0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

انطباع عن الدورة 41 من المقهى الأدبي الأوروعربي – حليمة تلي

تألق المقهى الأدبي الأوروعربي يوم السبت 3 نوفمبر في دورته 41 والتي شهدت تنوعا في المواضيع والحضور الكريم تحت قيادة الشاعر أحمد حضراوي.   
افتتح اللقاء الأستاذ يوسف الهواري الذي قدِم من هولندا، بمحاضرة تحت عنوان  “الطفل المغربي بأوروبا بين الظلامية وفقدان الهوية”، أطلعنا من خلالها وبكل شفافية،  على الواقع المر، والضياع الحتمي، الذي يهدد أبناء المهجر نتيجة إهمالهم للثقافة الأصلية ورفضهم لثقافة بلد الإقامة، وبالتالي أصبحوا يتخبطون أمام  تعدد الحوارات وتباينها، فالكل يفتي، والكل يقنن، وعليك أن تتبع من شئت أو تتبعهم كلهم. فتاه النشأ واحتار بين حوار مدرسي يشرق، وآخر منزلي يغرب.  أما ما يتلقاه  في الشارع فحدث ولا حرج، مما خلق عنده حالة من التيه والبلبلة الفكرية.
وهذه المصيبة تتجذر عند الطفل، منذ السنين الأولى، عندما يمنح الأبوان عن جهل للمعلم  صلاحية التدريس  والتربية، وهذا خطأ كبير وفادح
فالتدريس، للمدرسة والتربية للوالدين. إذ من الأسس الضرورية في تكوين الطفل في المهجر أن يعرف عقيدته وأصله وأعياده الدينية وحتى الوطنية بالقدر الكافي الذي يكبر به ومعه، ويجعله يتماشى مع حضارة بلد الإقامة واحترام خصوصياتها، وأخذ منها ما ينفع وتجنب ما يضر  لمن أحب تفادي بعض التصادمات الفكرية والثقافية التي تحدث عند الطفل في سن مبكرة تؤدي به إلى انفجارات خطيرة فيما بعد يصعب علاجها في سن المراهقة وما بعدها. ولقد ذكر الأستاذ الهواري أن 85% من مساجين أوروبا هم من أصل عربي وهذا  شيء مخجل. 
أرجَع المحاضر مسؤولية ذلك إلى الهفوات وانعدام التأطير والمساعدة من البلد الأم للأقليات المهاجرة بغية تثبيت الهوية عن طريق تعليم اللغة العربية.
وإن كان المغرب قد تدارك ذلك في الثمانينات بإرسال معلمين وأساتذة إلى أوروبا للقيام بهذه المهمة، فقد توقفت للأسف الشديد في التسعينات، مما زاد في تهميش اللغة العربية وتهميش هوية المهاجر.
وهذا موضوع آخر من المواضيع التي تطرق إليها بإسهاب الأساتذة الأفاضل محمد كنوف ويوسف الهواري وأحمد حضراوي والدكتور يحيى الشيخ في إحدى ملتقيات المركز الثقافي بباريس تحت عنوان: واقع الإسلام في دول أورويا الغربيية وإشكالية اللغة العربية وتراجع الهوية. ويستحق أن يقال فيه الكثير لأن كل آفاتنا سببها التفريط في لغتنا وهويتنا.
لهذا حدث خلل في نسبة كبيرة من شباب المهجر وتشتت معظمهم  بين حضارة يجهلونها ويريدون الانتماء إليها، وأخرى يرفضونها وهم مجبورون على قبولها بحكم إقامتهم، وعواقب كل هذا الضياع الحتمي الذي يتحمل وزره أولياء الأمور أسرة كانوا أو حكومة.
 وتجسد هذا الضياع في التوقف عن التعليم وانسياق أولادنا بسرعة وراء التفاهات التي تلقي بهم إلى الهلاك. 
ولم يفت الأستاذ الهواري الربط بين مشاكل المهاجرين خارج المغرب وداخله، بحيث أكد على وحدة الحوار الذي أصبح منعدما حتى في البلد الأم ونادى بضرورة إعادة دور المساجد  في خلق حوار ديني موحد يلتف حوله الجميع، ثم ميلاد مسجد إلكتروني لأنه يبقى المكان الوحيد الذي يجتمع فيه أغلب الناس،  وإذا وصلنا إلى تحقيق هذا الإنجاز فسوف تتوحد صفوفنا في الداخل ونثبت هويتنا وانتماءنا في الخارج. الأمر الذي رآه أحد الضيوف مستحيل التحقيق للشعور  العدائي المحيط بالدين. لكن هذا لا يمنع من أخذ التجربة وخلق خطاب ديني ذكي بناء ينبني على المحبة والسلام والتسامح، يمكن الجميع من التعايش والسمو الروحي النظيف، والابتعاد عن الكراهية، والتفجيرات، أكثر مما هي عليه الآن. فإن أصبنا فلنا أجران وإن لم نُصِب فلنا على الأقل أجر المحاولة. 
عقب هذه المحاضرة المتميزة والشائكة كانت هناك إلقاءات شعرية متنوعة جمعت بين الشعر الفرنسي للشاعر
Jean Claude 
الذي أكد على أن النثر الفرنسي يظل أكثر قيمة فنية وإقبالا من الشعر الموزون وأن أغلب الشعراء سلكوا هذا الطريق واعتمدوه في شعرهم، وكان هذا ردا على الشاعر المغربي عبد الناصر لقاح الذي ركز على أهمية معرفة قواعد الشعر العمودي من بلاغة وعروض وغيرها في النظم حتى يتمكن الشاعر من خلق شعر بديع.
واستمر اللقاء الفكري و الثقافي في جو من المرح والجدية بإلقاء الشاعرة حبيبة مسلك قصيدة أمازيغية تتغنى بشموخ شجرة آركان، وهي رسالة شوق وحنين لأيام الصبا وفتيات الحي عندما كن يلعبن ويجمعن ثمارها ليخرجن منها زيتا أصيلة أصبحت فيما بعد زيتا مزيفة ومشوهة خالية من مزاياها الصحية.
ثم تأتي مشاركة الشاعرة الرومانسية سمية التي عودت الحضور على هدوئها ورقتها  بقصيدتها
 وفاء امرأة، منها ما يلي: 
“عيناك قطرات ندى 
في ليل صيف طويل وجاف
عيناك شتاء ساحق 
ارتوت من خمره هضابي 
وازهرت براعم ورودي”.
 وقد أبدع الكل بطريقته، فرئيس المقهى الشاعر أحمد حضراوي شارك بقصيدة عنوانها “أمشير”
والشاعر ومدير المقهى السيد مصطفي لويسي الذي أتحف الجميع بقصيدته: على أسوار العشق منها ما يلي: 
“وفوق تموجات الغيمات
وعلى صفحات الفؤاد
كتبتك قصيدة
دونتك شعرا 
مستعصي القافية
كتبتك مجددا همسات”.
الشاعرة الزجلية  عواطف عبد السلام والشاعر المغربي المتميز محمد الحراق وأيضا الشاعر العراقي مؤمن الوزان.
وبهذا يكون المقهى الأدبي الأوروعربي حاملا لاسمه بمعنى الكلمة لأنه استطاع أن يُحضِر لجمهوره المثقف من كل بستان زهرة. فالأدب الفرنسي كان حاضرا والعربي سيد اللقاء والأمازيغية وكل الأجناس الثقافية المكملة لبعضها، بحيث يتم خلق فكر يتجاوز اللغات والجنسيات والاعتقادات الدينية، وهذه هي عقيدة المقهى الأدبي الأوروعربي وسنته المؤكدة المتمثلة في نشر المعرفة داخل بلجيكا وخارج حدودها عبر مجلة الإبداع DIWANE.NET.
تم توثيق اللقاء بعدسة وكاميرا الفنانة نجاة القاضي.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.