0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

“إحنا الطيارة وقعت بينا في الجنة يا سيد” – مريم عرجون

المغرب مملكة تقع في شمال إفريقيا.. يعود تاريخ وجوده إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد. سكانه الأصليون أمازيغ كسائر شمال إفريقيا، استعرب لسانه جزئيا بعد دخول الإسلام واختلاطه بالعرب المهاجرة منذ بضعة قرون فقط. 

من أبرز  من وصفوا الأمازيغ الرحالة حسن الوزان الملقب بليون الإفريقي، إذ قال عنهم: “سكان المدن في بلاد البربر أناس ماهرون، وهم ذروة تربية فائقة، لا تكاد تصدر منهم إساءة، تكن أفئدتهم الحق وتنطق به ألسنتهم. هم غاية في الإقدام والشجاعة لا سيما الجبليون. لاحد لغيرتهم على النساء، يوفون بالعهد. ذوو حشمة وأمانة..”.

ميزة المغرب أنه متنوع في كل شيء.. مراكش حمراء وتطوان بيضاء وشفشاون زرقاء.. فيه فاتح البشرة والأسمر والخمري.. صاحب الشعر الأسود والأصفر والأحمر.. المؤمن وكثير الإيمان وقليله.. الصادق والمناور.. الجميل والأوفر حظا من الجمال والأقل. على مستوى الطبع العام، فالمغربي يتمتع بحب شديد للنظافة فقيرا كان أو غنيا فالنظافة عنده شيء أساسي، وهنا ندرك تماما أن الشعوب جينات. الشيء الثاني، المباشرة في القول دون الكثير من الثرثرة المسبقة، وهذا من باب احترام الذات والآخر.

الشعب المغربي من الشعوب القليلة التي لديها لياقة عالية في الحواس الخمس.. فعلى مستوى النطق، معظم المغاربة يتقنون لغتين إلى ثلاث لغات. يغلب في شماله وأقصى جنوبه النطق بالإسبانية وفي الوسط بالفرنسية، وفي الشرق تجد النبرة الأمازيغية حاضرة بقوة أيا كانت اللغة. ميزته بين الشعوب العربية أنه يفهم جميع لهجاتها بينما هي نادرا ما تفعل، وهذا يعود إلى أن المغربي منفتح بطبعه على جميع الثقافات.

سر فوزه في المسابقات العربية للغناء والعالمية في تجويد القرآن هو أن المجتمع المغربي يتنفس الأذكار والأمداح في جميع مناسباته وجل مناحي حياته، وهو أمر لا علاقة له بالإلتزام الديني من عدمه، بل هي كينونة مغربية تعود للنزعة الروحية الفنية التي تمتع بها دوما. فهو منذ أن رأى النور وهو محاط بصوت الأذكار والمديح النبوي المبني على اللغة العربية الفصيحة وعلى الحكمة في القول، مما جعل حظ حنجرته وفيرا في حصوله على تربية عالية لمخارج الحروف، نقول بالعامية “صوت مربي على الصح”، وينطبق هذا على المسلم واليهودي.

ولأنه أمازيغي فهو يتشارك مع الشعب التركي في طريقة تعامله مع الدين.. فعدم فهمه للغة العربية قديما، كما أن موقعه الجغرافي حتَّم عليه الاختلاط بالآخر، وجعل تعلمه للدين عبر التعاملات والروحانيات بالدرجة الأولى.

على مستوى حاسة الشم.. فمثلا في المدينة القديمة لطنجة أو الرباط سوف تشم رائحة البحر والأشجار ممزوجة بروائح البهارات ومواد التجميل الطبيعية وأواني الفخار وجلود الماشية والأقمشة التقليدية والمأكولات الشعبية ولوحات الرسامين، مما يجعل حاسة الشم عندك في فسحة متنوعة ودقيقة.. في المقابل حاسة النظر التي أينما التفت وجدت نفسك تقع على ألوان زاهية تريحها وتبعث السرور فيها وهو ما يصل لأعلى درجاته حين تدخل لأي بيت من البيوت المغربية.

يتمتع المغرب بثاني مطبخ عالميا.. هذا لأنك ما سوف تأكله في بيت الأسرة المغربية في الشمال مختلف عما سوف تجده في جنوبه.. إما أنها أكلة واحدة والبهارات والطريقة مختلفة أو البهارت ذاتها لأكلات مختلفة.. يعتمد هذا على كثرة تنقلك فيه ومعرفتك بمدنه.

الشعب المغربي من الشعوب القليلة في العالم التي لا تجد فرقا بينه وبين أطيافه.. بمعنى أن المغربي في الشمال هو ذاته في الجنوب وهو ذاته في الشرق وهو ذاته في الغرب، وهم واحد حين يلتقون في المهجر. وهذه ميزة نلاحظ غيابها بشدة في كثير من الأمم نظرا لاختلاطنا بجميع الجنسيات هنا. في المغرب تجد الريفي والصحراوي والشمالي والجنوبي كيانا واحدا لا تميزه سوى بمخارج الحروف.

هناك عبارة لا أجدها دقيقة ألا وهي: “أن جميلات المغرب هن بنات شماله”. الجمال المغربي واحد وما أن يخف عنك أثر الطنجوية أو التطوانية حتى يغزوك سحر الوجدية وروعة الرباطية وجمال الفاسية وبهاء المراكشية إلى آخر ساكنات كل بقعة من هذه الأرض الجميلة. لكن نظرا لأن الاختلاف كان دوما محط الأنظار وموجودا دائما فقد أصبح شيئا لا يلتفت إليه.. فمن المعلوم أن أغلبية سكان الأندلس قد سكنوا شمال المغرب مما جعل الجينات هناك متنوعة الأعراق، فكثر بين سكان الشمال الشقراوات وذواتي العيون الملونة والبشرة الفاتحة، الأمر الذي جعل المنطقة مثارا للاهتمام في ألسنة باقي المدن.

الطبيعة في المغرب شيء خرافي، وقد سجلت التقارير الدولية أن المغرب من ضمن 22 دولة استطاعت أن تحرز توازنا بين الحفاظ على الطبيعة والمساحات الزراعية والعمران، وهو البلد الإفريقي الوحيد الذي حظي بموقع يطل على البحرين المتوسط والأطلسي.. يمتلك أحد أجمل صحاري العالم، محاطا بساحل غني وثروة هائلة.

على صعيد الضيافة والترحاب.. كل من زار المغرب ذهل لفرط الود، لكن يبقى أوفرهم حظا الفلسطينيون والمصريون والعراقيون.. فبمجرد أن يصرح الفلسطيني أنه كذلك حتى تنهال عليه مشاعر المودة في أعلى درجاتها حبا للمسجد الأقصى. أما المصري فبعد أول السلام عليكم سوف يجد نفسه في استعراض لكل إيفيهات عادل إمام والسينما المصرية وعبد الفتاح السيسي. بينما يحظى الجزائري بعناية خاصة، نخبره بأنه ونحن واحد.

المغرب يصفه الألمان ببلد الألوان ولقاء الحضارات.. وأصفه أنا ببلد الحب لكل ما هو جميل..

تخبرني صديقة عن مصري وزوجته زارا المغرب اثناء مشاركتهما في أحد المؤتمرات الصحفية  في طنجة، ولشدة انبهار الزوجة بالبلد وبحسن الضيافة وبلذة المائدة المغربية صاحت بأعلى صوتها تقول: ” إيه ده يا سيد.. إحنا باين الطيارة وقعت بينا واحنا في الجنة يا سيد..”.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.