0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

شيء برق في قلبي ولم ينطفئ – مريم عرجون


أجمل نظرة يمكن لعينيك أن تراها من الشخص الذي هو واقف أمامك، هي نظرته وهو يتحدث عمن يحب. فمهما كان منصب المتحدث أو مستواه الاجتماعي والثقافي أو سنه، يظل الحديث الوحيد الذي يتغير فيه لونه وتتغير معه تقاسيم وجهه وردود فعله هو حديثه عمن يحب أو أن يسأله أحدهم عنه. فهي أصدق ما في جعبة علاقاته، كيف لا وهي الممزوجة بأعمق المشاعر التي قد توصلك إلى أن تبيع عمرك لأجله على حد قول أحد الشعراء.
من أسعد لحظات حياتي أن أرى تلك النظرة، خاصة إن كانت من رجل يتحدث عن زوجته أو محبوبته بود كبير، لأني أشعر لحظتها بقيمة الإنسان تتجلى أمامي، وأيضا بقيمة المرأة الحقيقية والفعلية في حياة الرجل ألا وهي “مصدر الطاقة والإلهام السكينة”.
قبل بضعة أسابيع في إحدى سفرياتي الإقليمية هنا في ألمانيا بالقطار، كان يتوجب علي أن أغيره في إحدى المحطات بآخر لأكمل الرحلة إلى وجهتي المقصودة. ولضيق الوقت ما بين القطارين كان علي الركض بسرعة، إلاّ أن حقيبة السفر الصغيرة كانت لا تساعد على ذلك. في القطار كان قد حدثني شاب عن مخاوفه من بطء حركة القطار الذي نحن على متنه، لأنها سوف تتسبب له في التأخر عن اللحاق بالتالي، فسألته إلى أين وجهته، ليتضح لي أنها وجهتي أنا أيضا. عندما وصلنا قال لي أعطني حقيبتك لأحملها عنك. ترددت قليلا في البداية، لكني وجدت أنه لا وقت لاستقلاليتي الآن فالقطار سوف يقلع قريبا، شكرته وأنا أقول له: إذاً احملها واجعلنا نسرع، فأهم شيء ألا نتأخر.
أكملنا الرحلة معا ونحن نتغنى بجمال ألمانيا الذي يتجلى أمام أعيننا عبر نافذة.
كان شابا من العراق. في ملامحه طيبة أهل بغداد وأهل العراق، بعيدا عن كل ما هو قائم حاليا، كيف لا وهو ابن السنية من الظهر الشيعي، ولا أحد يتطاول على أحد، فكل صحابة رسول الله مباركون وكل نسائه أمهات المؤمنين وهذا هو عرفنا إلى يوم قريب. حدثني عن رحلة هجرة أهله قبل عشرين عاما إلى ألمانيا، إلى أن انتقل الحديث إلى حكاية زواجه، فقال لي أنه تزوج بطريقة غريبة وسريعة، فقد سافر وبشكل عفوي ومفاجئ لمدة أسبوعين إلى العراق وهناك وبعد يومين، رأى بأحد التجمعات العائلية فتاة أعجب بها كثيرا، وظل يفكر فيها طوال الوقت. ولم يكد يمضي أسبوع واحد حتى خطبها وعقد قرانه عليها. سألته هل وقع في نفسها ذات ما وقع في نفسك، فهذا مهم هنا، لأنه الفصل والحكم في الموضوع. فأجاب نعم، كان شعورا متبادلا والحمد لله. فسألته مجددا ووجهي تعلوه ابتسامة، لجمال تلقائيته في الحديث: كم مضى على زواجك؟ قال لي أربعة عشر عاما. فسألته: وهل ما زلت تشعر بما رأيته فيها أول مرة. فقال: أنا جد سعيد ومرتاح الحمد لله، وهذا هو أجمل قرار اتخذته في حياتي على الإطلاق. قلت له: هل يمكن أن تصف لي ما شعرت به وقتها؟ قال: لا أعرف، لكن كان هناك شيء برق في قلبي ولم ينطفئ، شعلة جعلتني متعلقا بها لا أعلمها ونحن إلى الآن على نفس الحال، ورزقنا بولدين والحمد لله. قلت له: أنت هو الإنسان الحقيقي، لأنك صدقت قلبك، وهذا ليس سهلا، لذلك قيل الحب للشجعان. ولو كان معظم الناس يصدقون ما يمليه عليهم قلبهم لما كانت حياتنا مليئة بالفوضى على جميع الأصعدة.
أكملت الرحلة مع رفيق رحلتي، دامت لثلاث ساعات تقريبا ونحن نتجاذب الأحاديث المتنوعة وأستمتع أنا بأجمل نظرة.
تلك النظرة التي جعلت القصبجي يقبل أن يعيش في ظل أم كلثوم لكيلا يحرم من قربها راضيا بأن يكون نصيبه منها قيادة فرقتها، والتي جعلت عمر الشريف يغير معتقده لكي يستطيع الارتباط بفاتن حمامة، وهي كما كان يقول عنها دائما: “المرأة الوحيدة التي أحببت في حياتي هي فاتن وعمري ما حبيت بعديها”، والتي جعلت محمود درويش يحب كل ما يخالفه، عندما أغرم ب “تمارا” الشهيرة في قصائده بـ “ريتا”. تلك الفتاة اليهودية الإسرائيلية التي تعرف عليها عندما كانت ترقص خلال حفل للحزب الشيوعي الإسرائيلي، والذي كان درويش أحد أعضائه آنذاك، والتي جعلت معشوق النساء نزار قباني يعترف في إحدى قصائده أنه لم يعرف الحب إلا في الأربعين، رغم كل النساء اللائي مررن بحياته، بعدما عشق العراقية بلقيس التي اختصرت نساء الكون عنده، والتي حارب لأجلها رغم فارق السن بينهما ورغم رفض عائلتها له خوفا على ابنتهم من الديبلوماسي زير النساء. والتي جعلت أيضا ولي عهد النرويج الأمير هاكون مستعدا لأن يتخلى عن عرشه عندما رفض الشعب فكرة زواجه بالفتاة التي أحب بسبب ماضيها غير المشرف. والتي جعلت الملك محمد السادس يوزع اهتمامه ما بين مشروع “مجموعة أونا الصناعية” وبين الحسناء الذكية ذات الخصل الحمراء البراقة، فهو كما قال ذات مرة وقبل زواجه في مقابلة: “أحب النساء ذوات الشعر الأحمر”. وما زلت أذكر أنها شكلت صدمة عاطفية لكثيرات من السمراوات وصاحبات الشعر الأسود، اللواتي كن يأملن أن تحدث معجزة ويحب إحداهن ولي عهد المغرب آنذاك.
تلك النظرة التي جعلت صابر الرباعي يتوقف في المطار فجأة ويتوجه إلى مضيفة الطيران الحسناء، يطلب منها أن تأذن له في أن يلتقط معها صورة، لتصبح بعد ذلك هي حبيبته وزوجته، وكما جاء على لسانه، أنه ولأول مرة يشعر بالاستقرار التام في حياته المهنية والعاطفية، غير آبه بمن يقول عنه إنه يمر بمراهقة الأربعين. وتلك النظرة أيضا التي جعلت الصحفي يسري فوده، وبعدما لقب ولفترة طويلة بالإعلامي العازب أن يقرر ويفاجئ متابعيه بزواجه من المذيعة السورية “ألما عنتابلي” أيضا غير مكترث بكثرة الحديث عن فارق السن بينهما ما دام وكما يقول المثل: “أنا راضي وهو راضي، مالك إنت ومالنا يا قاضي”.
تلك النظرة التي لم تقلب خوالجك فقط وإنما معاييرك وموازينك كلها، لتتحقق بذلك مقولة الفيلسوف اليوناني هرقليس: “الثابت الوحيد في الكون هو التغيير”.
فلم تعد عند القصبجي لمصلحته أهمية، ولم يعد عمر الشريف مشيل شلهوب تابعا للمسيحية، ولم يعد مهما أن تمارا إسرائيلية، ولا وجود لأي امرأة عند نزار قبل بلقيس في كل الدنيا، ولا لعرش النرويج قيمة أمام مشاعر الأمير الاستثنائية، ولا الأميرة لالة سلمى بناني مجرد مهندسة نظم المعلوماتية وبنت من بنات الرعية، ولا صابر الذي يعيش حالة وحدة مخيفة متزوج وصاحب مسؤولية، ولا يسري فوده يكبر ألْما بعشرين سنة إلا قليلا.
مطلب النساء في العالم أن يأتي من يقبل جبينها قبل ثغرها، ومطلب رجال العالم أن يجد من تعرف متى تربط ومتى تفسخ ربطة عنقه.
عندما يقبل الرجل جبين المرأة فهو يعلن بذلك التقدير لإنسانيها وذاتها، وعندما يقبلها من ثغرها فهو يعترف لها بسيادة أنوثتها. وعندما تعرف المرأة متى تربط “ربطة العنق”، فهي تهبه لمجتمعه وعقله وفكره وطموحاته، متسلمة بذلك مهام السيدة الأولى، تلك التي ليس لها مثيل في العالم والتي يظل البحث عنها قائما دون أي نتيجة، والتي كانت تريده دائما وأبدا أن يكون ملكا متوجا في دنياه: “السيدة الوالدة”. أما عندما تعرف متى تفسخها فهي تعلن له بذلك تمكنه من عقلها ووجدانها، واهبة إياه لحظات يعيشها بطفولته ونفسه وذاته التي لا ترى إلا بين أربعة جدران، وفي كلتا الحالتين، فهي تلك اللحظات التي يقف فيها مستسلما أمام من اختارتها نظرة عينه لتلك المهمة.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.