التعدي على حقوقه، إذ مما يمكن أن نستسقيه من مشروعها التنشيئي للعقل هو في بادئ الأمر عدم إثقاله بتفسيرات شرعية دينية أو قانونية حياتية، بل في إعطائه الأمر في أيسر صوره التي تتناسب مع إدراكه المتنامي، هذا صحيح وهذا خطأ، ومن ثم تبدأ مرحلة هذا صحيح لأن أسبابه كذا ونتائجه كذا وهذا خطأ لأن أسبابه كذا ونتائجه كذا. وعملت الدكتورة جميلة الكجك في استهلال محاضرتها على التأكيد بأن ما ستطرحه سيكون بأبسط صورة حتى لا يكون مادة أكاديمية جافة، وبذات الوقت إنه أمر مختلف عليه. وهي بهذا لا ترغم المستمع أو القارئ على اتباع منهجها بل هو خلاصة دراسة وتطبيق شخصي ترى أثره فيها وفي ذريتها، ولذا هي اليوم تُنظِّر له وتدعو إليه. وإكمالا لما أوردته في محاضرتها فإن هذه التربية العقلية ومن ثم الدينية ستعمل على بناء عقل نقدي وضمير حي، يساعده على تفسير الظواهر الحياتية الاجتماعية وعدم الإذعان للجميع وتمييز الصحيح من الخاطئ وفقا لمعايير ما ينفع الإنسان وما يضره، وكذلك فإنها تُهيّئه على بناء درع يقيه من الصدمة التي سيواجهها بعد أن يخرج إلى الشارع ويرى أن الحياة ليست كما تصورها من اختلال الموازين والمعايير وطريقة سير الحياة والمجتمع والدولة في المنطقة العربية. وتضيف أن ما ذكرته لا يقتصر على الأطفال، فحتى البالغين يُمكن أن يتبعوا هذا السبيل في تمييز الأفعال على أساس الصحيح والخاطئ، ثم الإسقاط الديني عليه، حتى يكون للصحيح معناه العقلي وسببه الديني، فالأمر ليس مادية مطلقة ولا لاهوتية خالصة، بل هو ضرب من الاثنين.

وشهدت المحاضرة مداخلات عبّرت عن أفكار متباينة ما بين موافقةٍ أو مخالفة، لكنها في الأخير أثمرت في بلورة خطوط عريضة لمحاضرة بُنية العقل العربي.
والجدير بالذكر أن المقهى الأدبي الأوروعربي في محاضراته ، يركّز المحاضرون على أسس واحدة وهي العقل العربي، ابتداءً من مشكلة الثقافة في الداخل العربي والمهجر، ثمَّ مشكلة التربية للطفل في المهجر، ثمَّ اللغة العربية ومشاكل البقاء والأفول، والسبت الأخير مع بُنية العقل.

إن المنطلقات الثابتة التي خرج بها المحاضرون هي التي تركز على شقين مهمين:
الأول: كيفية تعامل البالغين مع الحاضر بتحدياته المختلفة وتجهيز الطريق للنشء لكي يُكمل البناء والمسير.
الآخر: تمثل في التعامل مع النشء والطرق المثلى في تركيبه من  أجل مواجهة الواقع المحيط بسلبياته وإيجابياته، والعمل على تحسينه وتطويره إلى الأفضل.
أي كيفية التعامل مع الحاضر والاستعداد للمستقبل، وبهذا فهو يوما بعد آخر يخرج بأطروحات ومشاريع ثقافية وحياتية لها دورها الفعّال، والرئيس وتمثّل خطوة مهمة في وسط عالم عربي يعيش في ضبابية ولا توازن يُنبئ بخطر وأضرار جسيمة تضربه في صلبه وتقضي على بوادر الأمل فيه.

ويمكن القول أنه تدريجيا استطاع المقهى الأدبي الأوروعربي في بروكسل أن ينتقل من كيان يهتم فقط بالإبداع بشتى أنواعه وتأطيره واكتشاف الطاقات المهجرية والأخذ بيدها إلى عالم الاحتراف والبروز، استطاع بفضل الطاقات الفكرية التي التحقت به أن يصبح مركزا فكريا فلسفيا روحيا ليس فقط من خلال طرح أفكار وتصورات فكرية فلسفية، بل من خلال إعلانه عن هذا التحول كمدرسة مهجرية فرضت نفسها في الزمان والمكان بكل تحدٍّ لكل العراقيل المادية والمعنوية التي تواجهه !
أما النصف الآخر من المحاضرة فكان كما تعودنا دائما، أمسيّة شعرية وقرائية رائعة وشائقة، ألقى بها الحاضرون ما جادت به قرائحهم وكتبته أقلامهم، ليُسدل الستار بعدها على دورة أدبية أورو-عربية مميزة.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.