0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

“اللويمينة”.. هل عرفتم معناها؟؟ – مريم عرجون

 

كاتبة مغربية مزدادة ومقيمة بألمانيا/ فرانكفورت

يتفاخر البعض ليل نهار بأن الحضارة الأندلسية هي من تاريخهم.. وأن الأندلسيين هم أسلافهم الذين نشروا العلوم والفنون، ولونوا الدنيا بالجمال، وأنهم أقاموا دولة كانت حاضرة الدنيا ومنية النفوس في القرون الوسطى وفيما بعدها.. وأنها ركيزة العلوم التي أوصلت الغرب إلى التكنولوجيا والحداثة، وأنه لو خُير أحدهم في أي فترة من التاريخ يحيا لقال في عصر الأندلس..
لكنني أتساءل لماذا يتعامل هذا البعض بعجرفة واستخفاف مع اللهجة المغربية، وهي في جزء كبير منها لهجة أهل الأندلس.. لماذا يفهم الإنجليزية وهي الغريبة عنه.. بل ولماذا يرفض المصحف المكتوب برواية ورش، وهي الرواية التي كانت سائدة عند أهل الأندلس.. لماذا يطلب منا وحدنا، نحن أهل المغرب الكبير عموما، أن نتحدث معهم إما بعامياتهم أو باللغة الفصحى؟.. إنه لعجيب أمر بعض المشارقة.
قبل مدة أتى شيخ قطري إلى أحد أهم المساجد في ولاية هسن الألمانية.. دخل إليه وقال ما أجمل الزخارف وصنع اليد الخليجية.. فنظر إليه المسؤول وقال: “أين هي يا سيدي.. كلهم عمال مغاربة.. وقد استقدمتهم بنفسي من المغرب.. إنها زخارف مغربية أندلسية جرى انتقاؤها بعناية”. وقبل فترة ذهب أستاذ مصري إلى أحد المساجد المغربية في ألمانيا يريد أن يستبدل كل مصاحف رواية ورش بأخرى برواية حفص وقد حدثت مع غير المصري أيضا.. نظر إليه المدير هناك وهو يقول له: “على أي أساس تحارب الأصل، وهي أول قراءة عرفتها أوروبا..”؟
وقبل مدة عرض مستثمر “شامي” إقامة شراكة مع مسؤول إحدى الجمعيات المغربية، لكنه اشترط لتحقيق ذلك سحب كل كلمة تشير إلى المغرب.. (تقبل الله إحسانك)..
منذ مدة ليست بالبعيدة كنت في جلسة ضمت فلسطينيا وسوريا ومغربيا. كنت أتحدث بلهجة مغربية جلها بالفصحى، مع بطء في الإلقاء.. نظر إلي الفلسطيني وقال لي تحدثي شامي أو خليجي.. قلت له أنا أتحدث بشكل مفهوم وأنت لا هذا ولا ذاك. وبعد ذلك انضمت إلينا شابة تتحدث بلهجة عراقية قوية.. ضحك الاثنان وقالا: “يا الله ما أجمل اللهجة العراقية والأغاني العراقية..”، نظر إلي المغربي مبتسما وكلانا يفهم.. أكملت حديثي بالألمانية مع بعض المصطلحات المغربية العربية الواضحة، وأنا أقول في نفسي: “ناس عمرههم ما يحشموا “.
وذات مره قال لي طالب تونسي وهو غاضب: “حتى ولو تنطبق السماء على الأرض، فلن أكلم مشرقيا إلا بلهجتي التونسية أو بلغة أجنبية. تجد الواحد منهم يفهم اللسان الفرنسي والإنجيلزي والألماني، لكن لما أحدثه بلهجتي يقول لي كلمني عربي. أنا ليس لدي مشكل لو يسألني عن معنى كلمة ما أو أن يطلب مني الحديث ببطء.. لكنه مصر على غروره الذي سكنه بطريقة لم أستطع فهمها”.
أنا لهجتي أندلسية غرناطية.. حتى في تفاصيلها وطريقة نطقي بها، حافظ عليها أهل تطوان، وطنجة وشفشاون وفاس ومكناس.. والله يرحم الزجال الأندلسي أبو الحسن الششتري الغرناطي الذي ترك لنا قصة لقائه بالشيخ الصوفي المكناسي وكتبها بلهجة أندلسية.. تقرأها أنت بلهجة مغربية.
أتذكر السيدة التونسية التي ضحكت من كلمة قلتها لوالدتي “ماما.. اعطيني واحد اللويمينة”.. فناولتني والدتي ليمونة صغيرة الحجم.. نظرت إليها خالتي التونسية وهي تقول: “صدقت.. هي لويمينة فعلا..”.. فقالت والدتي: “لويمنة.. دليللحة.. الفليفلة.. القطيوطة.. كل ما هو صغير الحجم يوجد له تصغير.. وهي من تراث الحديث الأندلسي لا نتحدث به في المغرب إلا نحن سكان الشمال”.. (نعم يا أمي قرأتها في كتب التاريخ أيضا).
حقيقة لا جدال فيها.. كثير من أهل المشرق لديهم عنصرية ضد الكينونة المغاربية، ومشكلة اسمها التمركز حول الذات، وأهل العلم فيهم يعلمون هذه الآفة.. وقد قالها طه حسين في القرن الماضي لرواد عصره من الكتاب: “أنتم تدمرون اللغة العربية الفصحى بمؤلفاتكم التي هي بالعامية، والمشكلة أنكم تظنون أنها العربية وهي أبعد ما تكون عنها”.
وللعلم فاللهجة المغربية خزان كبير لعدد من المفردات العربية الفصحى التي ندر تداولها. يقولون للنار “العافية” لأنهم يعلمون أنها تحرق فيتقون شرها بعكس معناها.. ويقولون “بزاف” وهو من الزأفة أي الكثرة.. ويقولون “ديالي” وهو اختصار لقول هذا لي.. ويقولون عن الكلام “الهدرة”، وهي إحداث صوت.. ويقولون ويقولون..
وفي الأخير تجد من يأتي ليقول لك: لو سمحت “كلمني عربي”.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.