0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

شهادة لله” في حق السي عبد الله بوصوف ومجلس الجالية – التجاني بولعوالي

قبل انطلاق الدورة 24 للمعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء نشرت تدوينة على الفايس بوك أشرت فيها إلى أن “300 كاتب مغربي وعربي وأجنبي تمت دعوتهم لحضور المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء 2018، وليس منهم ولو كاتب واحد من مغاربة العالم! لا تفقدوا الأمل أصدقائي ربما اللائحة مؤقتة!” وقد اثارت هذه التدوينة، مثل باقي التدوينات التي أطلقها من الفينة إلى الأخرى، جملة من الردود والتعليقات، بل وأكثر من ذلك، دفعت أحد أصدقائي إلى الاتصال بي، والاستفسار عن مدى حقيقة ما ورد في التدوينة، فبينت له بأن هذه المعلومة استقيتها من قصاصة إخبارية نشرتها وزارة الثقافة في موقعها الرسمي قبل ايّام، وما عليك إلا تصفح بوابة الوزارة الرقمية للتأكد من صحة ذلك.
وقد أخبرني صديقي في مكالمته بأن مجلس الجالية المغربية سوف يشارك في فعاليات المعرض الدولي للكتاب، وأنني سوف أتلقى الدعوة للمشاركة في إحدى الندوات التي ينظمها رواق مجلس الحالية حول مغاربة العالم والتنوع. في الحقيقة، صدقت كلام صديقي حول الدعوة المُحتملة من قبل المجلس، وهذا ما أكده لي الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بنفسه في جلسة خاصة جمعتني به يوم15 فبراير ما بين الثامنة والتاسعة مساء.
تسلمت الدعوة الرسمية للمشاركة من قبل مجلس الجالية مباشرة عقب تلك المحادثة التي تمت بيني وبين صديقي العزيز، فانتابني إحساس غريب شتت أفكاري ومشاعري، وجعلني أتردد في قبول هذه الدعوة. ولعل مرد ذلك إلى طبيعة النقاش”السلبي” الذي يتغذى على ما يُنشر في بعض شبكات التواصل الاجتماعية حول المجالس والمؤسسات المغربية العاملة في الخارج، ما أنتج صورا نمطية معينة حول بعض الأشخاص والمثقفين والمسؤولين والسياسات. وما دمت قد تعمقت بحثا في مسائل الصورة النمطية وصورة الآخر والقولبة والتنميط والنظرة المتبادلة، دون إغفال عامل التقدم في السن، فإنه لم يعد من عادتي أن أصدر حكما ما حول شخص أو مؤسسة أو ظاهرة معينة إلا بعد التجريب والتثبت والمعايشة، وهذا ما حصل لي مع الغرب الذي لم أكتشف حقيقته إلا في السنوات الأخيرة، رغم أن استقراري فيه يقارب عقدين من الزمن، وظلت كتاباتي الأولى لا تخلو من عناصر الصدام الحضاري ونظرية المؤامرة وتركة الحروب الصليبية وغيرها! بل وإن هناك من الأصدقاء من حذرني “عن حسن نية منه” من هذه المشاركة، التي ربما قد تحرقني كباحث ومثقف مستقل.
ومع ذلك كله، كان ينبعث من أعماقي صوت “متعقل” يبدد شكوكي، ويحد من تشتتي، ويقطع حبل ترددي، وهو يحضني على المضي قدما، وعدم الالتفات الى الوراء (أو بالأحرى النظر بغضب إلى الوراء كما جاء في عنوان إحدى مسرحيات الكاتب البريطاني جون أوزبرون)، لأن هذه المشاركة من شأنها أن تشكل هامشا مهما لإماطة اللثام عن الحقيقة التي ينشد كل مغاربة العالم أن تصل إلى ذوي القرار بدون أي مساحيق أو رتوشات، وعن الحقيقة التي أضحت تقتضي اليوم مقاربة مغايرة لما كان يهيمن في تناول سياق الهجرة، وقد شددت في مداخلتي أثناء إحدى ندوات المجلس على أن من بين المزالق المنهجية، التي ما انفكت تهيمن سواء لدى مؤسساتنا الرسمية أو لدى العديد من باحثينا، أنه رغم التحول الديمغرافي والهوياتي لدى مغاربة أوروبا والغرب من سياق الهجرة إلى سياق المواطنة، فإنه لا يزال يتم التعامل مع السياق الجديد بالآليات والميكانزمات نفسها التي كانت مهيمنة في سياق الهجرة، الذي سوف يندثر ويتبدد بموت أجيال الهجرة الأولى، ولن تبقى في الواقع الأوروبي والغربي إلا الأجيال الأخيرة التي ولدت ونشأت وتربت في الغرب.
وهكذا، عقدت العزم في آخر المطاف على أن أشارك من موقعي كباحث أكاديمي ومفكر مستقل، يضع وطنه المغرب فوق كل الاعتبارات، ويظل منشغلا إلى حد أقصى بمصير أجيال “الهجرة” الصاعدة، لذلك يحاول ما أمكن أن يبحث في مختلف الإمكانيات المتاحة لإعداد جيل مغربي ناجح وفاعل على المديين المتوسط والبعيد؛ جيلٍ يحمل هوية منسجمة متعددة لا ممزقة مشتتة، ويوفق بدون أي صعوبة أو عقدة بين انتمائه إلى وطن أجداده وآبائه الأصلي من ناحية، وانتمائه إلى الغرب الذي احتضنه بدفء ومنحه إمكانيات النجاح والإسهام والإنجاز من ناحية ثانية.
بمعنى أن حضوري سوف يتخذ لا محالة طابعا “محايدا”، لأنني لم أسْعَ إلى ذلك حثيثا، ولم أطلب تزكية أي جهة رسمية أو حزبية، ولم أسأل وساطة أي صديق أو “معرفة”. بل وأكثر من ذلك، لم يسبق لي أن تعرفت شخصيا على أي عضو أو موظف في مجلس الجالية، عدا بعض “لايكات” الإعجاب العابرة والتعليقات الخفيفة التي بات يوفرها لنا العالم الأزرق العجيب. وربما هذا ما حصل لي مع عشرات المؤتمرات والندوات واللقاءات التي شاركت فيها وبعض الجوائز المتواضعة التي نلتها، إذ لم أحاول على الإطلاق استجداء أي جهة لتزكيتي أو قبولي، عادة ما تأتيني الدعوات من جهات لا تخطر ببالي أبدا، أو أتقدم بورقة أو بحث أكاديمي يخضع للقراءة والتقييم من لجنة علمية، وحتى بعض الجوائز والتتويجات القليلة التي كُلّلت بها لم أتقدم لأكثرها بشكل شخصي، بقدرما تمت على أساس متابعة إسهاماتي الأدبية والفكرية. حقا، حاولت أن أترشح لبعض الجوائز في وقت مضى، غير أنني عندما اكتشفت أن أغلبها يتم “طبخه” بشكل مسبق، أقلعت عن هذا الفعل، ولم أعد ألتفت إلى مثل هذه التتويجات “المفبركة” والمزيفة، فما أكثر النصوص الفائزة بأرفع الجوائز التي لا أثر لها، وما أكثر النصوص المقصية التي تظل حية وحاضرة! ولعل هذا ما يؤكد قول أحد أصدقائي المحبوبين الذي قال لي بأن افكارك النوعية والصادقة التي تتجاوز الحدود الإيديولوجية والجغرافية هي التي ترشحك لجهات لم تفكر فيها بتاتا!
كان حضوري إذن في فعاليات مجلس الجالية، بكوني كاتبا وباحثا يشتغل على قضايا الاسلام والغرب والهجرة، بنيّة أن أعبر عن جانب من مقاربتي الشخصية والفكرية التي هي عصارة حوالي عقدين من الاستقرار في هولندا وبلجيكا، فلم أتابط ملف طلب دعم مادي، فأنا قنوع بما يوفره لي عملي المتواضع. ولم أمثل مركزا أو مؤسسة أو جمعية ثقافية أو دينية، لأنني لم أعد أومن بالكثير من مؤسسات المجتمع المدني، وأُحيّي القلة القليلة من الشرفاء الذين لا يزالون مستمرين دون أي دعم رسمي أو حزبي، وألتمس من مجالسنا في الداخل والخارج أن تلتفت إلى هذه الفئة التي يمكن التعويل عليها في ترسيخ الهوية المغربية لدى الأجيال المغربية الصاعدة. ولم أسع الى نشر كتاب على نفقات مجلس الجالية، فعادة ما يقترح علي بعض الناشرين تقديم كتاب للنشر أو الإسهام في كتاب مشترك، وأثمن بهذه المناسبة جهود المجلس الذي أصدر إلى حد الآن 200 عمل فكري وقانوني وإبداعي حول مختلف قضايا الهجرة، ومن شأن هذا التراكم المعرفي أن يغني المكتبة الأكاديمية والعامة، ويوفر للباحثين والطلبة مصادر ومراجع قيمة تساعدهم على تعميق البحث في المسائل والإشكالات التي يشتغلون عليها. ولم أذهب بنية تلقي أي مكافأة أو تعويض مالي، لأنني أدرك بحق وبعمق أن مثل هذه المشاركة واجب “وطني” علي كباحث ومثقف للمساهمة في تشخيص مختلف قضايا مغاربة العالم وتحدياتهم من جهة، والكشف عن أعطاب التعامل المغربي مع ملف الهجرة؛ حكوميا وأكاديميا وإعلاميا من جهة ثانية.
قلت إنني لم أعد أومن بالكثير من مؤسسات مجتمعنا المدني، وهذا الكلام نفسه يتردد على ألسنة الكثير من المثقفين والكتاب والإعلاميين والفاعلين الجمعويين نفسهم، بل وقد تردد على لسان الأمين العام لمجلس الجالية المغربية د. عبد الله بوصوف، ونحن نتقاسم أطراف الحديث عن مختلف قضايا وتحديات مغاربة العالم. لقد يمّمت وجهي شطر الدار البيضاء لأشارك بمداخلتي حول سياق الهجرة الجديد في أوروبا، ثم أعود قافلا من حيث جئت، وأثناء توجهي إلى الفندق سألت ما إذا كان السيد الأمين العام موجودا لألقي عليه التحية وأشكره على الدعوة الكريمة، وأُخبرت بأنه سافر إلى إسبانيا لتقديم الترجمة الإسبانية لكتابه: الإسلام والمشترك الإنساني: تسامح واحترام وعيش مشترك، في مؤسسة البيت العربي في مدريد، فشكرت بالنيابة الأخت التي كانت تشرف على الاستقبال، وتعرفت بعدئذ بشكل شخصي مباشر على الأساتذة المحترمين أحمد السراج، مصطفى المرابط وجواد الشاقوري، وتحدثت معهم أثناء لحظات متفرقة عن شتى قضايا الهجرة، فأدركت أن الجميع يبذل قصار جهده في خدمة مغاربة العالم، خلاف ما تنشره بعض شبكات التواصل الاجتماعية، وما يردده بعض الساخطين على المجلس وعلى الوطن وعلى أي شيء! أقول هذا الكلام “شهادة لله”، ولا أبتغي من ذلك جزاء ولا شكورا!
بينما كنت في بهو الفندق أثناء اليوم الثاني من إقامتي، على أن أغادر اليوم الموالي حسب اتفاق الحجز، إذا بالسيد الأمين العام يدخل ويتجه إلى الجناح المخصص لمجلس الجالية، توجهت لإلقاء التحية عليه، فاستقبلني بدفء وهو يعانقني كأنه يعرفني منذ زمن بعيد، فرحّب بي وهو يعبر عن انشراحه لحضوري ومتابعته لما أقوم به من أنشطة. دار الكلام بيننا في البداية بالعامية المغربية، ثم تحول دون أن نشعر إلى الريفية. أخبرت السيد الأمين العام بأنني شاركت اليوم في الندوة التي استُدْعيت لأجلها، وغدا سوف أغادر الفندق لقضاء اليوم الأخير من زيارتي مع بعض أفراد العائلة في الدار البيضاء، ابتسم لي ربما لسذاجة كلامي كما شعرت أثناء تلك اللحظة، وقال لي بأنني الآن ضيف عليهم وأنني لن أغادر، وأنه يريد أن يجلس معي. وفيما بعد سوف أكتشف أن بعض الحاضرين يحلمون بالجلوس مع سيادة الأمين العام، ويتوسلون إليه لدعم المشاريع التي يحملونها معهم، ويتقنون في تنميقها و”تزويقها” علّها تحظى بالقبول! وقد سمعت بأذني من أحد أعضاء المجلس أن هناك من اتفق مع المجلس على القيام بمشاريع معينة، فتلقى الدعم المالي الكافي قبل سنوات طويلة، غير أنه لم يف بوعده إلى حد اليوم! فتساءلت بألم في قرارة نفسي؛ كيف ننتظر من هؤلاء اللصوص والشحاذين خدمة الوطن ومغاربة العالم؟ وهذا لا يعني أي إساءة للفاعلين المدنيين والباحثين والمثقفين والإعلاميين الشرفاء المعروفين بنزاهتهم ومثابرتهم وجهودهم المشهودة، الذين يستحقون مزيدا من الدعم المادي والمعنوي، سواء من مجلس الجالية أو من غيره من المؤسسات المغربية العاملة في الخارج والداخل.
ضربت موعدا مع السيد الأمين العام، وعندما حانت ساعة اللقاء المتفق عليه، أخذتني الكاتبة الى القاعة المخصصة لذلك، انتظرت بعض الوقت إلى أن جاءني وعلى محياه ابتسامة عريضة، تبادلنا التحية، ثم شرعنا في تجاذب أطراف الحديث بشكل مفتوح دون أي شكليات أو “بروتوكولات”، طلب مني أن أحدثه عن نفسي وعن مساري الدراسي والأكاديمي والفكري، وظل يصغي إلي بانتباه تام وعميق دون أي مقاطعة أو سؤال، حتى أنني انتبهت لنفسي، وقلت في قرارة ذاتي ربما تكلمت أكثر مما يقتضيه المقام في حضرة السيد الأمين العام، وأن مثل هذه الجلسة الخاصة تتطلب مزيدا من الحذر واللياقة، وإلا فإننا سوف أكون ضيفا ثقيل الظل! بعد ذلك، سألت السي عبد الله حول تجربته في ستراسبورغ، وحدثني عن أمور كثيرة لم أكن أعرفها عنه وعن الخدمات الجليلة التي قدمها لمسلمي ستراسبورغ، وعلى رأسها دوره الرئيس في تأسيس المسجد الكبير هناك، ثم عن اهتمامه بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، ولعلّنا نلتقي كثيرا في هذه المسألة، لاسيما وأنني أشتغل منذ عامين على المرجعية الكتابية في ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الهولندية في جامعة لوفان ببلجيكا.
وعقب تعارفنا الشخصي بسطت الحديث عن بعض حيثيات المقاربة الجديدة التي يتحتم على الدولة المغربية اعتمادها، إذا هي أرادت الحفاظ على الأجيال المغربية الأخيرة التي ولدت في الغرب، وقلت بالحرف أنه إذا كان المغرب يستقبل اليوم في فصل الصيف فقط أكثر من ثلاثة ملايين زائر من مغاربة العالم حسب إحصائيات عملية عبور 2017، فإن هذا العدد سوف ينزل بعد ربع قرن إلى حدود ثلاثة عقود إلى نصف مليون شخص، إذا استمر التعامل الرسمي والحكومي مع مغاربة العالم بهذه الكيفية الارتجالية واللاعقلانية، وأضفت بأنه إذا كان المغرب يستقبل اليوم سنويا سبعة مليارات دولار من تحويلات مغاربة العالم، فإن هذا المبلغ سوف يتقلص إلى نصف مليار دولار بعد عقدين أو ثلاثة عقود، بل وإن هناك الآن من الأبناء من يبيع أملاك الآباء في الوطن ويحولها إلى الخارج! لذلك يجب أن نعمل في اتجاه ربط الأجيال الأخيرة بوطنها الأصل، ولا يتم ذلك إلا بالعمل على ترسيخ جانب الهوية المغربية، لاسيما وأننا أمام جيل ما بعد حداثي لا يحتاج إلى أي دعم لغوي أو تكنولوجي أو مهني أو منهجي، بل إلى توعية عقلانية متوازنة بتاريخه وثقافته وعناصر هويته الأصلية. ولن يتم تحقيق ذلك بإلقاء المحاضرات العادية وعقد الندوات الرتيبة وتنظيم الأمسيات الغنائية الماجنة التي تنفق عليها آلاف اليوروهات، بينما هناك من الجمعيات التي تقدم هذه الأنشطة منذ سنوات طويلة بشكل منتظم دون أي دعم مادي أو لوجيستي.
بعد أن استنفذت حديثي عن مقاربتي الجديدة للتعاطي مع مغاربة العالم، قال لي السي عبد الله هذا هو الخطاب الذي أريده، ربما كان يصغي إلي بعقل المفكر لا الموظف السامي في مؤسسة رسمية رفيعة، وهذا ما أحسست به شخصيا، لأنني ألتقي لأول مرة بمسؤول رسمي في جبة مفكر خبير في مجال الهجرة والتاريخ والأدب وهلم جرا. وفضلا عن ذلك، فهو يشعر بثقل ملف الهجرة، ويأسف على التعاطي الحكومي المحتشم معه، لاسيما في البرنامج الحكومي الذي يُغيّب مغاربة العالم، رغم إسهامهم الكبير في التعريف بالثقافة المغربية من ناحية، وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني من ناحية ثانية، وبسبب الضغط المتواصل لمجلس الجالية تم إدراج مغاربة العالم لأول مرة في البرنامج الحكومي الأخير. ومع ذلك، فإن السي عبد الله غير راضٍ على ذلك، لأن هذا العنصر الحيوي ضُمّن في الفصل الأخير من البرنامج، تحت عنوان: العناية بالجالية المغربية في المهجر، حيث تم الاقتصار على بعض النقاط فقط مما قدمه الأمين العام شخصيا لرئيس الحكومة الحالي.
ولعل التراكم الإبداعي والفكري اللافت الذي حققه السي عبد الله والأخلاق الحميدة التي يتحلى بها، تجعلني أعتبر هذا الرجل مكسبا مهما لمغاربة العالم، هذا ما خبرته عن كثب، بعدما كنت قد سمعت وقرأت كلاما “سلبيا” كثيرا عن الأمين العام ومجلس الجالية، غير أن هذه الزيارة كشفت لي عكس ما يَرُوج ويُرَوّج، ولم أر في المجلس؛ أعضاء وموظفين ومعاملة وإسهاما إلا ما يروق ويبعث على الاطمئنان، وقد سبق لي أن قلت في مناسبة ما أنني شخصيا ليس لدي أي مشكلة مع الأشخاص أو المؤسسات، بقدرما لدي مشكلة مع طريقة العمل والتعاطي مع ملفات الهجرة ومغاربة العالم، والكلام نفسه رددته في حضرة السي عبد الله، فلم ينكر ذلك علي، ولم يزبد أو يرعد، كما يحصل في العديد من مؤسساتنا من أي موظف عادي، فما بالك والجالسون على قمة الهرم الإداري، بل قبل ملاحظتي النقدية بروح رياضية وبقلب رحب.
ما أحوج الوطن إذن ومغاربة العالم أيضا إلى مقاربة جديدة، ولعل السي عبد الله واع أيما وعي بهذا الأمر، ويفكر في تعاط مغاير يأخذ بعين الاعتبار التحول الجذري الذي يشهده الوجود المغربي والإسلامي في أوروبا والغرب، حيث نبغت نخب متنوعة في شتى المجالات، تقتضي علاقة خاصة من قبل الدولة والحكومة ومختلف المجالس، وهذه النخب غير مسكونة بالهاجس المادي، كما كان مهيمنا لدى الأجيال الأولى والوسطى إلى حد ما، بل هناك ما هو أعظم يتعلق بسؤال الكينونة؛ نكون أو لا نكون كما رددت الشخصية الشكسبيرية هاملت، وبمصير جيل بأكمله، يتجاذبه اليوم قطبان متضادان: الهوية المغربية الأصلية وهوية الواقع الغربي الذي أصبح يشكل هذا الجيل جزءا لا يتجزأ منه. فهل أجيال الهجرة الأخيرة مؤهلة لأن تمثل دينها الإسلامي وهويتها المغربية وثقافتها الأمازيغية والعربية؟ وإلى أي حد سوف نضمن بقاء الأوروبيين والغربيين من أصل مغربي أوفياء للوطن الأصل الذي هو المغرب بعد مضي ربع قرن من الزمن؟ وهل تملك مؤسساتنا المعنية بمغاربة العالم استراتيجية علمية وعقلانية متكاملة تشتغل بشكل استشرافي على مستقبل الشريحة المغربية في أوروبا والغرب؟ وقد اقتنع السي عبد الله حقا بهذه الرؤية الاستشرافية، وقال لي بأنه على أتم الاستعداد للعمل في هذا الاتجاه، وأن مجلس الجالية يرحب بأي مشروع جاد يشتغل على إرساء مقاربة شمولية استباقية تركز على توجيه الأجيال المغربية الأخيرة بشكل متوازن، يجعلها تتشبث بالهوية المغربية والإسلامية الأصلية، وتتفاعل في الوقت ذاته إيجابيا مع السياق الأوروبي والغربي الذي باتت تشكل جزءا منه.
بعد أن امتدت بِنَا الجلسة إلى حوالي ساعة من الوقت، وتشعب حديثنا الشيّق والمؤسّس في كل اتجاه، أزفت لحظة الافتراق، فتبادلنا ما خطته أناملنا من أسفار، حيث أهديت السي عبد الله مجموعة من كتبي الصادرة، كما أهداني هو مجموعة من مؤلفاته القيمة، وهو يشد بيديه على يدي بدفء، ويذكرني بأن مجلس الجالية يرحب بأي مبادرة أو مشروع يشتغل على مستقبل الأجيال المغربية الأخيرة.
أردت من خلال هذه المقالة أن أبلّغ رسالتين جوهريتين؛ إحداهما أن أجيال الهجرة الأخيرة التي هي أبناؤنا وفلذات أكبادنا، يتحتم أن تشكل اليوم أولوية الأولويات، والجميع مسؤول عن مصير هذه الشريحة المغربية الأصل، التي سوف تجد يوما ما نفسها وحيدة مفصولة عن هوية وتاريخ وثقافة أجدادها وآبائها، لاسيما عندما تموت أجيال الهجرة الأولى والوسطى، ولا نعرف كيف سوف تنظر إلى المغرب، أو بالأحرى كيف سوف يحضر المغرب في ذاتها وذاكرتها وواقعها، بكونه حلما عابرا سرعان ما يمرق ويختفي من النفس والذهن، وهذا ما نخشاه، وينبغي أن نعمل على تفادي حدوثه، أو بكونه ذكرى جميلة لا تحضر إلا في المناسبات الخاصة والعامة، حيث يصير الوطن جزءا من تاريخ الهجرة، أو بكونه وطنا حقيقيا يحضر لديها بالكيفية نفسها التي كان يحضر بها لدى الآباء والأجداد، ولعل هذا ما نتمناه بلا شك، ويقتضي منا تجندا والتزاما حقيقيين. أما الرسالة الثانية فأود أن أثبت من خلالها ما مؤداه أنه حسْبُنا ما ضيعناه من زمن طويل في الصراعات الداخلية التافهة، وحسْبُنا ما بددناه من جهود جسيمة في خدمة المصالح الذاتية والإيديولوحية على حساب الصالح العام، وهذا نفسه ما يتكرر الآن لدى فئة من سماسرة الدين والثقافة والإعلام، وأعتقد أن مجلس الجالية صار يدرك هذه النقطة السوداء في ملف الهجرة، فأرجو أن يكون حدسي صائبا، وآمل أن يعتمد المجلس مقاربة استشرافية جديدة، تتأسس على النقد الذاتي والتقييم الخارجي والنقاش الموسع والمصالحة مع مختلف مكونات المجتمع المغربي في الخارج.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.