0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

وقفة مع اللغة العربية: (تقويم وتقييم) ــ ذ. حسن منصور

  ذات يوم وقفت معقباً على محاضرة ألقاها أحد المثقفين كما يعقب أي إنسان، وكنت بطبيعة الحال أتكلم العربية الفصحى التي لا أستخدم غيرها في أي نشاط ثقافي وفكري. وكان من المفردات التي استخدمتها كلمة (تقييم)، وبعد أن أنهيت تعقيبي فوجئت بأحد المشاركين يطلب تعقيباً (بسيطاً) كما وصفه، لأن هناك خطأ يريد تصحيحه تعميماً للفائدة… وتكلم الرجل مدعياً بأن استخدامي لكمة (تقييم) خطأ، وأن الصواب هو (تقويم) لأن أصل الكلمة واويّ وليس يائياً… ولو استخدمها (العوام) فلا بأس ولكن لا يجوز للمثقفين استخدامها، ما دام البديل الصحيح حاضراً على حد قوله. ثم سكت الرجل وجلس، وهو أحد الأكاديميين المتخصصين في اللغة العربية ونحوها وصرفها!!
والحقيقة أن أسلوبه أغاظني، ولكن تمهلت حتى انتهينا من التعقيبات، وقبل أن يعلن مقدم الندوة نهايتها طلبت أن أعقب على موضوع التقويم والتقييم وأصررت على ذلك حتى وافق الرجل، فكان لي هذا التعقيب:
أنا استخدمت كلمة (تقييم) وأنا واعٍ تماماً بها ومتعمداً، لأن استخدامي صحيح وفي محله تماماً، ولديّ حجتان لا مراء فيهما.
إحداهما حجة بيانية معروفة، والأخرى لغوية تتصل بعلم الصرف، ولنبدأ بالحجة البيانية التي تعرفونها كلكم لأنها من القرآن الكريم ولكن ربما بعض الناس غافلون عنها، فمن منكم لم يقرأ كلمة (القيامة) في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة…)؟ [سورة القيامة:1] وقوله تعالى: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)[البقرة:113]….إلخ. ومن منكم لم يقرأ قوله تعالى (الرجال قوامون على النساء)؟ [النساء:34] أو قوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة..)؟ أو قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) [التين:4]. وأنا أقول اشتقاقاً من ذلك أن هناك قوامة (للتقويم) أي للتربية المستقيمة أو لتصحيح الاعوجاج، وهناك قيامة (للتقييم) أي لوزن الأشياء والأفعال وتقدير قيمتها كما يتضح من الآيات الكريمة العديدة. فهل عند أحد شك في هذا الكلام؟ ومن هذه الشجرة أيضاً كلمة (قيمة وقيم) التي نستخدمها دائماً.
وأما الحجة اللغوية الصرفية فهي أن بعض الناس يعتقد بأن كلمة (تقييم) لا وجود لها، وأنها خطأ لأنها مشتقة من جذر ثلاثي واوي وأنه يجب أن تكون بهذا التسلسل: (قَ.وَ.مَ = قَوَمَ = قامَ، يقْوُمُ = يَقُوْمُ قياماً وقيامة وقوامةً، ويُقوِّم تقويماً). ولكن ما دام أن هناك كلمتي قوامة وقيامة؛ فقياساً عليهما ما المانع أن تكون هناك كلمتا (التقويم والتقييم) الأولى بمعنى تصحيح الاعوجاج، والثانية بمعنى تقدير قيمة الأشياء والأفعال؟ ومن هذا كله نلاحظ أن منّا فئة من الناس تستخدم الكلمة وكأنها جامدة (مثل كلمة القيامة) دون أن تفطن إلى أنها ليست كذلك. ومثل كلمة (القيادة) التي لها سمعة طيبة، وتتجاهل نظيرتها (القِوادة) التي ألبسها العرف الاجتماعي اللغوي ثوب العار والخزي…
ألا يكفي أننا قوم عديمو الإنتاج الحضاري في هذا العصر (فكرياً ومادياً) مما حرم لغتنا من إضافة مفردات عربية أصيلة من ابتكارنا، تكون جديدة وعصرية، حتى يأتي قوم منا يتشددون دون وجه حق يريدون منع العقول من محاولة إضافة بعض المفردات عن طرق أخرى كالتوليد والاشتقاق والنّحت والابتكار والتوسع وغيرها وغيرها؟!

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.