0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

كلام على هامش كلام – مصطفى الحمداوي

روائي مغربي مقيم بهولاندا

 عطفا على المقال الذي نشره الكاتب المغربي المقيم ببلجيكا التجاني بولعوالي في موقع هسبريس بعنوان “شهادة لله” في حق السي عبد الله ومجلس الجالية!”، وعرض في مضمونه رؤية خاصة مبنية على تجربة خاصة عاينها وعاشها بالتفاصيل التي أتيحت له خلال تواجده بمعرض الدار البيضاء الدولي للكتاب، ومن زاوية تمثل موقفه الشخصي المبني على تفاعل واقعي، كما لمستُ، من خلال قراءتي للمقال المذكور. وتفاعلا مع الآراء المتباينة التي فجرها المقال في مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا في الفيسبوك. أجدني مضطرا لأشارك بروح إيجابية، في هذا الجدل المنتج، برأي متواضع وحيادي،  بعيدا عن المحاباة أو الانتصار لجهة ضد أخرى.
أود في البداية أن أشير إلى حقيقة كون أني لم أكن قد تعرفتُ بعد، بصفة شخصية، على الدكتور عبد الله بوصوف رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج. كانت معرفتي بالرجل سابقاً تقتصر فقط على ما سمعتهُ عنه وقرأتهُ في الإعلام؛ الذي وفر لي دائما نظرة إيجابية حول الدكتور عبد الله بوصوف، وأنشطته المختلفة الداعمة لحقوق الجالية المغربية والاهتمام بشؤونها، وكذا انخراطه العميق والمخلص في قضايا الدفاع عن المصالح العليا للوطن، خصوصا القضية الأولى المتعلقة بالوحدة الترابية للمملكة. وعندما تلقيتُ الدعوة لحضور فعاليات معرض الدار البيضاء للكتاب، استجبتُ للدعوة بكل فرح وسرور، ولم أكن أحمل في ذهني أي خلفيات مسبقة سواء حول الجهة التي وجهت الدعوة، أو حول مجلس الجالية، أو حول شخص الدكتور عبد الله بوصوف نفسه. لقد توجهتُ إلى المعرض بقناعة أنني أمارس دوري ككاتب مستقل، ووجودي في محافل ثقافية كبيرة من عيار معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب، لا بد وأن يضيف لمسيرتي الإبداعية ويعطيها زخما أكبر من خلال احتكاكي بكُتاب ما قد نسميه كُتاب “الداخل المغربي” وكُتاب “الخارج المغربي”، وكذا الكُتاب من مختلف بقاع العالم.. بل أكثر من ذلك إنني عندما التقيتُ الدكتور عبد الله بوصوف خلال فعاليات المعرض، اكتشفتُ في الرجل تواضعا جما، وإنسانا يحمل قدرا عاليا من المسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتقه.
أعتقد أن المشكل يكمن في أن البعض منا يقيِّمُ الأشخاص والمؤسسات وفق تجارب شخصية محضة كأفراد، وهي تجارب، كما يجب أن نعترف، متباينة ومتناقضة في كثير من الأحيان، ولا تتأسس، هذه المواقف، وفق نظرة تراعي جانب مَهَام هذه المؤسسات التي تشمل قضايا أكثر عمقا وأكثر شمولية، وتتجاوز النظرة الضيقة القاصرة، التي تكتفي  بتلفيق تهم جزافية لشخص الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، وللمجلس نفسه، متناسية أن هذه المؤسسة يجب أن نعتبرها، مؤسسة مسؤولة يقوم على إدارة شؤونها أشخاص بحس مسؤول ووطني، ويتناسى البعض دائما أن مؤسسة مجلس الجالية تمثلنا نحنُ أبناء المهجر كافة، في المقام الأول، ولا ينبغي قطعا الحكم عليها من خلال كون دورها يقتصر فقط على استدعاء فلان للمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، واستثناء آخر من حضور هذا المعرض. أعتقد أن دور مجلس الجالية يتجاوز هذا الدور الذي لا ننكر أنه دور مهم للغاية، ولكنه يبقى دورا من ضمن أدوار أخرى كثيرة ومتعددة، غير أنه، وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نشدد على أن الكاتب المهجري من حقه، مثله مثل الكاتب المقيم في وطنه، أن يحظى بفرص حضور المعرض بشكل دائم ومستمر كي تبقى الصلة وطيدة وفاعلة بين المثقف وقضايا بلده، والدور المحوري الذي ينقله هذا المثقف عن وطنه الأم إلى بلد الإقامة في المهجر. طبعا كل مواطن مغربي ناجح في بلاد المهجر، هو فخر للوطن ولبلدنا المغرب، غير أن النخب المثقفة بصفة عامة تتوفر على قيمة مضافة يمكن للمغرب أن يستفيد منها بطرق شتى ومتعددة. إننا نعيش في بلدان متحضرة ومتطورة وتؤمن بالمعرفة، وتؤمن بالدور الهام للمثقف في المجتمع، وعندما يقدم المغرب لبلدان استقبال الجالية المغربية طاقات تتوفر على ملكات إبداعية وحضور فاعل على المستوى الثقافي، فإنه يقدم صورة مشرقة لمغرب نريده أكثر ازدهارا وإيمانا بقدرة الثقافة على تغيير الكثير من سوء الفهم، والنظرة السيئة التي قد يرسمها المجتمع الغربي والإعلام الغربي عن وطننا أو عن عقيدتنا.
أعيد القول مرة أخرى، يجب أن نتخلص من ذلك الانطباع السلبي الذي يتأتى غالبا من خلال افتراض خاطئ حول كون أن الدعوات التي تمت مؤخرا لمعرض الدار البيضاء كانت انتقائية وغير مؤسسة على قواعد صارمة ومدروسة.. قد يكون هناك قليل من عدم الدقة المطلوبة فيما يخص هذا الموضوع، ولكن الموضوع في حد ذاته أكثر تعقيدا بكثير مما نتصور، لأن عدد كتاب المهجر يفوق طاقة مجلس الجالية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال استدعاء الكل، ويجب تفهم حقيقة أن من حضر هذه السنة قد لا يكون حاضرا في المرة المقبلة، وبالتالي ستتاح الفرصة ولا شك لكتاب جدد.
وعلى هذا الأساس أعتقد ( وهذا رأي خاص ) أن تجربة التجاني بولعوالي هي تجربة شخصية، وعبر عنها بكل عفوية وصدق في مقاله الذي أشرنا إليه أعلاه..السؤال: هل هناك جهات ضد مؤسسة مجلس الجالية، وتوجهات هذا المجلس وعلى رأسه الدكتور عبد الله بوصوف، وأن هذه الجهات تسوق لهذا التصور الخاطئ بالمجان، ومن دون أي سند يدعم مثل هكذا ادعاءات؟ ربما.. بل من المؤكد، وهذا لن يغير من الأمر شيئا ولن يضير أحدا، لكل شخص الحرية الكاملة في أن يعبر عن رأيه كما يرغب ويريد، وفي إطار التحضر المطلوب، تماما كما كان رأي صديقنا الكاتب التجاني بولعوالي، التجاني عرض تجربته الشخصية حول شخص الدكتور عبد الله بوصوف بكل صدق وأمانة، وهذا ما نفترضه في شخص له مصداقية ويعرض، أمام الملأ، الحديث الذي دار بينه وبين الدكتور عبد الله بوصوف، ولنعتبر جزافاً أن التجاني بولعوالي عبر عن رأي أقل إيجابية نحو مؤسسة مجلس الجالية قبل أن يلتقي ويتحدث إلى شخص عبد الله بوصوف؟ فما المانع إذا غير هذه القناعة في النهاية عندما احتك بالمجلس، وبالدكتور عبد الله بوصوف، واكتشف جوانب إيجابية أكثر بكثير مما كان يتصور في البداية؟! ثم إنني أحب أن ألفت الانتباه إلى شيء ربما يكون حاسما في هذا الجدل: لا ينبغي أن نؤسس لوجهات نظرنا ومواقفنا من خلال هذا المنطق: “أنا لم أُستدعَ إلى المعرض إذاً يجب أن أكون ضد المؤسسة وضد شخص الدكتور عبد الله بوصوف، وضد الجميع!”. هذا شيء مبني على انفعال وقتي، وحول حاجة ظرفية لا ينبغي أن تأخذ الكثير من الاهتمام.
كم أرغب بشدة في أن أعرف أي جانب سلبي في مؤسسة مجلس الجالية، وفي شخص الدكتور بوصوف يستحق النقد؟! صدقا لم أكن أعلم بوجود هذه المؤسسة إلا على مستوى كونها تتدخل في حالات تتجاوز الأفراد ولا علاقة لها بأشياء صغيرة كإرسال دعوة لحضور معرض كتاب أو ما شابه، ولم تكن لي أي اعتراضات على هذه المؤسسة ولا على رئيسها؛ لأنني لم أكن معنيا بها أصلا. وكم أحتاج فعلا لأعرف ما الذي يجعل البعض يشحذ سكاكينه الحادة ليطعن في كل ما هو مؤسساتي في بلادنا! في الأخير أحب أن أشير بأن هذا النقاش الدائر هنا، “وفي غير هنا” يعبر عن ديناميكية وحيوية تعطي للحوار قيمته الحضارية المبنية على الاحترام والتقدير، وينبغي أن نستمر في الحوار المنتج البناء البعيد عن التشنج، أو الحامل لخطاب تصعيدي لا يخدم أحداً. 
 
هوامش:
عنوان مقال التجاني بولعوالي الذي نشره في موقع هسبريس:
“شهادة لله” في حق السي عبد الله ومجلس الجالية!

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.