0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

صديقة من إريتريا – مريم عرجون

رن هاتفي من رقم غريب، ترددت في الرد مخافة أن يستأثر بي المتصل لمدة ساعة في حديث من النوع الممل والتافه. لكن هاتفا داخليا أخبرني أن المتصل شخص ما يجب أن أستمع إليه..
ـ ألو..
يرد صوت مثقل بكبر السن بلهفة وبلغة إنجليزية: هل أنت مريم..؟
ـ ممم.. نعم، أنا مريم..
ـ أنا آسفة.. لقد ضاع دفتر أرقامي واليوم فقط وجدته.. هل تتذكرينني..؟؟!
أسعفتني ذاكرتي في الحين، إنها السيدة التي قاربت التسعين عاما. قابلتها قبل عام على متن القطار في فرانكفورت. ما زلت أذكر كيف أوصلها أحدهم إلى العربة وأجلسها قبالتي. وبعد أن اعتدلت بدأت في هدوء تطالع الناس متكئة على عكازها. وقد كانت تنظر إلي وتبتسم.. ثم دنت مني، وربتت على ركبتي، وقالت في همس: أنت تشبهين السيدة مريم.. هل تعرفين مريم..؟ انها موجودة عندكم في القرآن، مثلما هي عندنا في الإنجيل.
كان الحجاب هو العلامة التي دلتها على أنني مسلمة، فقلت لها: نعم أعلم، وأنا اسمي أيضا مريم.. ونحن جيران، فأنا أيضا إفريقية.. من المغرب.
عدت بوعي من المحطة وضجيجها إلى الصوت المنبعث من سماعة الهاتف لأخبرها بأني تذكرتها: نعم تذكرت.. السيدة الإفريقية.. سعيدة لسماع صوتك.. لقد مضت مدة على لقائنا ذلك..
فأشرقت نبرتها وقالت: نعم إفريقيا.. إريتريا.. أنا مسرورة جدا لسماع صوتك.. أتذكر حديثنا وعينيك دائما.. تحدثنا عن الله وعن السيد المسيح وعن القرآن..
ـ نعم أتذكر.. كان حديثا لطيفا.. إلا أني أعتذر منك مجددا لأن لغتي الإنجليزية ليست جيدة لكي أتعمق معك في الحديث..
ـ لكنك تجيدين الألمانية والعربية.. والأهم العربية.. أنت مسلمة وعليك أن تفهمي معاني القرآن، لكي تعرفي الله وتدركي تعاليمه، لكي لا نصدق ما يقوله عنا الإعلام.. القرآن يشرح الإنجيل والإنجيل يشرح القرآن.. وكلنا نعبد الله.. نفس الشيء.. كلانا يريد الخير للعالم.
استرسلت السيدة في حديثها عن الأديان ودورها في السلام كما عرفتها في لقائنا.. وذهب فكري بعيدا إلى نشأتي.. وإلى أبي.. الذي لم يكن يدرك أنه يتبع عرف والد بوذا حينما عزلني في فترة الطفولة والمراهقة عن الناس..
فوالد بوذا حاول إخفاء العالم الحقيقي عن ابنه إلى أن خرج بوذا بنفسه إلى العالم، فصادف الموت والبؤس والمرض إلى آخره. ولم تكن شبكات الإنترنت موجودة ليستمع إلى كل ما فاته من خطابات الملك الحسن الثاني، وبالذات ذلك الخطاب الذي قال فيه “كيفما كان والد هذا الطفل، إذا لم يمض الطفل مدة عام أو عامين في المسيد (الكُتّاب القرآني)، فلن يدخل مدارسنا. وأنا سأقدم أول مثال.. وعن نفسي والله لن يذهب أولادي إلى المدرسة إن لم يدخلوا إلى المسيد مع جميع المغاربة.. أكرر أيا كان والد الطفل، لا تعطه موافقة الدخول المدرسي.”
أمضيت سنوات عمري ما بين السابعة والعاشرة وأنا أسأل والدي: “يا أبت، متى يمكنني العودة والعيش معكم في ألمانيا؟”. كان يردد: “بعد أن تتعلمي اللغة العربية وتحفظي القرآن لكي أستطيع أن أتركك وأنا مطمئن مع المسيحيين، فهم لا دين لهم.. وكذب من قال أنهم مسيحيون. علينا أن نتعلم علمهم لا أخلاقهم..”.
كان أبي صارما معنا في أمر اللغة ومخالطة الناس.. كانت أشبه بجريمة إن ذهبنا إلى بيت غريب، وكان يشدد دائما على عدم مخالطة الغرباء. لكن في المقابل كان يغدق علينا بقصص الأنبياء وحكايات السياسيين، إما من فمه مباشرة أو من كتب اللغة العربية.
أما والدتي فكانت وديعة ولطيفة.. تحبها النساء الألمانيات، وبالذات العجائز منهن.
كنت عكس المغاربة، إذ كنت أمضي عطلة الصيف في ألمانيا رفقة والديَّ في عملهما.. وهذا هو السبب الذي جعلني لا أتعلم السباحة إلى اليوم. إلا أنني أطلقت العنان لخيالي كي يسبح مع الألمان الذين كانوا يأتونني دائما بالهدايا.. تارة دمية، وتارة شمعة، ومرة تمثالا يجسد السيد المسيح أو قلادة للسيدة العذراء، كانت أمي تحثني على رعايتها والاحتفاظ بها كلها. فهي مقدسة وفيها صدق نيتهم الموصولة بحب عيسى عليه السلام. كانت دائما تذكرني أنهم سموني مريم لكي أكون محبوبة عند الله كما أحبها، ولكي تكون ذريتي طيبة مثلها.. فكنت أقول هل هذا يعني أنه يجب أن أسمي إبني عيسى..
أما أبي فقد كان كارها لما أصبح يراه من العبث “يقول: “إن لم تتعلمي اللغة العربية.. فلن تفهمي القرآن.. وإن لم تفهمي القرآن فلن تفهمي حدود الله.. وإن لم تفهمي حدود الله فلن تفهمي الحياة.. ومن لم يفهم الحياة استهتر بكل شيء، فسهُل عليه الزنا والكذب والسرقة وشرب الخمر وتدخين السجائر. وما فائدة أن تتعلمي كل لغات العالم إن كنت ستضطرين للبحث عمن يشرح لك معنى “الحمد لله رب العالمين”. كيف نشكر تضحيات رسول الله وصحابته ونقدر هدية الله لنا القرآن الكريم، إن لم نتمسك بلغة القرآن”.
حسنا يا أبي لقد فهمت.. لقد فهمت..
إنه الفخ الذي وقعت فيه أمة إقرأ منذ مئات السنين بعد نزول الوحي. تسأل الواحد منهم لماذا تحفظ القرآن فيقول لأن فيه حسنات وأجرا، تحاوره في المعاني فتجده لا يفقه شيئا، فلا هو حفظ القرآن ولا هو تعلم اللغة.. وسجل في السجل أنه مسلم. ولعل أبلغ ما قاله لي المؤرخ مولاي علي الريسوني في مقابلتي معه: “مشكلتي مع حفظة القرآن هو انعدام أخلاقهم وجهلهم بالقيم الإسلامية، وهي مأساة تلتهم أمتنا وعقيدتنا”.
أنهيت المكالمة مع السيدة الإفريقية الودودة بعدما وعدتني بأن ابنتها ستتصل بي لنتحدث معا عن الآيات المتشابهة في الإنجيل والقرآن، لأن الله يريدنا أن نكون معا.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.