0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

أشتهي قصة حب مغربية.. مراكشية الهوى – مريم عرجون

هناك من يقول وطني يحتاج إلى التعليم.. وهناك من ينادي ألا تستغلوا عقول الناس بالدين.. وهناك من يقول ما العمل ونحن في أيام ضبابها منفوش كالعِهْن..؟ وثمة من يصرخ أننا لن نسمح بعبور المخطط اللعين.. وما بينهما سؤال لف بحبل الحب: “أهذا هو مغربنا الحبيب..!؟؟”.
نظرت إليهم جميعا.. “إن لم يخب ظني.. نحن بحاجة إلى قصة حب مراكشية الهوى.. لا يعرفها إلاّ أهل اليقين..”.
فما قصة أزقتك يا مراكش..؟
هناك فيلم ألماني يروي قصة حب قوية نشأت في ظروف معقدة. تدور حكايتها حول فتاة تدير مصنع خزف أبيها المتوراث أبا عن جد. هذه الفتاة كانت تعشق الخزف ومخلصة لهذا المصنع الذي يمثل لها كل حياتها، ويعبر عن أصالة وتميز صناعة بلدها التي تسعى جاهدة لتطويرها، وبها تغزو السوق البريطاني والفرنسي. وحسب معرفتي بالألمان، فإن تقديرهم للخزف الأصلي وللزخارف اليدوية يعادل تقديرهم لمعاطف الفرو الباهظة الثمن أو لتحفة مصرية نادرة.
كانت تلك الفتاة جادة في تعاملها وعملية في عقليتها ومخلصة لمن حولها، وهو ما جعلها تنسى حياتها ولم تجرب أبدا أي علاقة عاطفية.
لكن لكل شيء بداية..
ذات يوم دعتها إحدى صديقاتها لحفل زفافها بشاب تعرفت عليه في رحلة سفر في إسبانيا، في يوم العرس وبسبب طول انتظار بدء المراسيم الكنسية، ذهبت تلك الفتاة للحديقة المجاورة لمكان الحفل كي تتحاشى المجاملات الاجتماعية. هناك وبعدما ابتعدت عن أعين الناس صادفت أحد المدعوين واقفا تحت شجرة يقوم ببعض تمارين التنفس والاسترخاء.
هذا الشخص كان دقيق الملاحظة، نظر إليها وشعر بأنها غير مرتاحة في حذائها ذي الكعب العالي، فقال لها بصوت خافت “انزعي حذائك.. وأريحي قدميك.. لست مضطرة لارتداء شيء لا يريحك”. امتثلت الفتاة لطلبه ورحبت به، لأنها كانت فعلا غير مرتاحة. وبقيا يتحدثان قليلا عن بعض المظاهر الاجتماعية المزعجة أو المبالغ فيها، إلى أن انتبها إلى أنه عليهما العودة لأن الحفل سوف يبدأ. في الكنيسة وبين الجموع انتظرت الفتاة ظهور الشاب مرة أخرى، لعلهما يكملان الحديث لاحقا. لكنها شعرت بالصدمة حين رأت أنه هو العريس. وتبدأ القصة..
قصة الفتاة التي لم تذق طعم الحب من قبل، وحين أحبت كان الوقت غير مناسب. مع توالي الأحداث ولأن حرفة الشاب أيضا في مجال الرسم والتخطيط والهندسة، ولأنه جديد على المنطقة، خاصة بعدما غير مقر عيشه بعد الزواج. كان مصنعها هو وجهته لتقديم طلب العمل. هي.. وبسبب مشاعرها الجياشة نحوه منذ تعارفهما، رفضت ذلك بذريعة أن المصنع ليس بحاجة إلى شخص جديد. لكن ومع توالي الأحداث وبسبب أزمة تسويق طالت المصنع ومرض المسؤول سابقا، وأيضا رتابة منتوجاتهم وزخارفهم التي لم تتغير منذ عقود، أصبح المصنع مهددا بالإفلاس. هنا تداركت الموقف بأن طلبت منه قبول العمل لديها. وهنا تشهد قصتهما منعطفا جديدا، ليبدأ العمل المشترك نحو هدف واحد، وتحدي الخزف الألماني بين الأصالة والمعاصرة والقدرة على الاستمرار والتجديد. وما بين العاطفة المكتومة من كلا الطرفين.. والتوهج الظاهر في التناغم المتبادل، نجحا في إقناع أكبر مستودرين للخزف عبر العالم مع اعتراف متبادل بالحب الجارف.
هناك قصة أخرى حدثت قديما في بلاد الحجاز، تحكي عن خادم وسيده العالم الجليل. الخادم كان واجبه هو إدارة تحركات الشيخ، أهمها أن يحضر له ماء الوضوء، وأن يوقظه لصلاة اللفجر، وأن ينير له الطريق بالقنديل لكي لا يتعثر فيسقط.
وبعد خدمة عشرين عاما، أخبر هذا الشيخ خادمه أنه أوصى أبناءه بعتقه لوجه لله بعد وفاته. في اليوم التالي وفي الطريق إلى صلاة الفجر، لاحظ الشيخ أنّ الخادم بقي بعيدا خلفه وأن نور القنديل بعيد جدا، فسأله الشيخ متعجبا، أن ما خطبك ولمَ أنت حزين !؟ فأجابه : لماذا جعلت نورك وراءك يا سيدي؟
تعجب الشيخ وسأل عن المغزى، فقال له الخادم: لقد خدمتك عشرين عاما دون أن أشكو يوما ما، لكن بعدما أخبرتني أنك سوف تعتقني بعد موتك، شعرت أني أتمنى موتك مبكرا لكي أحظى بحريتي، لماذا لا نفعل الأفضل اليوم ونؤجله.
فهم االشيخ وقال له: إذهب فقد أعتقتك. أجاب الخادم: وأنا خادمك المطيع ياسيدي. لقد خدمتك محبا، وسوف أبقى كذلك.
أتخيل إذا ما حدث وصادفت الفشل والنجاح في هيأة بشر، فمن سوف أختار لأعانقه.. بكل بساطة الفشل، أتخيل وجهه، قويا، بشرته جافة، ربما يحمل ندوبا في جبينه، مكسور النظرة إلاّ أنّ بريق عينيه شديد، لباسه جدي. هي غالبا من أوجود أنواع المنتوجات لأنه مؤهل للتحمل. أراني وقد اقتربت منه، غالبا مكان لقائنا هو إحدى محطات مترو الأنفاق. لكن في ساعة متأخرة، لأنه بطبعه لا يحب أن يراه الناس. سوف أمسك بذقنه وأقول له إرفع رأسك.. فأنت روعة الحياة.. ولن أسمح لك بأن تكون الفشل.. أنت هو الورقة الرابحة وإن غبت غاب النجاح.
أراه ينظر وقد تلاشت عنه ملامح القلق وظهرت مكانها هالة الطمأنينة وشعور بالرغبة في البكاء. هنا أضمه إلى صدري وأنا أربت على ظهره. وفجأة حدث ما لم يتوقعه.. لقد تقزم طيف النجاح الذي كان بجانبه في البداية.. وتبخر كأنه لم يكن. حين عاودت النظر لوجه روعة الحياة.. كان أجمل بكثير. أخبره “لا تسمح لأي أحد أن يقول لك أنك الفشل.. بل أنت تجارب الحياة ودليل النجاح.. والنجاح هو أن أعانقك”.
وعودة للفيلم الألماني. فعلى مؤسساتنا الإعلامية وروحنا الوطنية أن تدعم يد الصانع والصناعة بالجماليات والذوق والعاطفة، وأن نتحدى روح أزمة الهوية وعقدة صناعة الغربي.. وأن نقدر ما منحه الله لنا من حضارة وصناعة.. نحن بحاجة إلى روح الجماعة.
يعز في نفسي أن أرى نظرة الإبهار لمنتوج صيني مقابل نظرة تعالي لمنتوج وطني. نحن نتهم الغرب بالفراغ الروحي ونحن في مأساة انعدام التقدير.
نحن بحاجة إلى التخلص من عقلية ترك القنديل خلفنا. كثير من أبناء وطني يقولون: “حين أكون في بلاد الغرب، سأحترم قوانين السير كما يجب، حين أكون في بلاد النصارى سوف ألتزم بالصف والأسبقية، حين أصبح ما وراء البحر سوف أكون نزيها ومخلصا في عملي.
قصة الحب المراكشية..
هي البهجة.. والبهجة قرينة الخير والتفاؤل والأمل.. هي السبعة رجال.. والسبعة هم صدق النية مع الله والعبد وهي الأثر المليء بالعطاء.. وهي جارة ضريح ملك نادر.. اشتهر بمواقف عظيمة وبقصة حب خالد، إلاّ أن عظمة هذا الحب تجلت في أغمات. وجود ضريح اعتماد بقربه يخبر بالكثير.
وهذا هو رجائي لوطني الحبيب.. حب مراكشي الهوى لف بحبل متين.. يدرك معناه من عشق ترابك يا وطن.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.