0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

قراءة في محاضرة الدكتور محمد كنوف “الثقافة المغربية على المحك” – د. جميلة الكجك

من ضمن فعاليات الدورة الأربعين للمقهى الأوروعربي كانت محاضرة المفكر والشاعر “محمد كنوف” تحت عنوان “الثقافة المغربية على المحك” تلك المحاضرة التي ألقاها مساء يوم – السبت الموافق ٦ أكتوبر – خلال فعاليات “المقهى الأوروعربي” ببروكسيل برعاية صاحب المقهى ومؤسسه الإعلامي والأديب الشاعر”أحمد حضراوي” وسوف أتناول تلك المحاضرة حسب النقاط الرئيسة التي تحدث فيها المحاضر.
أولاً: أشار المفكر والشاعر “كنوف” إلى الأصول المتنوعة التي تشكل المجتمع المغربي ورغم أنه مرّ مرور الكرام عليها، وذلك لمقتضيات طبيعة المحاضرة ومضمونها والوقت المسموح له به لتقديمها، إلا أنني أرى أن لتلك الأصول الأثر العظيم في إثراء الفكر العربي عامة والفكر المغربي المكتوب بالعربية خاصة. إذ أنها عملت بطريقة مباشرة وغير مباشرة في تشكيل اللوحة الكلية لثقافة هذا البلد. يكفي أن نذكر من البربر الأمازيغ شخصيات مثل: ابن بطوطة، ابن رشد، ابن البيطار، أبو عبد الله محمد بن تومرت، يوسف بن تاشفين وهناك الكثيرون غير هؤلاء، وكذلك بقية الأصول.
نعم العقل الإنساني واحد في تركيبه البيولوجي لكن تنوع الثقافة والفكر الذي تأسس عليه هذا العقل له الأثر العظيم، فهناك العقل المكوِن والعقل المكوَن والعقلين في الفرد الواحد ذاته في جدال مستمر فكيف بعقول أفراد مجتمع من أصول مختلفة متنوعة، كأنما هي أشجار تتلاقح فيما بينها لتعطي ثمارا متنوعة متطورة إلى أبعد الحدود، في حال جدل دائم دون تعصب لعرق أو جنس، لكن هذا لن يتم هكذا بعفوية تامة دون رعاية وعناية الجامعات ومعاهد التعليم بمختلف مشاربها، ومراكز بحثية وإعلام ومنتديات وغير ذلك مما يساعد في عملية إلتقاء هذه العقول.
صحيح أن العقول العربية كان لها دور في إثراء الفكر العربي لكن العقول من أصول غير عربية كان لها دورها الفاعل في تحولات الفكر العربي خاصة في الفكر العلمي والفكر الديني ولكن بتأثير من القرآن الكريم وتدارس هؤلاء لهذا الكتاب المقدس، وتأثرهم بالفكر اليوناني مما تسبب في تلقيح الثقافة العربية وإنضاجها بما لم يتمكن العربي في العصور الحديثة تجاوزه إذ فعّل الغرب تلك الثقافة لديهم وساروا بها في خط تصاعدي أتاح لهم نقلة نوعية في علومهم ومجتمعاتهم بعد تراكمها لتعطي مثل هذه القفزات التي نعيشها الآن.
ثانيا: الثقافة والسياسة
الثقافة حسب التعريف الذي ارتأيته والذي هو الأنسب والأكثر التحاما بالواقع الذي نعيشه وفعاليات هذا الواقع المعقد بكل ما يضج به من تناقضات وتعقيدات لهذه التناقضات حد وصولها إلى إشكاليات متصلبة يصعب تفكيكها من جهة، والذهن والوجدان البشري الذي ينتج هذه الثقافة بكل انواعها وأشكالها ومضامينها من جهة أخرى، أقول أن الثقافة هي كل نتاج بشري أو سلوك يحمل في طياته قيمة من القيم لتكون جذر او أس هذا النتاج أو السلوك.
هذه القيم قد تأتي كنتيجة طبيعية لتعاملات الناس فيما بينهم ثم ومع الوقت تصبح قيمة من القيم على الجميع الإلتزام بها وعدم الخروج عليها، لتصبح فيما بعد قانونا ملزما يعاقب من يخرج عليه عقابا معنويا في غاية القسوة في معظم الأحيان مما يدفع الافراد إلى أن يتشابهوا في أفكارهم وسلوكياتهم في مجتمع ما حسب قوة سريان هذه القيمة اوتلك وحسب قوة الصلات بين الأفراد في تلك المجتمعات.
كما قد تأتي هذه القيم بالمحاكاة، محاكاة الإبن”ة” لأبيه وأمه وأستاذه وأقرانه.. وقد تأتي مع اختبارات الحياة ذاتها وما تمليه هذه الاختبارات التي يعيشها الفرد ضمن الجماعة التي ينتمي إليها. وقد يُلقنها تلقينا.
المهم أن مصار هذه القيم شديدة التنوع وأن أهم مصادرها: الدين، والتربية والتعليم، والخبرة، والتحصيل الذاتي بالمطالعة، والانخراط في الانشطة الإجتماعية كافة.
هذه القيم لم تكن يوما مجردة دون رداء يكسوها أو بنية تتخلله إلا في ابحاث المتخصصين فهي أي القيم تحضر من خلال أنماط من النشاطات الإنسانية في اشكال شديدة التنوع قد تبدأ من تحية الصباح لتنتهي في عمل إبداعي أو بحث علمي أو نشاط إجتماعي خاص أو عام. وفي موضوعنا هذا أكثر ما يهمنا من حوامل الثقافة أو أوجه تمظهرها هما الفكر والأدب بتجلياتهما جميعها، من فكرفلسفي وفكر علمي وأدب يغطي الكثير من النشاطات الإنسانية كالبحث والمقالة والرواية والقصة والقصيدة.. الخ.
وهنا بين أيدينا هذه المحاضرة التي يولي صاحبها اهتمامه لدراسة الثقافة ذاتها ولكن في مجتمع معين هو المجتمع المغربي وما حدث من تحولات فيه أثّرت وتؤثّر في بنية هذه الثقافة فتسير بها في اتجاه محدد سيتضح لنا خلال هذه القراءة رويدا رويدا.
ويحضر هنا السؤال الأكثر أهمية وإلحاحا في موضوعنا هذا من بين العديد من الأسئلة التي تنخر دماغ المفكر العربي في وقتنا الراهن، وفي الإجابة عنه قد نجد الحل الناجع لإشكالية الثقافة العربية التي باتت تعيش في حالة تدهور متسارع نحو الهاوية.
السؤال هو: أيهما الأجدى والأنفع للمجتمع، أن يقود السياسي المشهد الثقافي والمثقفين أم العكس حيث يصبح المثقف هو الذي يقود المشهد كله؟
يجيبنا المفكر “كنوف” بما يلي: “.. فنحن نرى مبدئيا أن المثقف هو من يقود رجل السياسة ،فهو صاحب الفكر والرؤية والنمط الخلاق للفكر، بينما السياسي فهو المتلقف لما يصدر عن المثقف وينضبط له.إننا أمام صورة معكوسة تماما ، فلاحظنا سقوط المثقف في أحضان السياسي وأصبح منقادا له ولرغباته المتعددة، وهذا يفضي بنا إلى
ملاحظة سلوك ثقافي متواضع إلى درجة الإنحطاط. لكن الصورة انعكست”.
وهنا يحضري السؤال لماذا في حال سيطرة السياسي على المثقف يختل توازن المشهد الثقافي ويسقط المثقف فيما لا يصح؟! أليس السياسي كما المثقف همُّ كل منهما إعلاء بناء الوطن، الأول من خلال بناء الإنسان السويّ القوي القادر على أن يكون هو اللبنة الاساسية في هذا البناء، والثاني من خلال إدارة هذا الوطن وحمايته. أي الوطن الذي يحتضن المواطن، كما حماية هذا المواطن وتوفير كل الفرص المناسبة ليكون المواطن بهذه الصلاحية؟ أليس السياسي هو ذاته مواطن من أولئك المواطنين؟!
والجواب بكل بساطة أن السياسي في عالمنا العربي أصبح خارج هذا المفهوم، يعمل لأهداف لا علاقة لها لا بالوطن ولا بالمواطنين من جهة، وله حسابات أخرى تتعلق به وبمصالحه وانتماءات ما أنزل الله بها من سلطان من جهة أخرى.
نعم للمستعمر يد في كثير من الإختلالات التي حدثت وتحدث في جميع أقطار الدول العربية لكن هذا لم يكن ليحدث لولا خونة الوطن الذين ينحازون للمستعمر وللغريب. وما سبب كل ذلك إلاّ اختلال في التربية والثقافة لمثل هؤلاء. وإن أردنا الحق نقول أن المسؤول الحقيقي عن هذه الإختلالات هم في الأساس المثقفون أنفسهم أولئك الذين باعوا أنفسهم للمناصب والمال. ولا حل هنا إلا بثورة ثقافية حقيقية يقوم بها مثقفو البلدان العربية رغم كل ما سيتعرضون له من ويلات على يد ساسة بلادهم.
مشكلة المثقف – بل الإنسان كإنسان – مع السياسي مشكلة متجذرة في فكرنا العربي جذرها الأساس هو التسلط. السياسي العربي رجل يود لو أن مقاليد السماوات والأرض بيده وحده دون الله. وهذه أيضا مشكلة ثقافية تربوية ينشأ عليها الإنسان العربي منذ ميلاده. فالسلطة عندنا ليست للمجموع بل للفرد وهذا هو بيت الداء. عرف ذلك عنا المستعمر فاستثمر هذه المعرفة في إحداث الخلل في بنية الثقافة العربية. والسلطة عندنا منقسمة على ذاتها حتى داخل جهاز السلطة الواحد أو الذي يُظن أنه واحد ولذا تنشأ الدسائس ويسهل على الغريب أن يدخل كطرف فاعل بين الفرقاء. وطالما هناك انقسام في السلطة فهناك تقسيم لخيرات البلاد بين الفرقاء هؤلاء.
ثالثا: إشكالية الأصالة والمعاصرة
هذه المفاهميم لم يحسن المثقف العربي كيفية التعامل معها كما أحسن عدد لا بأس به من مفكرينا وعلمائنا أمثال “ابن رشد” و”ابن الهيثم و”ابن النفيس” و”الخوارزمي” وغيرهم التعامل معها قديما لسبب واحد إذ أنهم جعلوا علاقتها بالدين علاقات حياد لا علاقات تسلط. وحاولوا أن يبتعدوا ما أمكنهم أن يبتعدوا عن ساسة وقتهم. ولم يتم تشجيع السياسيون للعلماء وللمثقفين إلا ولكل تشحيع ثمن. فكانت العلاقة في مثل هذه الحالات علاقة تسلط بالدرجة الاولى. كما في أنظمة الري أو هندسة بناء القصور. فسادت علوم معينة على حساب علوم أخرى.
وتحت بند المعاصرة نستطيع إدراج جميع الثورات الثقافية سواء السلمية أو تلك التي انضوت تحت إدراة سلطات سياسية أو عسكرية كما الفكر الماركسي الذي قدمه المحاضر كمثال. حقيقة أن مثقفينا لم يستفيدوا من المنهج الماركسي ذاته لكنهم انتهجوا التقليد، ولم يعملوا على تبيئة المنهج أو الأسلوب، بمعنى أنهم لم يستفيدوا من المنهج ذاته حسب ما تمليه عليهم ظروف المكان والزمان وقيمنا الثقافية الأصيلة.
وتحت بند الأصالة استطاع المتصوفة تبيئة طرقهم الصوفية ونجحوا بذلك إذ ربطوا التصوف بالدين وبمفاهيم الدين فجعلوه وكأنه من صلب الدين ذاته. من هنا أدخلوا جميع المفاهيم التي أرادوا تمريرها – وبكل سهولة – من خلال التأثير في وجدان الناس لا من خلال عقولهم. وهذا السبيل، يؤدي إلى سيطرة تستحيل مقاومتها إلا من صاحب عقل ناقد قادر على أن يفرق بين صحيح الأمور من فاسدها.
رابعا: من خلال تساؤله – انفتاح أم انحلال ثقافي – قدم لنا المحاضر تحليلا وتشخيصا لما آلت إليه الأمور في موطنه “المغرب” وقد اسهب حتى التوضيح التام لقضية تهم المواطن المغربي كما تهم كل مواطن عربي في وقتنا الحالي. هي قضية تتصل بكل تراثنا الثقافي من فكر ودين وفن وأدب و سائر النشاطات الإنسانية التي تحمل في ثناياها قيمنا الأصيلة. أو تتمظهر من خلالها قيما أخرى دخيلة عليها. فأقول أن العلاج الناجع لهذا التيه الذي نحن فيه ليس له إلا سبيلا واحدا ووحيدا فقط يتمثل في بناء العقل النقدي ورعايته حتى يكتمل بناءه في كل فرد منا.
ومن خلال مناقشة البروفيسور “يحيى الشيخ” لبنود هذه المحاضرة أضاف عدة نقاط زادت ثراء المحاضرة ووسّعت من مضمونها إذ عرج على أهمية التعليم ومطالبته بجعله تعليما إجباريا كي تضيق الفجوة العميقة ما بين فئة المثقفين وعامة الناس، بين من تمكنوا من تحصيل أرفع الدرجات العلمية وأولئك الذين لا يقرأون ولا يكتبون – الأميون – كما أشار إلى المغتربين المغاربة في أوروبا وتميز أولئك بثقافة راقية، فمعظمهم طلاب علم أو أدباء أو مهندسين مما شكلوا فئة راقية من أبناء المغرب الذين يعيشون خارج الوطن لكنهم لا يجدون أية مساندة من وطنهم الأم فبقيت نشاطاتهم وفعالياتهم الثقافية غير ذات جدوى تؤثر في إحداث التغيير المرجو نحو الافضل أو التأثير في المجتمع المغربي ككل لأنهم مجرد أفراد لا تجمعهم أية مؤسسات رسمية. ورغم ذلك وبسبب تعطشهم للثقافة اجتمع لدى كل منهم مكتبات متميزة كان على مؤسسات بلادهم الثقافية أن تستفيد منها ومن أولئك المثقفين ومساندتهم.
والطريف أن ذاك التعطش إلى جمع كل تلك الكتب هو ذاك الفقر المدقع في منطقة تواجدهم في المغرب، تلك المناطق التي لم يهتم بها النظام السياسي والمستعمر على حد سواء، مما ولّد لديهم تلك الرغبة في اقتناء الكتب كتعويض.
أما مؤمن الرزاز فقد أثار هو الآخر نقطة في غاية الأهمية ألا وهي نظام المدونات الإلكترونية، تلك الثقافة التي لم نحاول أن نستفيد منها ونستثمرها حتى حدودها القصوى. وكذلك جميع منصات ووسائل التواصل الإجتماعي التي تقلل من سعة وعمق الفجوة بين المثقف والعامة.
هكذا عندما تحشد جميع الأنماط الثقافية من فكر وفن وأدب في الدفاع عن كينونة الإنسان وقيمه التي تقام عليها هذه الكينونة ليكون حرا ذا فاعلية في مجتمعه ووطنه والعالم أجمع. وتطل على أفراد المجتمع من على كل منصة متاحة لا بد أن يتم التأثير المرجو ولو بعد حين. وأتصور أن مؤسس هذا المقهى الأدبي قد فطن إلى كل ذلك فعمل على جذب مثقفين من جميع هذه الانماط كلها ليطلوا على متابعي هذا النادي الثقافي الذي نجده في حالة تطور دائم ودائب.
المحاضرة
الثقافة المغربية على المحك.
تمهيد:
للخوض في المسألة الثقافية المغربية مسالك شتى وشائكة بقدر تنوعاتها وإشكالاتها.وفي هذا التدخل البسيط سوف لن أعود بالمهتمين إلى المسار الثقافي المغربي تاريخيا،فالمهتمون يعلمون بدايات تكوين المجتمع المغربي على اختلاف مشاربه وأصوله ،من بربر أمازيغ،عرب وأفارقة وزنوج. فالجميع ساهم بقدره في تكوين أنساق الثقافة المغربية،واجتهد بحسب ما أوتي من فرص لإستتبابها وتأصيلها.
إلا أنني سأعرج مباشرة إلى الحديث عن المسالة الثقافية بمفهومها العام ،بالصورة التي نراها اليوم او بالأحرى التي صارت عليها في وقتنا الراهن.
أقول بداية، أننا الآن محاصرون بتشعب المشهد الثقافي في المغرب،نظرا للإختلاف الكبير في مصادر تكوينه وتنوع الإشتغالات عليه. فالملاحظ الذي يهمه أمر الثقافة المغربة، يقف أمام مفترق طرق وكانه في رحلة التيه بلا دليل.فالاصول للثقافة المغربية هدمت تماما بأيدي من تعاطوا للسياسة وبصوت من حاولوا وضع الثقافة المغربية على السكة الصحيحة في مسارها التاريخي والبنيوي.
فنحن نرى مبدئيا أن المثقف هو من يقود رجل السياسة ،فهو صاحب الفكر والرؤية والنمط الخلاق للفكر،بينما السياسي فهو المتلقف لما يصدر عن المثقف وينضبط له.إننا أمام صورة معكوسة تماما ،فلاحظنا سقوط المثقف في أحضان السياسي وأصبح منقادا له ولرغباته المتعددة،وهذا يفضي بنا إلى
ملاحظة سلوك ثقافي متواضع إلى درجة الإنحطاط.
الصورة انعكست ،وكانت بدأت في الخفوت منذ بدايات الإستعمار على المغرب،فحاول المستعمر بشتى الوسائل أن يهدم الثقافة الوطنية ويعوضها بأساليب ثقافية مستحدثة ظاهرها التحضر والتقدم في التنويع وتوسيع الأنساق والرؤى،أما باطنها فكان عبارة عن معول ضخم هدم كل ما هو أصل بخلق نمط تعليمي حديث يتيح للمنظومة الثقافية أن تتبلور لخدمة الإستعمار وذيوله وخدامه من عائلات الأعيان،فخلقت مدارس على نمط اوروبا وتغيرت المناهج التقليدية المشبعة بالحس الوطني آنذاك إلى مناهج سوسيوبيداغوجية لتخدم أهداف المستعمر حاضرا ومستقبلا،وبدأت في هدم الحس الوطني المتمثل في التعليم التقليدي المناهض للمعمر والذي كان يشع من المجاميع القرآنية والزوايا ومن جامع القرويين.إضافة إلى كسر النمط الإجتماعي لدى الشعب المغربي وجعله يعيش استلابا ثقافيا وهو الأمرالذي هدف إليه المعمر.حتى الإدارة المخزنية لعب فيها المعمر بيديه الهادمتين فجعلها في صورة
وضيعة تجمع ما بين التخطيط التقليدي والرؤية المعاصرة المتحضرة بين قوسين.وهذا المشهد جعل ظهور طبقتين من المشتغلين والمنشغلين على حقل الثقافة المجتمعية المغربية.فمنها أن صعد صوت بعض المفكرين واتباعهم من فئات الشعب الذين حاولوا تأسيس فكر تحريري والدعوة إلى الجهاد وكان مساندا في ذلك من طرف بعض الزوايا والربط الدينية والتي أصبحت وانقسمت بعد ذلك إلى إعادة تأسيس فكر الصوفية التي لعبت دورا هاما في انحراف القصد الثقافي للمجتمع إلى فكر اتكالي وإن لم تكن كل الإتجاهات الصوفية قد انخرطت في هذا الدور.
إن مسألة الثقافة المغربية ،حالة مورس عليها الظلم والعنصرية،ومما لا شك فيه أن أصوات تحررية كتبت وناضلت من اجل الوقوف في وجه هذه الاشكال الهدامة التي أتى بها المستعمر ، ومن الفئات التي أسست لصوت جديد في التعبير عن مسار تصحيحي للمسألة الثقافية في المغرب،فظهر عناصر تحمل الفكر التحرري الأممي ،متشبعة بالفكر الماركسي والمقاوم سلميا،ظل هذا التيار إلى بداية الثمانينيات نشطا في أحزاب سياسية وجمعيات متنوعة وأفراد غير منتمين لأية جهة تاطيرية.
ولا يفوتنا هنا ،أن نشير إلى حالة الصراع الذي دام طويلا بين المنتصرين للفكر التحرري وبين المناوئين لهم من جهة وبينهم وبين السلطة السياسية،فالصراع ما بين السياسي والثقافي كان على أشده ،فكانت الحكومات المغربية تحاول أن تعزز مفهوم السلطة سياسيا ،ونجحت في حالة خضعت لسلطتها اصوات كانت يسارية وغيبت اصوات أخرى بطرق متعددة.
هذا المشهد أجج الصراع بين السياسي والثقافي، وافرز نتاجات ثقافية هجينة لا تمت إلى المشهد الثقافي العام بأية صلة دافعها فقط البحث عن المال والجاه ،فشجعت السلطة السياسية الغن المنحط ،إذا انتفت مسألة القيمية الفنية والإبداعية وتلك تجربة نجحت إلى حد الآن .
إن مفهوم السلطة ،أصبح كائنا حاضرا في الثقافة المغربية بشكل صارخ، فلكل فئة سلطتها ولكل جهة أيضا سلطتها،فاشتد الصراع التكتيكي الذي أدارته السلطة المخزنية الأم.فكانت للسلطة السياسية أصوات تنظر وترسم الإستراتيجيات مدعومة طبعا بالمال المخزني والريع،فازداد عدد الأحزاب المتنافسة على السلطة الصغرى وأطلق هذه التسمية كون السلطة المخزنية السياسية هي الأم وهي مدبرة الشأن المغربي على كل الاصعدة.فنبتت طفوليات ثقافية وجمعوية وحزبية حلحلت الوضع الثقافي والإجتماعي وخلطت بين المفاهيم والرؤى، واستفحلت ظاهرة جديدة بشكل علني والتي تسمى بالتحكم،هذا المفهوم الذي ظهر كالسحر في يد كل فئة سياسية واجتماعية وكل واحدة استخدمته لصالحه في حالة العجز عن المنجزات.حتى السلطة السياسية استعملته دليللا وحجة أمام عجزها عن إحداث أي منجزات كان الشعب المغربي يتوق إليها.
هذا المشهد الذي استفحل في الحياة الثقافية المغربية،ولد بدوره إنحلالا سياسيا فتكاثرت الأحزاب التي أفرغت كاملة من مضمونها التعبوي،فأضحت السياسة عندها محصورة بحالة واحدة وهي الصراع على الإنتخابات ،لأن تكوينا جديدا ظهر مصاحبا لمفهوم التسلط والإنتفاع الشخصي من الريع الذي فتحت أبوابه على مصراعيها،بمعنى أن اي سياسي لم يعد يشتهد في القراءات المتنوعة ولم يعد يجتهد في التثقيف الشخصي أو الإستراتيجي ،كأن كل النظريات والحركات السياسية اختزلت في التسابق إلى خيرات النفع والإنتفاع من مال الشعب .بينما أصبح هذا المشهد ملازما لحالات مجتمعنا كاملا.فالسياسيون أصبحوا أكثر تحكما وثراء وسلطة،بينما حوربت الفئات المتوسطة فمحيت من السلم الثقافي الإجتماعي في لحظة انغماس المجتمع في دوخة العولمة التي لم يفهمها الشعب كله، إلا فئة قليلة متنورة ومنتبهة للمتن الثقافي المعاصر بكل أشكاله .
أنفتاح أم انحلال ثقافي؟
ليس هذا سؤالا تقليديا من ضمن أدبيات البحث والتنقيب أو التمحيص والتحقيق بقدر ما هو صدمة حداثية بامتياز.إنه المشهد الواضح اليوم في المجتمع المغربي،صورة صارخة بكل حمولتها السلبية،فبينما كان الشعب يأمل في انفتاح ثقافي عام ،وتطلع إلى غد أفضل على جميع الأصعدة،أصيب بضربة قاصمة،إنها طلقة الحداثة التي أولها المندسون في المشهد السياسي إلى المجتمع قصد جره إلى محو كل ما يربطه بثقافته الاصيلة والتي كونها على مر سنين وعقود،واعني أن شرائح المجتمع المغربي تشتت كل عراها التي جمعتها لسنين وشتت قواها المتظافرة للمضي بأصالة الحياة الثقافية إلى معاصرة راقية ومدنية.فتكونت دلائل واضحة على أن المشتغلين ضد رقي المجتمع المغربي كانوا بالمرصاد لأية حركة مجتمعية ثقافية تسير بالمجتمع إلى الأفضل والرفاه.والجماعات أو اللوبيات التي حرصت على حماية مصالحها العامة ،تفانت في خلق نموذج اجتماعي وثقافي هدام اساسا وبمعطيات تغري الطبقات المجتمعية.فكان أن فككوا كل قواعد اجتمع عليها هدف المجتمع من أجل النهوض به،فحلوا الجمعيات الثقافية الهادفة والأمثلة كثيرة على ذلك،فقسوا من الأحزاب بيضا مهجنا لتولد تجمعات حزبية لا محل لها في المشهد المجتمعي السياسي الحقيقي.الهدف من ذلك تفريق صوت الشعب في انتخاب سياسيين ديموقراطيا، وكأن سياسة المعمر *فرق تسد* مازالت تشتغل على صعيد إفراغ صوت الشعب من مضمونه الإتحادي والحر.
لكن الطامة الكبرى التي أصيبت بها مظاهر ثقافتنا العامة،هي الإنفلات القهري،وهي ظاهرة تحدي وتجاوز كل ما هو فكرا منظما لعقل الإنسان المغربي،وبالتالي جعله يدور في حلقة مفرغة حول نفسه لينزل بمستواه إلى الحضيض.الإنفلات المقصود هنا نقطة كهرباء ضربت المجتمع المغربي من أوله إلى آخره.يسروا له الطريق إلى عالم التمدن تحت شعار التنمية الفارغة من مضون للتنمية،الدفع به إلى معانقة العولمة التي هبت كالصاعقة على المجتمع بينما القاعدة العامة من الشعب المغربي لم تكن مستعدة للتواصل مع التكنولوجية الحديثة بسرعة البرق،وكان في ذلك ضرب من خبل.وما نراه اليوم من افرازات ثقافية مميعة في مجتمعنا إلا صورة بلا روتوشات على العقل المغربي العاجز عن النهوض بالتحليل والتمحيص لما يحدث فيه من مظاهر الضياع.
ومن الضربات القاسية التي أحدثت في ثقافة مجتمعنا ،تلك التي مست الحقوق الفردية والحريات الحقيقية،فاسندت أمور تسيير الحكومات المتعاقبة إلى أشخاص لا تجارب لهم سوى أنهم تكونوا في غالبيتهم خارج الوطن ليعودوا مسيرين ومدبرين للشأن العام ،على جميع الأصعدة.فهبط ميزان القانون واجراءاته وتوسع التأويل النصي والشرعي،الى درجة الإنفلات والإنحلال ،سوقوا لسلطة دينية جديدة بأبواق أخلطت المذاهب والمتون ،وسخروا جهلة كحجرة عثرة في طريق نمو المجتمع والسعي أماما إلى التطور.خلق ظواهر الصراعات العرقية بين فئات شعب واحد ومجتمع واحد ،كالنزعات القبائلية والعصبية،وكل ذلك تسخير لأجندة كانت تشتغل عليها الطبقة العليا للقبض على السلطة السياسية واستغلالها لفئة متحكمة.فصارت أمور البلاد كلها في بوتقة تضج بالصراعات والمنافسات في الريع وتحكم في قرارات حاسمة وبتوصيات خارجية ايضا والتوقيع عليها.
كان هذا فقط ذكر لبعض من كل ،من حيث الكم الهائل من المشاكل والإنحرافات التي طالت المجتمع قاطبة.
الورشة الثقافية الخاصة:
أقصد بها مستوى الإشتغال بالثقافة والفنون والإبداع .كان من المؤمل أن نعيش ازدهارا ثقافيا ابداعيا راقيا، لم تقدنا هواجسنا إلى التيه الثقافي والميوعة بقصد،ونحن الذين عاصرنا المخاضات الثقافية والصراعات الحقة في دوائر منبرية ودور صحفية ومسالك ابداعية ،لكننا اصبنا بالفشل الثقافي الذي قضت علينا عدواه الدخيلة من خارج المحيط الثقافي. فصارت الإنشغالات الثقافية والإبداعية توزن بفلسفة الإخوانيات والمحاباة والتصنع والتقرب زلفى إلى من بيدهم زمام القرار الثقافي.والمشتغلون في أعلى هرم السياسة حطوا بكل ثقلهم في المشهد الثقافي ،فأتوا بآليات هدامة واشخاص يغمرهم الجهل المركب وأميين فكريا ووضعوا في باب الحقل الثقافي حراسا بهراوات لغوية ضاجة بالقتل النفسي والأدبي.والصورة التي أصبح عليها المشهد الثقافي المغربي خير دليل على ما قلناه مرارا وتكرارا داخل المغرب وخارجه.إذ كيف يعقل أن تصرف أموال على برامج ثقافية فارغة المضمون بسخاء
بينما رجال مثقفون وصالحون لتصدر المشهد على صعيد الدنيا كاملة ،قابعون في الظل ولا يسمع لهم صوت.نحن نعرف أن الأمور تسير بطريقة معوجة وفاسدة،واسوء ما يصاب بالفساد، الجسم الثقافي.
ليس هناك فرق بين مثقفي الداخل المغربي وخارجه ،كل المشهد موحد وكله مريض بالتفاهات على مستوى الإبداع،ومريض أيضا على مستوى الرعاية النوعية من طرف السلطات المختصة.وأكبر طامة لعبت دورها وبفعالية هي ياجوج وماجوج الإعلام الطفيلي الذي فتح باب النشر لمن هب ودب وبلا قابلة متمرسة تولد الاسماء الإبداعية ميتة. هذه الصورة طبعا مقصودة جدا لذاتها لتوظف كسم لقتل الحياة الثقافية فينا. غيبت أسماء إبداعية وازنة ،سلط النقد الغوغائي على منجزات راقية وفاعلة ثقافيا حتى لا تعمل الثقافة في المجتمع بالشكل الصحيح،خلق قطيعة بين المتأصلين في الفعل الثقافي وبين اللاحقين المتأخرين وخلق صراع بينهما ،إذ يكون الموت لكل الفئات ثقافيا.خلق بؤر وحوزات تحت مسميات شتى وبدعم مادي سخي لجمع ما يمكن جمعه من الاصوات الفكرية والإستحواذ عليها بهراوة التوجيه المدعوم سياسيا وبإغراءات منصبية ومالية هامة.والأمثلة على ذلك كثرة الملتقيات في كل مدينة .تفريق الصوت الواحد،وتكريس ثقافة القطيع ونشر الأمية الفكرية.ولم نسلم هنا في مجتمعاتنا الخارجية التي يقيم فيها مغاربة العالم.ومازلنا نعمل بإمكانياتنا الشخصية والمحدودة جدا لتاسيس الصوت الثقافي الحر والمنبر المبدع سالكين في ذلك التضحية بما لدينا لنجعل منا ومن أجيال أبنائنا وأحفادنا صوتا له أنساقه الحقيقة وله فلسفته الوطنية والإنسانية المميزة.
وحتى لا أطيل في السرد .أتوقف عند هذا الحد من الإستطراد السريع بدون التعمق أكثر نظرا للوقت والمناسبة،وأترك باب المناقشة بعد العرض لنغني هذا الموضوع.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.