0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

عوامل اعوجاج اللغات وفنائها – محمد الحراق

هل تموت اللغة؟ نعم تموت اللغة وتفنى نهائيا وقد تبقى بعض النقوش والعلامات، ولكنها تفنى من التداول العام والتواصل بها والكتاب والتصنيف بحروفها. وقد ضرب علماء تاريخ اللغات عدة أمثلة منها المشهورة كالفينيقية والمسمارية والكنعانية والبابلية والآشورية وحروفها المسمارية، وآخرها نسبيا كانت اللغة القبطية بمصر التي احتكت باللغة العربية بحكم الإسلام الذي ساد بمصر كليا، فتكلم المصريون اللغة العربية وتركوا اللغة الأصلية القبطية التي حلت في عصور قديمة بعد فناء اللغة الفرعونية، والتي لم تتبق منها إلا نحوت ورموز وآثار تدل عليها ولا يفهمها إلا عدد محدود من الخبراء وبصعوبة كبيرة، وهي في الحقيقة مجرد فك شفرات وليست قراءة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وهنا أحب أن أرجع إلى بعض ما قاله علماء الغرب وليس العرب في هذه المسألة، حتى يخلو المقال من كل ما هو عاطفي أو ميولات شخصية، التي يمكن أن تؤثر على البحث العلمي المجرد. وأستشهد هنا بما قالته المستشرقة الألمانية من هامبورغ “زيغريد هونكة”  المتوفاة سنة 1999 في مقدمة كتابها “شمس الله تسطع على الغرب”، عند ترجمته إلى العربية:  “كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد؟ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة، فلقد اندفع الناس الذين بقوا على دينهم في هذا التيار يتكلمون اللغة العربية بشغف حتى أن اللغة القبطية مثلا ماتت تماما، بل إن اللغة الآرامية لغة المسيح قد تخلت إلى الأبد عن مركزها لتحتل مكانتها لغة محمد” صلى الله عليه وسلم “.
إعوجاج في أصوات الحروف:
قليل هم علماء اللغة الذين انتبهوا إلى تغير أصوات اللغات عبر العصور، وقد بقيت مساحة غامضة عبر التاريخ، فقد كان جل اهتمام العلماء على فك شفرات المخطوطات والرموز والحروف والكلمات، وأخيرا المصطلحات والسياقات والنحو والبلاغة. لهذا لا نجد دراسات كثيرة حول هذا العلم إلا في بريطانيا وأمريكا، لم يبدأ إلا في سنوات متأخرة جدا، ناهيك عن عالمنا العربي. وهو علم جدير بالاهتمام ويمكن أن يحل كثيرا من معضلات كثير من اللغات، أو يستطيع تنبيه المهتمين إلى أي مرض أو اعوجاج يلحق لغة ما قد يؤدي
إلى فنائها. ومن هذه الأصوات الخطيرة نجد التالي:
 O: الحرف الناسف وصوت: وقد سموا صوت هذا الحرف بالصوت الناسف لأنه ينسف الحرف الذي بعده، وأوضح مثال على ذلك ما نجده في الإنجليزية عند النطق بكلمة مثلا:
فاللغة التي فيها هذا الحرف الناسف يسمونها لغة فيها اعوجاج، وهذا الاعوجاج علامة خطيرة في اللغة قد تؤدي إلى فنائها بعد مدة من الزمن، لأن الأجيال التي ستأتي في المستقبل قد لا تفهم ما  كان يقوله أجدادهم اليوم. وهذا ما حصل مع اللغات الأنجلو ساكسونية القديمة، فلا يفهمها إلا المختصون وبصعوبة كبيرة جدا.
قد يقول قائل حتى لغتنا العربية إذاً معوجة بسبب وجود هذا الصوت “أُ” بالضم؟ الجواب أن “أُ” العربي مرقق وليس مفخما كما هو موجود في اللغة الانجليزية، وبالتالي لا ينسف الحرف اللاحق، بل بالعكس يظهره بشكل واضح لا لبس فيه.
 Bـ حرف وصـوت الباء العربي والإنشطار اللغوي:
فصوت هذا الحرف فيه مشكل وصعوبات تعتري كثيرا من اللغات، لهذا يسمونه الباء العربي، أي أن العربية هي اللغة الوحيدة التي فيها باء واضحة ولا تشبه حرفا آخر من ناحية الصوت. فباستقرائهم لكثير من اللغات التي فنيت وماتت أنه كان ينشطر فيها هذا الحرف إلى عدة حروف. وهذا ما نجده بوضوح في اللغات ذات الأصول اللاتينية مثل الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية والإيطالية وغيرها من اللغات الأوربية. فمثلا في الفرنسية  نجد أن حرف الباء انشطر إلى ثلاث حروف متشابهة من الناحية الصوتية وفي الكتابة مختلفة:   B – P – V.
ونفس الشيء في  ربيبتها من اللغات ذات الأصول اللاتينية، وهذه الظاهرة سموها بظاهرة الانشطار اللغوي، الذي يجعل في اللغة صعوبة ذاتية واختلافا وتشابها عند النطق والكتابة. فالمستمع إذا لم يكن متمكنا من اللغة بشكل جيد يصعب عليه التمييز بينهما. وهذا ما يعانيه الذين يقبلون على تعلم هذه اللغات لأول مرة من غير الأوروبيين أو الأمريكان، خاصة العرب والفرس وسكان شرق آسيا من هنود وصينيين وباكستانيين من غير المتعلمين، أي الذين لم يدرسوها في صغرهم ويريدون أن يتعلموها أول مرة في حياتهم.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.