0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

بوعزة – محمد بحسي

-١-
من بعيد، يبدو بوعزة وكأنه كومة ملابس مهملة وهو جالس وحده بحديقة “پارك أستريد” في جو بارد وتحت سماء ملبدة بالغيوم، مما يزيد الصورة قتامة وحزناً، سكون جنائزي  يقطعه من حين لآخر صوت محرك سيارات، نادرا ما تمر من الشارع المجاور للحديقة، فاليوم يوم عطلة وقليل هو من يغادر دفء المنزل في المدينة السوداء كما يسميها أهلها.
هذا المشهد ذكر بوعزة بتلك الليلة التي قضى جزءاً منها على كرسي مهترئ بمحطة الحافلات “بن احمد” قبل عشر سنوات، كان أيضا يومها مُكَوّماً على نفسه ولكن ليس من البرد، بل من الخوف على  الحقيبة الصغيرة التي كانت بها بعض أغراضه ومبلغ من المال، هو حصيلة بيع والده المسن للبقرة الوحيدة التي كان يمتلكها.
لم يستطع بوعزة يومها التهام قطعة الخبز المدهون بالسمن التي أعدتها له والدته لالة زهرة وسلمتها له مع سيل من الدعوات المبللة بالدموع، فقد كان خائفا على المال الذي سيمكنه من عبور البحر وتحقيق أحلامه وأحلام أسرته الفقيرة.
بوعزة العروبي كما يسميه أصدقاؤه،  تمكن بعد محاولات كثيرة من عبور البوغاز والوصول إلى إسبانيا، غير أن شبه الجزيرة الإيبيرية لم تكن منتهى أحلامه، فلابد له أن يلحق بصديقه الحميم حميد الذي طالما وصف له بلجيكا كجنة فوق الأرض فهو يفضلها على إسبانيا التي غادرها منذ سنوات. بوعزة يرى بلجيكا من خلال حميد الذي كان يجلب سيارات فارهة يبيعها بسوق السيارات المستعملة بمدينة خريبكة، وهي العملية التي كان بوعزة يلعب فيها دور الوسيط الحذق.
رغم أن إسبانيا لم تكن هدفه، فإن بوعزة قبِل ضيافة ابن الدوار عبد الرحيم أو الخريبݣي كما يسمونه هنا. الخريبكي اقترح على بوعزة أن يستريح بضعة أيام وهو مستعد لمساعدته على العمل بإحدى الضيعات ليجمع نصيباً من المال يوصله إلى هدفه الشمالي.
لم يطق بوعزة البقاء كثيراً بإسبانيا، ورغم أن حميد لا يجيب على اتصالاته الهاتفية، فإنه قرر أن يسافر إلى بلجيكا، لقد سبق لصديقه أن أخبره أنه يسكن بشارلوروا وأن كل الناس يعرفونه فيها، يكفي أن يدخل إلى أي مقهى مغربي ويسأل عن حميد الشارجان ليدلوه عليه. 
بعد أسبوع من البحث لم يعثر بوعزة على أثر لحميد وبدأ ما معه من المال ينفد ولم يتبقّ منه إلا ما يكفيه مبيت ليلتين أو ثلاث في الفندق، لذا فإنه لن يستطيع توفير أكله وشربه، كما أن عزة نفسه تأبى عليه أن يمد يده ليتسول من الناس.
-٢-
لم تكن ستيفاني تعلم وهي تُخرج كلبها “سيزار” في جولته اليومية، أن قدراً جديداً سيغير مجرى حياتها.  كانت تمشي  كعادتها جنب القناة المائية المحاذية لمحطة القطار، توقفت عندما لاحظت شخصاً ينام في العراء تحت القنطرة التي تربط بين وسط المدينة والمحطة.
ألِفت ستيفاني منظر المشردين تحت هذه القنطرة ولكن داخل خيام صغيرة.. هذه أول مرة ترى فيها أحدهم يفترش الأرض ويلتحف السماء في جو خريفي بارد مثل هذا. 
تربط ستيفاني علاقة خاصة بذلك الجسر، فمن فوقه قررت يوماً وضع حد لحياتها عندما تخلى عنها رفيقها، وفي أحشائها  جنين يتحرك.
 يومها لم تكن لديها الشجاعة الكافية لاستقبال الموت، وعادت إلى بيتها بنية المحاولة في وقت لاحق. 
اقتربت ستيفاني من “المتشرد”، وربتت على كتفه وهي تسأله بصوت منكسر ما إذا كان محتاجاً لمساعدة.. انتبهت بسرعة إلى أن الشخص الذي أمامها لا يفهم الفرنسية، فحاولت استعمال لغة الإشارة لعلها تتواصل معه، وهو يرتعش من شدة البرد.
استفاق بوعزة من شبه غيبوبة وهو يحاول الإمساك بكأس القهوة الدافئ الذي تقدمه له امرأة شقراء، ظن في بداية الأمر أنه يحلم، غير أن سخونة الفنجان أعادت إليه بعض قواه فتمسك به أكثر، ثم بدأ ينظر إلى المرأة التي أمامه وهي تبادله النظرة بابتسامة ملائكية. ودون أن يسألها بادرته بالقول: أنا ستيفاني، مع حركات من يدها لتتأكد أنه فهم قصدها.
بدأ الدفء يدب في جسد بوعزة الذي قضى أول ليلة من حياته في العراء وتحت درجة حرارة تلامس الصفر، حتى في الدوار كان يرفض أن يبيت في “الݣاعة” كما كان يفعل جل أقرانه.
رد على مضيفته بالتعريف باسمه.
– إنه اسم جميل. جاملته وهي تحاول ترديد الاسم أكثر من مرة ولكن دون حرف العين: بوءزة.. بوءزة، إنه اسم جميل فعلاً!
لم يكترث بوعزة كثيراً لمجاملتها، فمعدته كانت تتكلم لغة أخرى، وقبل أن يخبر مضيفته بأنه جائع، كانت ستيفاني قد دخلت إلى المطبخ وأحضرت له صحن شوربة خضر كانت قد وضعته  يسخن في الفرن الكهربائي. نسي بوعزة ما حوله ومن حوله وهو يلتهم شطائر الخبز الأبيض ويدفعها داخل بطنه دفعا، فهو لم يذق الأكل منذ يومين، أعقبه بجرعات كبيرة من الحساء الساخن.
لم يصدق بوعزة أذنيه وعينيه عندما أخبرته ستيفاني أن بإمكانه أن يبقى معها إلى أن يجد مسكناً يؤويه، شكرها بإشارات من يديه وبترديد عبارة “ميرسي بوكو”.
فرحة بوعزة كادت أن تنقلب إلى حزن عندما عادت جولي ابنة ستيفاني من مدرستها الداخلية نهاية الأسبوع، ورفضت أن يعيش رجل غريب ببيت والدتها، بل هددت أن تقضي نهايات الأسبوع بالداخلية إلى أن يرحل ضيف أمها.  
استطاعت ستيفاني إقناع ابنتها بمحاولة التعايش مع بوعزة وعزفت لها على وتر الإنسانية الحساس وذكرتها بالمساعدة التي قدمها لهما الجيران عندما مرتا بظروف صعبة.. ومع الأيام بدأت جولي تتقرب من بوعزة الذي لم يذخر بدوره جهداً لإرضائها، فبدأ يخرج معها إلى الحدائق العامة والأسواق، ويحاول الترويح عنها والتقرب منها إلى أن توطدت علاقتهما واطمأنت إليه، إلى درجة أنها صارحت أمها يوماً بأنها  تتمنى لو كان لها أب مثل بوعزة. هذه العبارة الأخيرة جعلت ستيفاني تتخيل سيناريوهات لحياة مستقبلية يكون بوعزة جزءاً منها.
فاجأت ستيفاني بوعزة، وهما يمشيان رفقة “سيزار” جنب القناة:
– بوءزة،  أتحبني؟ ودون أن يفكر كثيراً أجاب بجميع جوارحه:
-نعم.
-٣-
نشوة إعلان الحب المتبادل لم تدم طويلاً إذ انتابت بوعزة قشعريرة كمن سقط في بحيرة باردة، ماذا سيكون شعور حليمة لو سمعت أنه خان الوعد وأحب أخرى؟ 
حليمة بنت الشرقاوية فتاة جميلة يتمناها كل شباب الدوار ولكنهم لا يستطيعون الاقتراب منها، أو بالأحرى يخافون سطوة أمها الشرقاوية، المرأة الوحيدة التي تحضر اجتماعات رجال الدوار وتتحكم في السوق الأسبوعي مقابل كراء رمزي، ويهابها الجميع لأنها شريفة بجعدية كما يقولون. مجرد تذكر الشرقاوية يجعل بوعزة يضرب ألف حساب قبل أن يتخذ أي قرار، فهو الشاب الوحيد الذي تقبل أن يكلم ابنتها بعدما لاحظت تشبث حليمة به دون سواه.
لاحظت ستيفاني تغير مزاج بوعزة وحاولت استفساره، ولكنه تظاهر بأنها نزلة برد أصابته  عندما تجولا على ضفة النهر.
بوعزة وجد نفسه فريسة التيه والحيرة  بين حليمة بنت الدوار الجميلة التي يتقاسم معها كل شيء، وستيفاني التي تكبره بعقد كامل ولكن بيدها مفتاح المستقبل.  
عاش بوعزة الأسابيع التالية لإعلان الحب كسنوات، فاستسلم أخيراً لخيار العيش مع ستيفاني ولكن دون زواج إلى أن تتضح الأمور.
استطاع بوعزة بعد جهد كبير العثور  على عمل غير مرخص في الأسواق مع مغربي تعرف عليه بمقهى “ميلانو” الذي يرتاده المغاربة وخاصة الوافدون على بلجيكا من إيطاليا وإسبانيا، بوعزة بأنفته البدوية يأبى أن يكون عالة على رفيقته التي تعيش بالمساعدة الاجتماعية.
مرت الشهور وبوعزة يكد ويشتغل نهاراً بالأسواق وليلاً كمنظف صحون بأحد المطاعم، فعظم في عين ستيفاني التي بادرته بالسؤال:
– بوءزة لماذا لا نتزوج لتحصل على أوراق الإقامة وتشتغل بشكل رسمي ونسافر إلى المغرب لتقدمني لعائلتك؟ سؤال مزق بوعزة من الداخل وأعاد شريط جزء كبير من حياته، تداخلت فيه حليمة والبقرة التي باعها والداه ليؤدي ثمن قارب الموت الذي أوصله إلى الضفة الأخرى، وتداخلت فيه الشرقاوية. خليط من الأحداث جعل بوعزة يطلب تأجيل الإجابة إلى الغد وكان له ما أراد.
في مقهى “ميلانو” يجلس كل يوم مجموعة من الرواد أصبحوا خبراء في قوانين الهجرة والزواج الأبيض وطرق الحصول على أكبر قدر من المساعدات الاجتماعية، وكيفية التحايل على القوانين.. هم من نصحوا بوعزة بالزواج لأنه السبيل الأوحد للحصول على أوراق الإقامة ببلجيكا.
اتصل بوعزة هاتفيا بستيفاني ليطلب منها الاستعداد ليأخذها بعد العمل إلى مطعم مغربي ببروكسل، لم تسعها الفرحة لأن مثل هذه الدعوات كانت تسمعها فقط في الأفلام. ستيفاني تنتمي إلى فئة تسمى في بلجيكا “لي باغاكي”، وهي فئة مجتمعية تنتشر بينها الأمية والبطالة واستهلاك الكحول والدخان بشكل  مفرط، وتتميز بلكنة فرنسية تعكس المستوى التعليمي والثقافي المتدني لها، وتنتشر هذه الفئة في المنطقة الفرانكفونية جنوب بلجيكا. “لي باغاكي ” لا يسافرون لقضاء العطلة  إلا نادراً، ولا يأكلون في المطاعم، اللهم محلات الأكلات الخفيفة.
استغل بوعزة أجواء الفرحة بجمالية اللحظة ليخبر ستيفاني أنه موافق على الزواج، ولم تشعر بنفسها وهي تطلق صرخة فرح انتبه إليها كل من كان بالمطعم رغم الضجيج الذي يملأ المكان.
الأسابيع التي تلت هذه اللحظة لم تكن وردية كما كان بوعزة يتصورها، فزواج الأجانب بالبلجيكيات أشبه ما يكون بتجارة الممنوعات خاصة إذا كان فارق السن واضحاً: فمن بحث إلى آخر ومن استجواب إلى استجواب ومن وثيقة إلى أخرى.. كل هذا ومصلحة الأجانب شبيهة بالمصالح القنصلية في المغرب: طوابير لا تنتهي، موظفون لا يشبهون زملاءهم في باقي الإدارات العمومية، فترات انتظار من قبيل الفجر إلى الظهر أحياناً، بيع وشراء في الأماكن داخل الطابور.. هنا اكتشف بوعزة الوجه الآخر لأوروبا، ولكن عزيمته كانت أقوى من كل المثبطات.
في أحد أيام الجمعة كان الجو ممطراً ولكن لطيفاً، خرج بوعزة من مقر بلدية “مارسينيل” وهو يصيح كالأحمق: “زغرتي آمي راني ديتها”، “زغرتي أزهرة ولدك دار الاوراق”، وستيفاني متشبتة به تقبله وتشاركه الفرحة رغم أنها لم تكن تفهم ما يقوله. 
كان أول ما قام به بوعزة هو الاتصال بوالديه ليزف لهما هذا الخبر السعيد. أصبح بوعزة مضرب المثل في الدوار، فبعد المبلغ الكبير الذي كان قد بعثه لوالده ليشتري بقرتين عوض تلك التي باعها، ها هو يكمل المشوار بالحصول على أوراق الإقامة، وبعدها سيشتري سيارة ويأتي بها إلى الدوار. الوحيدة التي لا تسعدها هذه الأخبار هي حليمة وإن كانت لا تبدي ذلك، فهي تغلي من الداخل وتمني نفسها، أن بوعزة مهما ابتعد لا بد أن يعود إليها يوماً.
-٤-
أطلقت ستيفاني قهقهة ملأت الأجواء وهي تمسك بذراع بوعزة بيديها الاثنتين وتسحبه نحوها وتقول له: سأسمي هذا الشارع “مغارة علي بابا” وهو يحاول إبعادها عنه بلطف، يلتفت يميناً وشمالاً كأنه يخشى أن يراه أحد. اليوم اكتشفت ستيفاني أن في بلجيكا شارعاً للأجانب فقط كما اكتشفت من قبل أن بالقرب من مدينتها سوقاً أسبوعياً يقام كل يوم سبت، معظم زبنائه وباعته مغاربة.
 قرر بوعزة أن يبدأ في شراء الهدايا التي سيملأ بها السيارة التي سيسافر بها إلى الوطن رفقة زوجته وابنتها. هذا الشارع الممتد على مئات الأمتار ويحتوي على أكثر من ثلاثمئة متجر تبيع كل شيء تقريباً، من التوابل إلى الأجهزة المنزلية، الفواكه الجافة والزرابي والملابس العصرية والتقليدية والأحذية.. مغارة علي بابا بالفعل كما سمتها ستيفاني ولكن اسمها الحقيقي كان “غُويْ دو بغابان”، كل تجارها أجانب وأكثرهم مغاربة، ويندر أن ترى فيها رجلاً  أبيض، وإذا وُجد فإما من أوروبا الشرقية أو من دول البلقان. اكتشفت ستيفاني عكس ما تسمعه في التليفزيون، أن العرب يشتغلون ويحركون الاقتصاد البلجيكي. ففي بروكسل مناطق أخرى شبيهة بغوي دوبغابان وتستقطب زبناء من بلجيكا والدول المجاورة.. استفاقت ستيفاني من تفكيرها الاقتصادي على رؤوس أغنام مشوية أو “مبخرة” معروضة بإحدى الواجهات كما تُعرض المجوهرات أو الأحذية، لاحظ بوعزة أنها خائفة فربت على كتفها قائلاً: إنه لذيذ، ردت بحركة من رأسها تفيد أنها لم تقتنع.
اشترى بوعزة ما تسمح به ميزانية الشهر، ثم قرر العودة إلى شارلوروا.
في القطار بدأ بوعزة يحاول أن يعلم ستيفاني بعض الأمور التي تميز المغاربة عن الأوروبيين، أظهرت اهتماماً بكلامه ولكن النعاس غالبها فوضعت رأسها على صدره وسبحت في عالم الأحلام.
كل شهر يحاول بوعزة أن يخصص مبلغاً لهدايا الأحباب بالدوار ويحاول ألا ينسى أحداً، حتى حليمة ووالدتها اشترى لهما قطعة قماش، وعقدا من الجوهر الأبيض لكل منهما وأشياء أخرى..
بوعزة بدأ يشتغل بشكل رسمي، وبالتالي فإن المساعدات الاجتماعية التي كانت تتلقاها ستيفاني انقطعت، غير أن ذلك لم يؤثر كثيراً على ميزانية البيت، فبوعزة وجد عملاً بإحدى الضيعات التي تعرف على صاحبها حين كان يشتغل بالأسواق، يقوم بأمورها خلال الأسبوع، ويرافق “لوران” صاحب الضيعة إلى السوق خلال نهاية الأسبوع لبيع المحاصيل. العمل في الزراعة ليس جديداً عليه فهو ابن البادية وتحديداً من سهل الشاوية، وما حببه في عمله هو الراتب المحترم، إضافة إلى هدايا “لوران” من دجاج وبيض وخضر وألبان..
في لحظة حميمية في فراش النوم، اقترحت ستيفاني على بوعزة أن يشتريا بيتاً يستثمران فيه أموالهما، ويسع أولادهما في المستقبل. قالت العبارة الأخيرة بكثير من الغنج والدلال وكأنها ترسل رسائل مشفرة.
بقدر استبشار بوعزة بفكرة البيت انقبض لمسألة الأولاد، فهو يفضل أن يؤجل الموضوع قليلاً. أحست بانقباض أساريره فراحت تداعبه، وتركت الموضوع للوقت المناسب.
حل الشهر السادس وبدأ المغاربة يستعدون للسفر، اشترى بوعزة السيارة التي كان يحلم بها منذ كان بالدوار، وقام بجميع الإجراءات الإدارية والتقنية اللازمة، وثبت حاملاً للأغراض بسقف السيارة، واشترى الغطاء البلاستيكي الأزرق.. اليوم فقط يحس أنه زماݣري حقيقي (كلمة دارجة مأخوذة من الفرنسية وتعني مهاجر). 
بعد يومين من السفر المتواصل ليلاً ونهاراً وصل بوعزة إلى الدوار، ورغم أن وصوله وافق مغرب الشمس فإن الدوار كله خرج في موكب كبير لاستقبال ابن البلدة الذي غاب عامين وحقق ما لم يحققه من هاجروا قبله بسنوات.
كان بوعزة يسوق بيد ويلوح بالثانية لجموع المستقبلين، وهو لا يخفي اعتزازه بنفسه، وكان يتفحص وجوه الواقفين في الصفوف وكأنه يبحث عن وجه ما.
أوقف السيارة وترجل قبل أن يصل إلى البيت، عندما رأى والده المسن يهرول نحو السيارة، ضمه ضمة قوية وسكب دموعاً حارة كطفل صغير تخلت عنه أمه ثم عادت إليه. المشهد نفسه تكرر مع والدته التي أطلقت زغرودتين من الزغاريد التي تميزها عن باقي نساء الدوار.
ستيفاني وجولي تتابعان المنظر من خلال نوافذ السيارة وكأنهما تشاهدان فيلماً درامياً من الأفلام الأجنبية التي يقدمها التلفزيون البلجيكي من حين لآخر. فهذا السيل من المشاعر القوية والصادقة، يستحيل أن تصادفه في الواقع الغربي. ونالت الشقراوتان حظهما من القُبل والأخذ بالأحضان وعبارات الترحيب، خاصة من والدة بوعزة وأختيه الصغيرتين.
بعد عشاء وصفته ستيفاني بالأسطوري وكؤوس شاي بالنعناع البلدي، خلد الجميع للنوم وقد أخذ منهم التعب مأخذاً.
استيقظت ستيفاني وجولي فوجدتا حركية غير معتاد بالبيت، حيث يختلط البشر بالمتخلفات من النعاج بسبب الولادة أو الكسر أو المرض، كلب العائلة لا يمل من مطاردة القطط، وزهرة في المطبخ قد أعدت كل ما يلزم الفطور من خبز  وزبدة وزيت وبيض كلها محلية وطببيعية لم تلوثها يد التكنولوجيا الحديثة.. ستيفاني لم تستفق بعد من نشوة السفر، فهذه أول مرة تسافر فيها بعيداً عن بلجيكا، ولكنه سفر في المكان وفي الزمان أيضاً.
بينما الجميع محلق حول مائدة الإفطار إذا بالباب الخشبي المهترئ يُدق بلطفٍ، ينبئ أن من خلفه مخلوق لطيف. “ادفع الباب” صاحت زهرة، وإذا بالكائن اللطيف يدلف داخلا، إنها حليمة وفي يدها طابق من الدوم مغطى بقماش أبيض.. تغير لون  بوعزة وكأن وحشاً كاسراً فاجأه وتصبب جبينه عرقاً بارداً،  ولكن حليمة ما زادت على أن حيت الجميع ووضعت الطبق بين يدي أم زهرة، ثم ودعت الجميع وانصرفت.
-٥-
ستيفاني لا تصدق أن ما تعيشه حقيقة وليس حلماً أو فيلما من أفلام الخيال. كل ما حولها ومن حولها ينتمي إلى عالم لم تعلم بوجوده إلا الآن. فيما انخرطت ابنتها جولي ذات العشر سنوات في هذا الفضاء وكأنها جزء منه تركب الحمير وتساعد مي زهرة في إطعام الدجاج والبقرتين، وتذهب مع البنات لجلب الماء من البئر، وتلعب حافية القدمين مع أبناء الدوار،  وتتقاسم معهم كسرات الخبز والماء..
كلما لمحت ستيفاني صغيرتها تمرح وتلهو كما لم ترَها من قبل، زادت سعادتها وقالت في نفسها: إن لم يكن لزواجي من بوعزة من حسنات إلا هذه اللحظات السعيدة فإنها تكفي.
فمنذ حلت ستيفاني بالدوار وهي تستيقظ مع أولى تباشير النهار وتحرص على الاستمتاع بكل لحظة جميلة وكأنها أول وآخر مرة ستعيشها. 
قمة السعادة عرفتها ستيفاني يوم ألبستها مي زهرة “تكشيطة” فصلتها على مقاسها وصاحبتها إلى عرس أحد الجيران، هنا لم تسع الفرحة الشقراء وابنتها، فكل تفاصيل العرس تذكرهما بقصة ألف ليلة وليلة.. اللباس والإيقاعات الموسيقية والرقص وكؤوس الشاي مع الحلوى والفواكه الجافة وأنواع الأطباق الشهية، كل شيء يخرج عن المألوف. أخذت صوراً لكل هذه التفاصيل حتى يصدقها أهلها ببلجيكا عندما ستحكي لهم عن هذا العالم العجيب.
لم تغادر ستيفاني الدوار إلا مرتان أو ثلاثة رافقت فيها بوعزة إلى مدينة خريبكة لزيارة بعض الأصدقاء، ثم إلى سطات لإنجاز بعض الوثائق الإدارية، ومرة اصطحبا جولي والبنتين إلى شاطئ عين الدياب بالدار البيضاء. وبقدر ما أحبت ستيفاني البادية اشمأزت نفسها من المدن وخاصة الدار البيضاء التي وصفتها بغابة من الإسمنت والحديد.
في الدوار كانت أجمل اللحظات هي عندما تراقب غروب الشمس من على تلة قريبة،  كانت تحب أن يحضر معها بوعزة هذه اللحظات ولكنه غالبا ما يكون خارج الدوار في تلك الأوقات، وكانت تعذره وتتفهم أنه مشتاق إلى بلدته وأصدقائه وعاداته التي انقطع عنها منذ عامين.
بوعزة وجولي أصبحا حديث كل لسان في الدوار بين معجب ببوعزة وإنجازه الكبير، وحاقد وساخر. ولكن أقسى ما عاشه بوعزة نكتة أطلقها عليه أحد “الحلايقية” في السوق الأسبوعي وتناقلتها كل الألسن، فالحلْقة كان لها نفس مفعول التواصل الاجتماعي اليوم:  “بوعزة باع بݣرة بلدية وجاب بݣرة رومية وبنتها”. كانت لهذه النكتة التي تلمح لستيفاني وابنتها وتعرّض ببنيتهما القوية وقع الخنجر على قلب بوعزة الذي أصبح يتفادى التجمعات العامة، حتى انتهى به الأمر إلى اتخاذ قرار مغادرة الدوار قبل الموعد المحدد.
لما علمت حليمة بقرار مغادرته لم يطاوعها صبرها وخالفت أوامر أمها بعدم  لقاء بوعزة أو الحديث إليه، فاستغلت غياب الشرقاوية عن البيت ذات مساء وخرجت إلى مداخل الدوار تنتظر عودة بوعزة لتوقفه لحظة وترمي رقم هاتفها من نافذة السيارة ثم تختفي بين أشجار الصبار دون النطق بكلمة واحدة.
وصل بوعزة إلى البيت وأخبر ستيفاني بقرار السفر إلى الشمال لقضاء بعض الأيام والاستمتاع بشواطئ المتوسط الجميلة، ثم بعدها إلى جنوب إسبانيا بدعوة من عبد الرحيم ابن الدوار قبل العودة إلى شارلوروا وجوها البارد كبرودة العلاقات الإنسانية وراء البحر.
-٦-
عادت ستيفاني من المغرب وكأنها ولدت من جديد وقد غيرت كثيراً من قناعاتها، وانمحت صورتها النمطية عن المغاربة بل وعن المسلمين، خاصة بعد الأيام التي قضتها مع زوجة عبد الرحيم بغرناطة في طريق العودة،  تعرفت فيها على تاريخ المسلمين بالأندلس.
أخبرت بوعزة أنها تريد أن تفعل شيئاً لمساعدة الأجانب والتقرب منهم أكثر، وكأنها تريد أن تكفر عن السنوات التي قضتها في كراهيتهم.
لم تمر إلا أشهر حتى التقت ستيفاني بزميلة دراسة لم ترها منذ سنوات، وبعد السؤال عن الأحوال والعائلة أخبرتها أنها تشتغل في جمعية تهتم بإدماج الوافدين الجدد وخاصة اللاجئين، وأنهم في حاجة إلى متطوعين لتعليمهم اللغة الفرنسية. لم تتردد ستيفاني وتقدمت بطلب قُبل على الفور.
زيارة المغرب أثرت على بوعزة أيضاً، فقد اكتشف أصدقاء لا تهمهم إلا المصلحة، وخصوماً جرحوا مشاعره واستهزأوا به. ولكن الذي هز كيانه أكثر هو رقم الهاتف الذي ألقت به حليمة في سيارته.
الحيرة والتيه ملكا عليه تفكيره وأثرا على ملامح وجهه وعلى مزاجه. ستيفاني لاحظت تغير حال زوجها ولكنها لم تلح في السؤال عليه حتى لا تحرجه.
مرت الشهور وستيفاني مشغولة في تعليم الفرنسية للأجانب، وزاد نشاطها عندما أخبرتها المسؤولة أنها مرشحة للعمل بشكل رسمي وبراتب محترم، فانخرطت في أنشطة أخرى خارج إطار التدريس.. غياباتها الطويلة والمتتالية عن البيت لم ترُق لبوعزة الذي صار يقضي معظم الوقت بالبيت لقلة الشغل بالمزرعة بسبب الأزمة  التي ضربت قطاع الفلاحة في أوروبا، فبدأت العلاقة تتوتر بين الزوجين.
وكأن الظروف قد تحالفت ضد بوعزة، اتصلت به زوجة  مشغله وهي تنتحب لتخبره أن لوران وضع حدّاً لحياته بسبب الأزمة وتراكم الديون عليه. لم تكمل كلامها حتى سقط بوعزة مغشياً عليه ولم يستفق إلا في قاعة الإنعاش بالمستشفى، حيث قضى حوالي أسبوعا إثر انهيار عصبي حاد.
موت المشغل يعني ضياع الشغل والبطالة والعجز عن أداء أقساط البيت، وعن بعث “الأمانة” للوالدين..
في مثل هذه الظروف يحتاج الإنسان إلى صدر حنون وحضن دافئ، وستيفاني لا تستطيع مواساة بوعزة وقضاء أوقات كثيرة معه، لأنها تريد الحصول على هذا الشغل الذي ربما ينقذهما من مصير مجهول.
لم تعد لبوعزة أية رغبة في الخروج إلى مقهى “ميلانو” خوفاً من نظرات الشفقة في عيون أصدقائه بعد أن فقد شغله، كما أنه أصبح يتفادى الأسواق الأسبوعية ويقضي معظم الوقت في التفكير في وضعه كما كان يفعل في الدوار قبل الهجرة، إلا أن الأمر يختلف حيث كان كلما اشتد عليه الأمر يهرع إلى حليمة لتواسيه وتخفف عنه. 
  • حليمة؟ صاح بوعزة كمن اهتدى إلى رأي بعد حيرة طويلة وبدأ يبحث في جيوبه بعصبية ظاهرة إلى أن وجد الورقة أو بالأحرى المنديل الذي عليه رقمها، انبسطت أسارير وجهه كطفل لمح أمه بعد غياب. 
خرج إلى أقرب مخدع هاتفي، اتصل مرة ومرتين، وكاد يفقد الأمل عندما جاءه الصوت الملائكي لحليمة في المحاولة الرابعة.
بدأ بوعزة يحكي لها عن كل التفاصيل، تسبقه دمعة يحاول منعها لكن دون جدوى ثم ينخرط في موجة بكاء أخرى هدّت مشاعر حليمة، وحاولت أن تواسيه بكل ما أوتيت من سحر الكلام.
دامت المحادثة لأكثر من ساعتين، شعر بوعزة بعدها وكأن جبلاً انزاح عن كاهله، وأحس بخفة ونشاط أنسياه كل الهموم، وقرر أن يعيد الكَرّة ابتداء من الغد رغم كلفة المكالمة.
 لم يرد بوعزة أن ينغص هذه اللحظات الجميلة بالعودة مباشرة إلى البيت، فاشترى مشروباً وبعض المكسرات وذهب إلى أقرب حديقة حيث جلس إلى غروب الشمس.
عاد بوعزة إلى البيت بخطى متثاقلة كمن يُساق إلى المشنقة،  وتفاجأ حين فتح الباب ووجد ستيفاني قد لبست أجمل ملابس الليل وتزينت كما تتزين العرائس بعدما أعدت مائدة طعام مزينة بالشموع، وقبل أن يسلم عليها بادرته بقبلة وضمته إليها وهي تكاد تطير من الفرح:
– بوعزة، حبيبي عندي لك أجمل خبر.. أنا حامل!!
-٧-
خبر الحمل حول بوعزة من حمَل  وديع إلى وحش كاسر. عكس ما كانت تنتظره ستيفاني تماماً، بدأ يشتم ويتوعد ويهذي بكلام غير مفهوم. اتهمها بالخيانة والتآمر والرغبة في تدميره وهي لا تفهم ما يقول، إذ أن معظم كلامه كان مستمدا من قاموس السباب المغربي. أمرها أن تُسقط ما في بطنها ولكنها أفهمته أن ذلك غير ممكن محاولة تهدئته ليتناقشا بهدوء، ولكن نسبة الأدرينالين ارتفعت في دمه إلى حد أنه هَمَّ بضربها لولا أنها هربت منه وأغلقت عليها باب غرفتها.  دخل في حالة هستيرية حادة جعلته يكسر كل ما حوله ويرعد ويزبد، ثم يستسلم للنوم بملابسه وحذائه.
انتظرت ستيفاني خيوط الفجر الأولى لتنسل من غرفتها وتغادر البيت وفي نيتها ألا تعود إليه أبداً.
تململ بوعزة من سباته بعد أن أيقظته أشعة الشمس المتسللة من فتحات النوافذ،  شعر بثقل في كل أعضائه وكأنه خرج من معركة مع وحش، التفت يميناً وشمالاً، نادى على ستيفاني بأعلى صوته فلم يتلقّ جواباً، جر رجليه الثقيلتين نحو الحنفية واستسلم لبرودة الماء على رقبته، ثم شرب من الحنفية حتى ارتوى بعد عطش. حاول الاتصال بزوجته  ولكن هاتفها كان مغلقا، أقسم بأغلظ الأيمان بأنه سيطلقها.
بعد تناول كأس من الشاي وقطعة من الخبز كانت فوق مائدة العشاء الذي أعدته ستيفاني لفرحتها التي تحولت إلى مأتم، بدأ بوعزة يحاول تبرير قرار الانفصال عن ستيفاني، فهي تكبره بأكثر من عشر سنوات، ولا تفقه شيئاً في التقاليد المغربية شيئا، ولا تتقن الطبخ المغربي.. ألم يفطر رمضان الماضي كله في المسجد لأنها لا تتقن طبخ الحريرة والشهيوات؟ ثم إنها لم تنقطع عن التدخين وشرب الكحول رغم أنه طلب منها ذلك مراراً. وأكثر من هذا كله إنها ليست مسلمة، وترفض حتى الحديث عن الدين، وهذا خطر لوحده على مستقبل الأولاد. 
انتفض بوعزة قائماً  كمن انتصر في لعبة الشطرنج وقد عدد عيوباً  كثيرة لطليقة المستقبل. وتساءل كيف لم ينتبه إلى كل هذه العيوب قبل الارتباط بها.. ولكنها الأوراق التي تعمي البصيرة والبصر، يجيب بوعزة على سؤال نفسه.
وفيما هو يعدد مساوئ ستيفاني تلقى رسالة قصيرة، إنها حليمة تسأله عن أحواله وكأنها علمت بما وقع الليلة الماضية.
دون أن يجيب، أسرع إلى مخدع الهاتف واتصل مباشرة بها وأخبرها بكل شيء، تظاهرت في البداية بالحزن، ولكن مع التقدم في الحديث بدأت ترسم معالم مستقبل يجمعها ببوعزة، في الخارج طبعاً.
سهلت ستيفاني المأمورية على بوعزة، إذ هي من طلبت الطلاق وبدأت في إجراءات بيع البيت، ورتبت لها مسكناً يكفيها ويكفي جولي والجنين الذي في بطنها.. فتجربة الطلاق وهي حامل ليست جديدة عليها، فقد عاشتها مع والد جولي من قبل..
رن هاتف بوعزة فقفز من مكانه، كعادته منذ انفصل عن ستيفاني، وأجاب بصوت منكسر، ولكن لحسن حظه أن المتصل بادره بــ “السلام عليكم”، اطمأن لما سمع العربية وتشجع ليسأل عن هوية المتصل.
“أنا عبد الله السوسي مول البريكو”، تذكر بوعزة أنه كان قد تقدم لطلب شغل عند عبد  الله الذي يملك محلا لبيع مستلزمات البناء، وها هو يتصل به. 
عبد الله اقترح على بوعزة العمل في مستودع المحل لمساعدة الزبناء على تحميل مشترياتهم. قبِل العرض دون تردد واتفق مع صاحب المحل على الأجرة وإمضاء عقد العمل من الغد. بوعزة يعلم أن مساعدة الزبناء يعني البقشيش إضافة إلى الراتب.
استبشر بوعزة خيراً واعتبر ذلك فأل خير  لمواصلة المشوار مع حليمة التي لم ينتظر كثيراً للاتصال بها وإعلان الخبر السعيد لها، وفي نفس الوقت لإخبارها أنه سيخطبها من أمها في أقرب وقت.
انتشر خبر خطبة بوعزة وحليمة بالدوار بشكل سريع حتى قبل الخطبة الرسمية. الخطبة الرسمية لم يحضرها بوعزة شخصياً ولكن والدته وعمته قامتا بالواجب وأكثر، بوعزة اكتفى ببعث المال الضروري لمستلزمات الخطبة ووعد حليمة أنه سيطلب عطلة مباشرة بعد الحصول على ورقة الطلاق وسيحضر لإتمام إجراءات الزواج. 
-٨-
حاولت ستيفاني الاتصال ببوعزة ليرى ابنته “سارة” التي ولدت منذ أسبوع ولكنه لم يكترث، فقد سبق أن أخبرها أنه لا يعترف بأبوة البنت وإن كان في قرارة نفسه متأكداً أنها ابنته. كل همه الآن هو جمع الوثائق  اللازمة لاستقدام حليمة، فقد قطع عطلة الزواج مباشرة بعد العرس الرمزي الذي لم يحضره إلا بعض أفراد العائلتين ورجع إلى بلجيكا لمباشرة الإجراءات الإدارية. بوعزة يريد أن يجتمع مع حليمة تحت سقف واحد في أقرب وقت..
أنهت ستيفاني  عطلة الولادة التي قضتها بقرية “لالوڤيير” عند والدتها حيث تسكن منذ طلاقها من بوعزة وعادت إلى عملها الذي أصبح الآن مصدر رزقها بعد إمضائها عقدا رسميا مع الجمعية، وقد كان لمديرة الجمعية فضل كبير في ذلك، أولاً  لأن ستيفاني مثال في الكفاءة والتضحية، وثانياً تضامناً معها في محنتها. التضامن تجاوز المديرة إلى كل العاملين بل وحتى رواد الجمعية من الأجانب.
بينما بوعزة يستعد لمغادرة مقر عمله، رن هاتفه وإذا بحليمة تخبره، وهي تكاد تُجن من الفرحة، أن طلبها للحصول على التأشيرة قد قُبل وأنها ستسافر يوم الإثنين إلى الدار البيضاء لطبعها على جواز سفرها. خبر جعل بوعزة يخر ساجداً على كومة رمل ويردد الحمد لله.. الحمد لله.
ستيفاني، رغم ما حدث مع بوعزة لم تغير قناعتها بخصوص مساعدة الأجانب وزاد من عزمها موجة من تدفق منهم على بلجيكا، والأزمة التي خلقتها على مستوى الإيواء. فكانت تأخذ كل مرة شخصين أو ثلاثه ممن يبيتون تحت الخيام بالحدائق العمومية وتوفر لهم وجبة كاملة وتمكنهم من الاستحمام، وتعيد الكرة مع مجموعة أخرى كلما سنحت ظروفها وظروف أمها. وفي أثناء إحدى تلك الزيارات استرعت حالة والدتها انتباه أحد ضيوفها وكان عراقياً، وطلب الكشف عليها قائلاً إنه كان طبيباً مختصّاً في أمراض الجلد ببغداد. بدأ  الدكتور جابر يتردد على بيت ستيفاني وأمها، يحكي لهما كيف فقد والدته وزوجته وبنتيه في قصف للطيران الأمريكي على بيته، ومعاناة الرحلة عبر تركيا واليونان، مما جعل قلب ستيفاني ووالدتها يحن عليه، وتطورت العلاقة بينها وبينه إلى حب ثم زواج.
وصلت حليمة إلى مطار شارلوروا قبل منتصف ليلة شتوية شديدة البرودة، ورغم تحذيرات بوعزة فإن ملابسها لم تكن تكفي لحمايتها من صقيع تلك الليلة الذي زادت الرياح فيها هبوبا ولسعا في منطقة المطار.
ضمها بوعزة ضمة أنستها برودة الجو.. خلع معطفه الثقيل ولفّٓها فيه كأنه يريد أن يقول: أفديك بروحي.
بعد ليلة بيضاء، استيقظ العريسان وقد انتصف النهار، بوعزة كان قد اتفق مع زميله في العمل أن يعوضه خلال يومين أو ثلاثة،  وكأنه يريد أن تكتشف حليمة كل شيء في المدينة وفي بلجيكا.
أخذها معه في جولة عبر شوارع وأزقة شارلوروا أولاً، على أن يسافرا إلى مدن بل دول مجاورة فيما بعد. فالأمر لا يتطلب أكثر من يوم واحد لزيارة هولاندا وجزء من ألمانيا، ويوم آخر لزيارة  فرنسا واللوكسمبورغ.
حليمة بقيت صامتة وكأنها مصدومة أو خائفة. شارلوروا مدينة حزينة تزيدها برودة الجو ولون السماء الداكن كآبة وحزناً. والعدد القليل من الناس الذين يسيرون في الطرقات كأن كل واحد منهم في عالم لوحده لا يتبادلون الكلام ولا حتى التحية، عكس ناس الدوار، والصمت يطبق على المدينة الكئيبة.. كل هذا وبوعزة يحاول أن يلعب دور المرشد السياحي في مدينة أشباح.
عادا إلى البيت قبل مغرب الشمس وصعدا الطوابق الأربعة قبل أن يصلا إلى الشقة التي اكتراها بوعزة بعد بيع البيت.
استلقت حليمة على ظهرها وهي تتأمل سقف البيت، فهي لأول مرة ترى سقفاً بشكل هرمي يشبه سقف النوالة (كوخ من القصب).
وكأن بوعزة لاحظ علامات الحيرة على ملامح حبيبته، استبقها بالقول: بلجيكا ليس فيها أسطح منبسطة كما في المغرب بل هرمية للمساعدة على انزياح الثلوج.. ولطمأنتها أكثر، وعدها أنه سيبحث عن بيت للشراء يكون واسعاً وسيملآنه بالأطفال.. ثم انخرطا في موجة من الضحك بعدما استوت ثم ارتمت في حضنه..
في الطريق إلى “برووج” إحدى المدن السياحية الجميلة ببلجيكا، بدأ بوعزة يشرح لحليمة خطته لجمع أكبر قدر من المال في المستقبل، وكيف أنه بمجرد إتمام مدة الشغل التي تمكنه من حق الحصول على التعويض عن فقدان الشغل (الشوماج)، سيتفق مع مشغله على إلغاء عقد الشغل والاستمرار في العمل دون عقد، وهكذا يصبح له راتبان.. وبينما هو يشرح خططه المستقبلية بحماس وفخر، فاجأته بالقول: “وحتى أنا نتعلم الفرنساوية ونخدم ونعاونك على الزمان”.. صمت قليلاً وكأنه تلقى صدمة كهربائية قوية، ثم أجاب جواب من لا يريد تكدير أجواء أيام الود الأولى: “يكون خير إن شاء الله”.
-٩-
ما أن فتح بوعزة باب العمارة حتى ملأت خياشيمه رائحة الطاجين باللحم والبرقوق وزيت الزيتون. لم يشكّ لحظة في مصدر الرائحة التي أنسته تعب العمل بمستودع مواد البناء. قطع الطوابق الأربعة وكأنها واحد، ثم فتح باب شقته ليجد حليمة في كامل زينتها تنتظر وصوله وقد وضعت نفس العطر الذي وضعته يوم زواجها، والذي كان من اختيار بوعزة في متجر بمطار شارلوروا. 
أخذ حماماً وهو يغني:
آلغاديات آلجيات.. فيكم وحيدة بالذات.. دّات عقلي ومشات.. آوليدي كلها يلغي بلغاه..
وحليمة تطلق قهقهات وهي تعيد معه كلمات أغنية العلوة.
استغلت حليمة انشراح صدر بوعزة لتعرض عليه طلبها بالتسجيل في إحدى مدارس تعليم اللغة الفرنسية للكبار، فقبل دون تردد لتحلو السهرة أكثر.
في المدرسة لم تشعر حليمة بأي حرج، فمعظم المتعلمات من المغرب بل من مناطق تعرفها، خريبكة، بني ملال، الفقيه بن صالح البروج الدروة.. كلهن جئن إلى بلجيكا من دول أوروبية غير فرنكوفونية إثر الأزمة الاقتصادية. 
بعد الدرس كانت تتبادل معهن الحديث وتتعلم منهن سبل العيش في بلجيكا.
لم يكن بوعزة يرتاح لهذه الأحاديث التي تطورت إلى تبادل الزيارات ثم إلى الخروج إلى الأسواق والمراكز التجارية..
وكأنها تريد أن ترسل رسالة، أخبرته أن معظم صديقاتها يشتغلن في البيوت والمطاعم ويساعدن أزواجهن، ومنهن من تعد الخبز والفطائر وتبيعها للمحلات المغربية.
أظهر بطريقة لبقة عدم رضاه عن فكرة خروجها للعمل وتظاهر بالعياء والرغبة في النوم.
علمت ستيفاني بمكان اشتغال بوعزة فقررت أن تزوره لتريه ابنته لعل قلبه يرق رغم إصراره على عدم رؤيتها، فهي لا تريد أن تكبر ابنتها دون أن تعرف أباها كما وقع مع جولي التي تركها أبوها وسافر دون رجعة. 
وقفت أمام المحل دقائق قبل انتهاء دوام بوعزة وهي تحمل سارة وبجانبها زوجها الدكتور جابر.
 ما أن رآهما بوعزة حتى طأطأ رأسه كطفل ينكر زلة تشهد بها عليه كل جوارحه. حاول الدكتور جابر بصوته الجهوري وعربيته الراقية أن يقنع بوعزة بما فشلت فيه ستيفاني، ولكن بوعزة مصر على موقفه، لا لأنه مقتنع به ولكن لما يرى له من تبعات على مستقبل زيجته الجديدة.
رجعت حليمة من مدرستها وكلها إصرار على إقناع بوعزة بالخروج إلى العمل، فقد أخبرتها إحدى زميلات الفصل أن كل المواصفات التي يطلبها أصحاب المطاعم متوفرة فيها، فهي شابة جميلة بقوام مغر.. أما اللغة والشهادات فليست شرطاً للحصول على الوظيفة. 
غضب بوعزة لإصرارها وبدأ ينكر عليها، فهو يوفر كل متطلبات البيت من أكل وشرب وملابس، ويؤدي ثمن الكراء والفواتير..
هنا انتفضت حليمة وغيرت من لهجتها  وزادت حدة نبرة صوتها:
راني كنت واكلة شاربة مبرعة عند الشرقاوية، راني ماجيتش للخارج باش ناكل ونشرب وصافي.
فهم بوعزة أنه أمام امرأة لها مشروع واضح وحلم تُصِر على تحقيقه، فكر وقدّر، وفي الأخير أذعن لرغبة اللبوءة الفاتنة.
قُبلت حليمة كمضيفة في أول مطعم فاخر تقدمت بطلب الاشتغال فيه بتوصية من زوج إحدى زميلاتها، ورغم أن بوعزة اعترض في البداية على التوقيت الذي يمتد من السادسة مساء إلى منتصف الليل بل إلى ساعات الصباح الأولى خلال نهاية الأسبوع، فإنه قبل على مضض على أن يتكفل هو بمرافقتها ذهابا و إياباً.
وافقت حليمة وأمضت عقد العمل، وبدأت حياة أخرى طالما حلمت بها وهي في الدوار.
اتصلت حليمة بوالدتها الشرقاوية لتخبرها بالحصول على الوظيفة، ولتتزود بمزيد من نصائحها:
-شوفي جمعي راسك والفرنك لي يطيح بين يديك لميه وماتبقايش غي تتخسري وإلا ما قدرتيش تجمعي صيفتيهم ليا نجمعهوم ليك.
-١٠-
كادت حليمة تصعق من هول المفاجأة لما اكتشفت أن معلمة الفرنسية ستيفاني هي نفس ستيفاني الزوجة السابقة لبوعزة، فهي لم ترها إلا مرة واحدة في الدوار ولم تطل فيها النظر وقتها، اكتشفت ذلك لما ذكرت، في حفل صغير بالفصل، اسم زوجها السابق وأنه تزوج زوجة أخرى استقدمها من المغرب.. المفاجأة الكبرى  هي أن لها منه بنتاً وأنه لا يريد الاعتراف بها. لقد أخبرها بوعزة بكل التفاصيل إلاّ هذه، بل قدم نفسه أنه هو الضحية.
عادت حليمة إلى البيت وهي تحمل في صدرها حقد العالم على بوعزة وسلوكه المشين الذي جعلها تشعر أنها شريكة في جريمة.
لم تمهله أن يخلع حذاءه ليستريح من عناء الشغل، حتى انهالت عليه بقاموس من السب والشتم تعلمته من والدتها الشرقاوية، لم يتحمل صراخها، استدار وخرج من البيت وأقسم أنه لن يعود إليه أبدا.
لم تصدقه في تهديده ولكن وقت الذهاب إلى عملها بدأ يقترب، لم يبقَ لها إلاّ أن تتصل بمشغلها وتعتذر له عن الحضور هذه الليلة.
رفض  محمد كريم الإعتذار مدّعياً أن شخصياتٍ مهمة ستقضي سهرة هذه الليلة بالمطعم وأن حضورها ضروري، واقترح عليها أن يوصلها في الذهاب والعودة. همّت بالرفض ولكن تذكرت حاجتها إلى المال الذي تجنيه من هذا العمل، كما تذكرت وصايا الشرقاوية.
في الطريق إلى المطعم بضواحي المدينة، نوه محمد كريم بخصال حليمة ثم عرج على  حسن هندامها وهيئتها، ولم تفهم لماذا انتقل مباشرة إلى قصة حياته الزوجية والمشاكل التي يعيشها بالبيت، وتأثرت كثيراً بأسلوبه الساحر الذي تزيده لكنته الفاسية سحراً وبهاء، عكس طريقة كلام بوعزة وباقي ناس الدوار. 
عاد بوعزة إلى البيت بعد أن ذهب عنه الغضب، اتصل بحليمة ولكنها لا تجيب، استسلم إلى سِنة من النوم ثم استيقظ على قهقهات ميّزها في سكون الظلام بعد منتصف الليل،  إنها لحليمة، حاول استطلاع الأمر ولكن نوافذ الشقة مفتوحة في اتجاه السماء. نزل كالبرق ليجد السيارة التي أوصلتها قد اختفت في ظلام المدينة. حاول استفسارها عن هوية السائق لكنها تجاهلته، شعر بكثير من العجز أمام قوة شخصيتها، حاول استرضاءها علّها تسامحه ولكنها أبت، بل صعّدت من حدة لهجتها. 
لم ينم بوعزة تلك الليلة وبات مهموماً بالشخص الذي أوصل حليمة وباكتشافها لابنته من ستيفاني وكذبه عليها وكيف سيكون رد فعل أهل الدوار لو أخبرتهم بالأمر، اختلط كل ذلك عليه وكاد يصيبه بالجنون..
 قبل أن يخرج إلى عمله جاءته مكالمة بخبر كالصاعقة، إنه مشغله يطلب منه ألا يحضر إلى المستودع لأن الشغل قليل وأنه قرر تسريح بعض العمال بسبب تراجع المبيعات.
خرّ بوعزة جاثيا على ركبتيه وهو يبكي ويحوقل وحليمة غارقة في نومها بعد ليلة شاقة.
لم ينتظر محمد كريم استيقاظ حليمة من نومها ليغرقها في عبارات عسلية وتمنيات بصباح طيب، وهي لا تخفي رضاها بما تسمع رغم أنها تجيب بصوت خافت. سمع بوعزة رنات هاتفها ولكنه لا يسمع المكالمة، فكر في فتح باب الغرفة ولكن خاف من ردة فعل حليمة، أغلق باب الشقة وراءه وخرج لاستفسار مشغله عن وضعه.
-١١-
بقدر ما تدهورت علاقة حليمة ببوعزة  توطدت علاقتها بمحمد كريم الذي استغل التوتر داخل الزيجة ليحاول تحقيق مبتغاه. حاول الوصول إليها ولكنها ذكرته أنها في عصمة رجل وأنه هو أيضاً رجل متزوج.. كل هذا لم يصرفه عن مبتغاه خاصة أنها لم تقطع الحبل بل ترده بلطف وابتسامة..
فهم محمد كريم أن حليمة ليست بالسهولة التي كان يتصورها وأنها لن تتجاوز حدود ما تربت عليه ففكر في خطة أكثر جدية.
لم يتحمل بوعزة الوضع الجديد الذي يفرض عليه البقاء في البيت في حين زوجته تدرس نهاراً وتشتغل ليلاً، هي أصلاً تنظر إليه نظرة الدونية منذ اكتشفت تخليه عن بنته، وإذا استمر في البطالة والاعتماد على المساعدات الاجتماعية، فإن الإهانة ستكون أكبر.
فضل بوعزة أن يقسم يومه بين البحث عن الشغل والجلوس في الحدائق العمومية، على البقاء في البيت.
لاحظت زميلات حليمة أثَر التغيير على مظهرها: تسريحات شعرها، ملابسها، زينتها وإقبالها على الحياة، ولكن لم تجرؤ أي منهن على سؤالها عن ذلك، فقد ربطن ذلك بعملها الجديد.
أخبرت بوعزة أنها ابتداءً من اليوم ستستعمل وسائل النقل العمومي في الذهاب إلى العمل، وأن إحدى زميلاتها سيوصلها في الليل، ولم تترك له فرصة ليعارض حتى أرسلت له طعنة أصابته في مقتل:
– هادوك جوج فرانك لي كايعطوك يالاه يكفِيو للكرا والفاكتورات.. وهي تقصد أن يوفر ثمن البنزين.
تلقى بوعزة الطعنة دون أية قدرة على الرد وهو يقول في نفسه: سأشتغل وأتكفل بأمور البيت، وحينها يكون الحساب.
رن هاتفها، نظرت في الشاشة وإذا بالمتصل هو محمد كريم، ترددت ثم قررت عدم الرد، دخلت الحمام وضعت اللمسات الأخيرة على مظهرها، ثم خرجت حتى دون إلقاء التحية.
كان كريم ينتظرها في محطة الحافلات القريب من البيت، ما أن استوت على مقعد السيارة حتى بادرها:
حليمة، راني ناوي معاك المعقول وما قادشي نتسنا.
قهقهت قهقهتها المميزة وذكّرته أنها متزوجة وهو أيضاً.
بدأت الشكوك تستبد ببوعزة وتؤرق باله وقرر أن يراقب زوجته.
خرج إلى الشارع منتصف الليل ينتظر وصولها، وبعد انتظار طويل هاهي تنزل من سيارة بيضاء رباعية الدفع، وتودع السائق ب بغنج ودلال واضحين.
اندلعت نار الغيرة في جوف بوعزة ولكنه كظم غيظه وعاد ينتظرها في الشقة، ما إن دخلت حتى انتفض في وجهها مستجمعاً  كل قواه. يسألها عمن أوصلها ولكنها تجاهلته وواصلت طريقها نحو الحمام، ولكنه سحبها من كتفها وأعاد عليها نفس السؤال بنبرة أعلى، وعوض أن تجيبه نظرت إليه نظرة احتقار ومضت وهي تقول: “ماشي شغلك..”، متبوعة بعبارات تقلل من مروءته ورجولته.. هنا طفا إلى السطح بوعزة العروبي بعزة نفس وأنفة زائدة، أخذها من شعرها وشرع في توجيه ضربات في كل أجزاء جسمها وهي تصرخ بأعلى صوتها لعل أحداً ينقذها، وهو يصرخ ويردد: “ها الرجلة، شفتي الرجلة.. ها الرجلة”. 
لم تمر إلاّ لحظات حتى اجتمع سكان العمارة واتصلوا بالشرطة التي حضرت في الحال لتقتاد بوعزة إلى المخفر، فيما بقيت شرطيتان مع حليمة في انتظار وصول فريق الدعم النفسي والاجتماعي.
مكثت حليمة أسبوعين في العناية الطبية و النفسية، زارتها خلالها نساء ورجال يمثلون مختلف الجمعيات والمؤسسات التي تعنى بحقوق المرأة والنساء المعنفات، وزارتها أيضاً زميلاتها مع معلمتها ستيفاني التي شكرت الأقدار أن جعلتها تفترق عن بوعزة قبل أن تلقى نفس المصير.
رغم كل ما وقع، حاولت حليمة أن تقلل  في شهادتها أمام الشرطة من شأن ما حدث  في محاولة لتخفيف الحكم على بوعزة. وفعلاً  تم الإفراج عنه بعد شهر، مع التزامه بعدم إعادة الكرة تحت طائلة عقوبة كبيرة.
 لم يمر على حليمة يوم واحد بالمستشفى دون أن يزورها محمد كريم، وفي كل زيارة كان يُغرقها بأنواع من الهدايا والحلويات والفواكه.. بعضها لم ترَه قط من قبل.
وفي كل زيارة كان يقضي إلى جانبها ساعاتٍ طوالاً ويمنيها بحياة سعيدة ومستقبل وردي إن هي قبلت الزواج منه في السر.
-١٢-
في سجن “جاميو”  جنوب شارلوروا اكتشف بوعزة عالماً لم يكن يخطر له على بال: شباب في عمر الزهور أغلبهم يحملون أسماء عربية. تقرب إليهم فأحبهم وأحبوه.. إنهم من أصول مغاربية، تُهمهم تجارة المخدرات والسرقة والإجرام بكل أنواعه.. ولكنهم مؤدبون وطيبون.. ينادونه عمي بوعزة ويستشيرونه في أمور الدين.. خجل بوعزة من نفسه، فهم أعلم منه في أمور كثيرة.. حكى كل واحد منهم قصته، لاحظ بوعزة أن الرابط بين كل الحكايات هو الغياب الجزئي أو الكلي للأب عن البيت وتفكك الأسرة.. قفزت إلى ذهنه، فجأة صورة سارة البنت التي تخلى عنها وأنكر أبوتها، فكر في مصيرها ثم عض شفته حتى كاد يدميها أفاق على صوت حارس السجن ينادي باسمه.
استيقظت حليمة بعد أول ليلة قضتها في فندق الرعاية الاجتماعية حيث تم وضعها لحمايتها من بوعزة خاصة بعدما طلبت من المساعدة الاجتماعية مباشرة إجراءات الطلاق.
رغم كل ما وقع فإنها تشعر بسعادة كبيرة وهي تتخيل حياة الرخاء التي وعدها بها محمد كريم، شقة فاخرة، سيارة جديدة، ملابس، مجوهرات وعطور  وأسفار عبر العالم.. ثم شقة بمدينة سطات للشرقاوية نظير مباركتها للزواج.
الشرقاوية لما علمت بما فعله بوعزة بابنتها قلبت الدنيا على رؤوس والديه وأُختيه وعبثت بممتلكاتهم بواسطة رجالها، بل وهددتهم باستعمال معارفها في السلطة لإرسالهم إلى السجن.. كانت تفعل ذلك انتقاماً لابنتها، وأيضاً لتبرير تخليها عن بوعزة والارتباط برجل آخر.
بعد الخروج من السجن، كانت لبوعزة رغبة واحدة وهي الذهاب إلى المسجد والتضرع والصلاة، وهو الذي لم يكن يدخل المسجد إلا إذا علم بأن أحدهم أعد به وليمة كما هي عادة أهل هذه المدينة، أو للإفطار في رمضان.
بعد الصلاة جلس بوعزة إلى الإمام وشكا إليه كثرة المصائب التي توالت عليه في وقت وجيز، وبعد أن واساه ربَتَ على كتفه قائلاً: أصلح ما بينك و بين الناس، والله سيتجاوز عما بينك وبينه. نهض بوعزة وقد فهم الدرس وكأن الإمام على علم بقصته، وخرج  مصمماً على البحث عن ستيفاني ليعلن توبته أمامها ويعترف بابنته.
تهيأت حليمة وتزينت وكأنها ذاهبة إلى حفل وليس إلى العمل، لبست حذاءها ومعطفها وخرجت إلى المكان الذي اعتادت أن تنتظر فيه محمد كريم ليوصلها.. تأخر عن الموعد، بدأ القلق يستبد بعقلها، حاولت الاتصال به ولكن هاتفه ظل مغلقا.. اتصلت بسيارة أجرة وفي الطريق عاودت الاتصال بمحمد كريم ولكن دون جدوى..
بباب المطعم منعها الحارس من الدخول، حاولت أن تستفسر ولكن لم يزد على القول: إنها أوامر صاحبة المحل.
بعد يومين علمت حليمة  من إحدى زميلاتها  أن أحد عيون ثريا زوجة محمد كريم، قد أبلغها بالعلاقة التي بينهما فجاءت إلى المطعم، ولما لم تجد حليمة أمرت بمنعها من العودة إلى العمل، وأهانت زوجها أمام كل العاملين وهددته بإرجاعه إلى المغرب كما أتى أول يوم لا يملك شيئا.
ثريا ابنة أحد أثرياء بروكسل التقت محمد كريم بالجامعة، أحبها وأحبته وقدمته إلى عائلتها، رفض والدها في البداية لأن محمد كريم ليس من عائلة ريفية، ولكنه قٓبِل الزواج بعد إلحاح وحيدته المدللة، وهو من اشترى المطعم باسم ثريا.
تمكن بوعزة بعد أيام من البحث من الوصول إلى بيت والدة ستيفاني، سألها عن ابنتها ولكن الجواب كان صادماً، ستيفاني رحلت مع زوجها للعيش في العراق، فبعد استقرار الوضع اتصل به مسؤول من السفارة العراقية ببروكسل وأخبره بأن الحكام الجدد في حاجة إلى كل الأطر للمساهمة في إعادة إعمار البلاد ووعدوه بمنصب كبير في وزارة الصحة وبامتيازات مزجية. أخذ الدكتور جابر معه ستيفاني وبنتيها ورحل إلى العراق، تحكي الأم وهي تبكي فراق ابنتها وحفيدتيها.
بعد فشل حليمة في الارتباط بمحمد كريم خرجت للبحث عن أي عمل يسترها لأن المساعدة الاجتماعية بالكاد تكفي لسد الحاجيات الضرورية، وهي لم تهاجر من أجل هذا. ولكن جمالها وقلة تجربتها جعلاها فريسة سهلة لشبكات الاتجار في البشر.
بوعزة أصيب بصدمة عصبية شديدة دخل بعدها في اكتئاب هستيري قاده إلى مستشفى”ڤانغوغ”، حيث قضى سنة كاملة، خرج بعدها كأنه شبح يمشي على رجلين.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.