0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

مدينة البدع – د. محمد الشرقاوي

عندما يدعوك “سوق واقف” للجلوس (وليس الوقوف) وتأمّل تاريخ مدينة “البدع”…!
هي الدوحة: مدينة ذات شخصيتيْن متقابلتيْن دون تنافر أو تضادّ جمالي عندما تجد نفسك عند الكورنيش: أمامك منظر البحر ومن خلفه الأبراج ذات التصاميم الهندسية المتميزة وجمالية الأضواء الخضراء والزرقاء والحمراء على شرفاتها المترامية الأبعاد والظلال، ترتفع بنسب ضئيلة في محاذاة خط السماء. أكثر الأبراج علوّا برج “كامبينسكي” و”الفردان” ب62 طابقا، ثم برج “التوازن” 58 طابقا، فبرج “النخيل” 57 طابقا، وبرج “أسبير” 54. لكنّي قنوع بإقامتي في الطابق الثالث والأربعين في أحد هذه الأبراج وهو يطلّ على أبراج أخرى قبل أن تمتد الرؤية الفسيحة نحو شاطئ البحر. ويذكّر المشهد العام لبعض الشوارع بين هذه الأبراج ليلا بنسخة مصغّرة من بعض شوارع شيكاغو الأمريكية ذات المباني التي تفوق 100 طابق مثل بناية Sears الشهيرة.
إذا أدرْت وجهك إلى الخلف وأنت في كورنيش الدوحة، ثمة القصر الأميري ومتحف الفن الإسلامي وبينهما سوق واقف الذي سارت بذكره الركبان. هو اليوم متنزه شهير أكثر من كونه مركزا تجاريا يجمع بين عراقة تاريخية ومرونة حداثية. استنبط إسمه “واقف” لكون الباعة كانوا يقفون بجانب الطريق خلال الحرّ في أغلب الأيام وهو يستعجلون بيع ما لديهم من بضائع وخضروات وأسماك. عُرف أيضا باسم “السوق الكبير” قبل 1955، وكانت روائح البهارات تفوح من بعيد عندما كان كبار التجار يكدّسون بضاعتهم فيما كان يعرف ب”العماير”، ومفردها “عمارة”، وهي مخازن البهارات والمواد الغذائية التي كان يتم جلبها من الهند وإيران. ويكاد سوق واقف اليوم يجمع صدى عدة أسواق عربية شهيرة مثل بزارات استنبول، وسوق الحميدية في دمشق، وسوق أبو رخوصة في بيروت، وحتى أجواء جامع الفنا في مراكش!
أمّا المدينة، فيُعزى إسمُها “الدوحة” تاريخيا إلى كونها شُيدت على خليج من البحر عام 1688 عند نقطة كانت تعرف ب”البدع” في أعقاب موقعة “دوحة المقتلة”. وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أنّ تأسيس المدينة كان على يد أل سويدي (نسبة إلى قبيلة السودان) بعد هجرتهم من بدع محمد بن سالمين في أبو ظبي، واستقروا في مساكن كانت تعرف ب”البدع”. وإبان ذروة الوجود البريطاني في الخليج، وقعت بريطانيا أول اتفاقية عام 1868 اعترفت وقتها بحكم الشيخ محمد بن ثاني الذي عاش فـي “البدع” مع ابنه الشيخ جاسم إلى أن توفي عام 1878.
في مثل هذا العبق التاريخي، طاب لي الجلوس مع عبق اجتماعي مواز صحبة صديق عزيز “حسن الحسن” منذ أيام “صوت أمريكا” في واشنطن وكانت الصديقة العزيزة “زهرة العلا أبوزيد” الغائبة الحاضرة خلال استعراضنا ذكريات جميلة من أيام واشنطونية ولّت.
في مطعم مغربي وسط سوق واقف، اكتمل النصاب الاجتماعي لهذا اللقاء البشوش بمقدمة شاي مغربي بنعناعه الفواح قبل أن تجد الشهية نفسها تميل نحو وليمة طاجين فاسي مطهي على نار هادئة.
من لم يتذوّق عجائب المطبخ عند أهل فاس في أقصى المغارب، فلم يذق بعد طعم الجنة على هذه الأرض…!

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.