0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

قراءة في رواية شجرة اللوز لسماح الجمال – د. جميلة الكجك

 
 مدهشة، رائعة، مشوقة، جريئة، صادمة. كانت هذه هي الانطباعات الأولية التي خرجتُ بها من قراءتي لهذه الرواية التي لم أتركها من يدي إلا بعد أن انتهيت من قراءة آخر حرف فيها. كانت صدمتي الأولى منذ الفصل الأول للأحداث. شجرة اللوز هذا المجتمع الجميل المزهر المخضر من سيظن أنه قد يطرح المرار هذا كله، يخفي في كثافته سما قاتلا بحق؟! حالات مأساوية لم تكن لتخطر لي على بال وأنا أتتبع الأحداث، تراودني عديد الأسئلة، أهذا كابوس انتاب تلك الكاتبة الرقيقة التي أعرفها عن قرب، تلك الوديعة الشفافة النفس. مؤكد أنها تسرد لنا حلما مزعجا ما، أو ربما هي لوحة سريالية ترسمها بالحرف والكلمة والعبارة، إذ لا منطقية في الأحداث؟! رعب استبد بي، نعم لكن الأمور أخذت تتضح فهذه “أميرة” بطلة الرواية تعيش كابوسا نفسيا حقيقيا تمكنت “الروائية” من قصه بكل الدقة حتى تفاصيل التفاصيل.
استخرجت ذاك الثعبان الذي يستبد بالبطلة من أعماق ذاتها، جعلته يواجهها، إنه ثعبان الشهوة الذي ينهش روحها قبل الجسد. أيمكنه أن يلتهمها أم ستنتصر عليه، وهو حاجة بشرية كما كل الحاجات الأخرى، لكنه حين يستبد بنا يلتهم العقول حتى آخر متاريسه في صراع  أشد وأقسى من الصراع الحقيقي في الحروب، في ساحات القتال، لأنه يريق إكسير المقاومة على مذابحه، وقد يؤدي إلى الجنون في حالة من صراع الوعي واللاوعي، بين شتى الغرائز وأهمها غريزة البقاء، في دفاع عن الذات الحرة مقابل الاستلاب، كينونة الروح قبل كيان الجسد..
المبدع عامة سواء كان فنانا يرسم بالريشة أو يكتب بالقلم، يعزف، يلحن، يمثّل، يؤدي أي نشاط أساسه وجدانه هو، يقرأ الإنسان من الداخل من داخل ذاته، من خلال معارفه، ثقافته، واقعه الذي يحتويه، هو قارئ مثله مثل أي ناقد عقلاني إلا أن الأداة تختلف وكذا الطريقة أو المنهج. فالناقد الذي يستخدم المنهج التحليلي العقلي المباشر يحلل النص بصوره وعباراته ونسيجه عامة، يفكك كل ذلك ليوضح ويشرح ويقدم حكما ما، ليلقي الضوء هنا، ويوضح الغامض هناك، ثم يعيد التركيب من جديد ولكن بعد أن يعطي صورة منطقية محكمة التشكيل. بينما نجد أن المبدع يقوم بكل ذلك ولكن من خلال رموز واستعارات وكنايات وسرديات تحكي ما لا يمكن للمنطق الجاف أن يحكيه حيا كما هو في الحياة. ولذا كانت هذه الأدوات الجمالية ذات فعالية أقوى وأجدى في التغيير وفي التأثير في نفوس الناس، فهي تأتي موازية للحياة الواقعية، ولكن بنكهة ألذ وأشهى، تفتح لك نوافذ على ذاتك أنت أكثر مما تفتحه على ذوات الآخرين ومن هنا تأتي الاستجابة، ومن هنا تزداد الفعالية.
وبسبب ما سبق لي قوله أود أن أشير وأنبه إلى أمر جد ضروري ومهم قلته أكثر من مرة من أن النقد في الأساس هو تحليل، تحليل للكلم المنطوق أو المكتوب أو للسلوك بكل ألوانه حتى وإن كان مجرد حركات تعبيرية، فالإنسان بالذات من بين المخلوقات كلها مهما كان بسيطا يصدر في كل ذلك عن وعي سواء كان هذا الوعي سطحيا ضحلا أو عميقا ثرا، لذا ليس من الضروري أن يكون من يقوم بالتحليل النقدي باحثا عن العيوب أو المزالق أو نقاط الضعف والخلل، بل إن عمله في كثير من الأحيان يبدأ بالحفر ما دون أصول وجذور النص أو السلوك بحثا في مرجعيات الحدث والمكان والزمان الذي احتضنه والذات التي أنشأته، وعلى أي من تلك الأسس كان البناء.  بهذا التحليل النقدي تتضح لنا متانة العمل أو هزاله دون التصريح المباشر الفج بالمثالب والتقاطها كما يلتقط الطائر حبات الحنطة وهو يتطلع حوله. وهذا ذاته ما يفعله المبدع ولكن بأدوات وطرق مختلفة سبق لي التحدث عنها.
 والآن إن أردنا إسقاط مفهوم النقد هذا كما قدمتُه لكل من منطق العقل وللعمل الجمالي الفني كل على حدة، نجد أن الروائية هنا أخذت المجتمع ككل واحد ثم قامت بتحليله إلى مجموعات ثم إلى فصول رئيسة هي: أميرة، سلوى، ماجي، وفصول أخرى ثانوية متعلقة بها كالأم والأخت والأب والزوج والحبيب.. إلخ. لنجد أن الروائية قد قامت بتحليل جد دقيق للذوات كلها وصراعها مع الأحداث والقيم والواقع ومتطلبات النفس والجسد، من يقرأ كل ذلك يدرك مباشرة مواضع الخلل في هذه الشخصيات، يدرك ما كان عليها أن تقوم به أو تمتنع عنه، يشمئز من بعض الأفعال ويكرهها رغم أنه يعلم في قرارة نفسه مدى حاجة هذه الشخصية أو تلك إلى إشباع غريزة تتحكم فيه أكثر مما يمكنه أن يتحكم بها، لكن توجيه الكاتبة الخفي، غير المباشر تدفع بلاوعي القارئ إلى استهجان الفعل ورغبته الشديدة بأن يكون غير ذلك. فإن كان التحليل النقدي العقلاني يقول لك مباشرة لا تفعل هذا والتزم بذاك، هنا التحليل الجمالي يدفعك دون وعي منك إلى الحكم حتى على نفسك بالإدانة دون أن تدرك لماذا أدنت نفسك إلا أنك كرهت أو أحببت السلوك. ولا يتبن لك الأمر على حقيقته إلا بعد أن تراجع نفسك وتمنطق إحساسك. هذا هو التأثير الحقيقي للفن بمختلف أجناسه وأنواعه. أنه يعبر الجسر مباشرة إلى الوجدان، إلى الذائقية إلى الضمير عبورا مباشرا دون أن يمر بالمحاسبة العقلية المنطقية. ولهذا كان الفن والأدب عامة والمسرح خاصة أهم أدوات التأثير في الجماهير عندما يراد لها أن تساق وراء أفكار معينة مدروسة. ولهذا السبب أيضا تحارب الروايات والفنون ذات التوجهات التي لا تخضع لسلطة الحاكم المستبد أو الدولة التي تحرص على تشكيل أبنائها بطريقتها الخاصة.
الفن حرية، والإبداع تحرر من كثير من القيود، والمبدع أهم الفاعلين في إحداث التغيير. وهذ الرواية أخذت حظا من هذا الأمر كبيرا لما احتوت من تحليل جريء ودقيق سنحاول دراسته وتفصيله.
العنوان وصورة الغلاف من خلال وجهة نظر الروائية ومن خلال وجهة نظر الكاتبة. وهل من إيحاءات ما تقدمها هذه اللوحة التعبيرية؟
كتبت الروائية إلى كل امرأة تحلم بالحب في مجتمع غير جدير به،  غير مؤهل له قائلة: “كوني قطعة شوكولاتة لذيذة، طرية. تذوب عشقا. ولكن لا تخلو من حبات اللوز القاسي.. كوني قوية، كوني أنت.”
 وأقول: نعم، كوني أنت بإصرارك وقوتك اللينة، التغيير ذاته أيتها المرأة الأنثى بحق. فأنت لست نصف المجتمع بل أنت أساس بنيته، أنت الأم التي تربي وتزرع القيم، وأنت الزوجة التي عليها أن تتعلم كيف تدير مملكتها، وأنت الحبيبة التي عليها أن تعرف كيف تحتوي حبيبها، إن تخاذلت عن دورك أضعت المجتمع كله، ثم تتباكين على حظك السيء وأنت من صنعته بيديك. قد تقولين المجتمع الشرقي والرجل الشرقي وانت أم الرجل وزوجته وحبيبته وأخته.. إلخ، ولكن من صنع أخلاق الرجل ومن خارت قواها أمامه ليهضم حقها، بل ليأكله ويأكلها! نعم كوني أنثى حقيقية ولكن دون أن تتنازلي عن أي حق من حقوقك. بهذا تلتقي وجهتا نظرة الروائية والقارئة وتنسجمان.
وبالنسبة للغلاف فقد جاءت اللوحة التعبيرية لتتناسب مع الصراع النفسي العميق الذي عايشته بطلة الرواية، عاشت بعدة وجوه، بعدة حالات نفسية شديدة التناقض، عاشت عمياء عن حقائق دنياها، كأنما هي عدة شخصيات في إيهاب كينونة واحدة. وهذا أمر طبيعي في مجتمع تجتمع فيه القيم المتناقضة ككل واحد ولا يجد حرجا في ذلك. ترتد البصيرة من عالم واقعي علينا مراعاته إلى لاوعي شّكله الآخرون، زرعوه فينا فعميت البصيرة وضاعت النفوس في متاهات لا حصر لها، وما عدنا نرى شيئا إلا رغبات ذات مبتورة عن جناحيها التي عليها أن تعيش بهما: جناح العقل وجناح الواقع، فما الذي يتبقى لنا حينها غير جسد خاوٍ من فعالياته الإنسانية الحقة، والأغرب من كل هذا أننا نمر بالتجربة إثر التجربة لكننا لا نتعلم أبدا ونعود إلى سيرتنا، هذا ما فعلته بطلة الرواية، وأراها قد فعلت هذا دون وعي منها، تساق إليه وهي عاجزة تماما عن التحكم في إيقاف عجلة بدأت بالتدحرج إلى أسفل، ترى إلى أين يمكن أن تصل، وأين سيكون مستقرّها، وهل يمكن إيقافها؟
 خلقنا فرادى، لنا خصوصيتنا الذاتية الفريدة، لكل منا جسد واحد وحيد لا تتصل أجزاؤه بالآخرين اتصالا ماديا إلا ذاك الجسد الذي تشكل داخل رحمه، فيه يتخلق، وما أن يكتمل حتى ينفصل عنه لنعيش تفاصيل حياتنا نحن. نقترب من بعضنا البعض نعم، لكن الأنا مستقلة، إحساسنا بالسعادة، بالعذاب بآلامنا الجسدية والمعنوية مهما شاركنا الغير تبقى تخصنا، لن يعيشها أو يحملها عنا حتى صاحبة ذاك الرحم الذي تخلقنا فيه. حقيقة مفزعة لكنها واقع نعيشه ونعانيه. لا حبيب ولا صديق، لا أحد، وغربة الذات تبدأ من هنا. فكيف نتخلص منها. هذا هو التفرد الذي يجعل من كل واحد هو ذاته، يشكل هويته، يجعله بشرا يسعى لأن يكون سوي النفس. وبقدر قدرته على ذلك يكون إنسانا يرقى إلى منزلة فوق منزلة الملائكة ويستحق رضا الله. وبقدر سعينا هذا نقترب من مصدر أنسنا الحقيقي -الله- خالقنا. نأتي هذه الدنيا لنعيش تجربة تخص كلا منا بداية من آدم وحواء وحتى آخر بشري ينتهي به عمار الأرض.
نعم، يعيش كل منا تجربة فريدة، يخوض غمارها، يكتوي بنار خبرات الوقائع التي يمر بها، يتقلب في عذاباته غالبا وفي النعيم أحيانا، وعليه أن يمضي حتى النهاية، حتى آخر نفس يُسترد. ولو أنصفنا ذواتنا لما نصّبنا أنفسنا قضاة على بعضنا البعض، فوجودنا في هذه الحياة تجربة، اختبارا، فرصة، وإن كانت هي الفرصة الوحيدة. ولكن لم هي -الوحيدة-؟ لأن الله أكرمنا بالوعي الذي تصدر عنه خياراتنا، ولأنه منحنا في هذه الفرصة الوحيدة خط إنابة، مشرعة أبوابها لا تغلق أبدا.
هذه قد تكون مقدمة طويلة مني لأقول للروائية أنك أحسنت “سماح الجمال” إذ لم تقدمي أية أحكام قيمية، بل قدمت صورة دينامية “تزخر بالحياة” للشخصية الرئيسة في روايتك، تحدثت بلسانها، وهي تسرد في تسجيلها لما حدث معها وسبب لها كل تلك المعاناة. دفعت بأفق الأحداث حتى أعمق نقطة في ذاتها، واستطاعت سرد الأحداث حتى ظننت أن ما بين يدي قصة تصلح لأن تكون مسرحية وليست مجرد رواية. مسرحية تنتمي إلى المسرح الواقعي. جعلتها تعيش ذاتيتها الحقيقية كما هي، كتبتها بكامل الجرأة ولم تخدشي قيمة من القيم. توازن جميل صنعت منه موقف محايدا. أظهرت ضعفها كآدمية، وقوتها كذات تحمل قيمها على كاهلها المثقل، يميل بها في كل الاتجاهات حتى وقعت صريعة، مُزقت أعصابها لما آل مصير صديقتها إليه وهي تعلم حقيقة صراع تلك الصديقة الصدوقة معها. قيم.. تختل موازينها فنعاني، ونحن من يعجن تلك المعاناة ويخبزها ثم يتناولها رغم كراهتها.
تمكنتِ “سماح” من إثارة أهم قضية في مجتمعاتنا، قضية “القيم” وما ينبثق عنها من مبادئ وأسس وسلوكيات. ونتائج. من خلال هذه الرواية غصت في فضاء الشخصيات الداخلي وواقعها المعاش ولا عالم نفس قدير، وهذا لا يؤديه إلا إنسان واع بإشكاليات السلوك الإنساني المطّلع على واقع الناس بكل تفاصيله، ولا يعني ذلك أنك عشته أو عاشته نساء يسررّن إليك به، فالقراءة وأنماط الثقافة المسموعة والمشاهدة من خلال الإعلام وما يتصدر الصحافة من مشاكل أسرية وفردية كفيل بأن يجعل الذات الواعية تشرف عليه من علٍ وتدرك تفصيلاته الدقيقة. ولا يتأتى إلا لمبدع مثلك أن يحيك منه هذه اللوحة التي أنطقت فيها شخصيات روايتك بكل الجرأة اللازمة لمناقشة ما يحدث على أرض الواقع ليكون واقعا آخر موازيا له. رواية تغني عن كتب من التفلسف في القيم والأخلاقيات، رواية تكفي عن عشرات النصائح، تجعل من يطالعها يشمئز مما يحدث ويعمل جاهدا على تجنبه، تصور الصراع بين العقل ووعيه من جهة، والنفس ونوازعها المشتهاة من جهة أخرى. ولكن هل يكفي هذا. سبق أن قلت إن حياة كل منا تجربة وأننا وحدنا من نعانيها، وسيبقى الإنسان مصرا على خوض تجاربه بذاتيته هو، مهما قرأ وشاهد ونصحه الآخرون. وهنا تكمن أهمية القيم وطرق التربية لتنير الدروب، ولكنها تبقى وسائل مساعدة مقابل قوة إرادة الإنسان التي عليه أن يبنيها هو لا غيره. ورغم إيماني بما للظروف من قوة علينا إلا أن الخيار في “نعم” أو “لا” هي لنا. أناس يتمكنون منها بعد خبرات بسيطة لا تجرح نفوسهم ولا تتمكن منها بأذى، وأناس عليهم أن يخوضوا جهنم التجارب ليخرجوا منها وقد تشوهت نفوسهم أو احترقوا فيها تماما، وأناس تجاوزوها بأقل الخسائر. وقد قدمت لنا “سماح” نماذج عن أولئك.
 ثلاث شخصيات رئيسة ومجموعة من شخصيات ثانوية نسجت من حكاياتهم “سماح الجمال” تفاصيل رواية تحدث في الخفاء في مجتمع ينظر بطرف عين من ثقوب إن أُتيحت لأفراده، ويلوك  بألف لسان لتصبح النوافذ أبوابا مشرعة على احتمالات تنسج، فتضيع الحقائق كأنها لم تكن.
امرأتان جمعتهما ظروف قهر متشابهة، أخطأتا السبيل، “أميرة” “وسلوى”، ماجي التي عاشت في مجتمع فيه الحرية شبه مطلقة، لم  تعصمها حريتها المكتسبة من الوقوع في الخطأ. ومن الشخصيات الهامشية تلك المرأة اللعوب “دلال”، التي تتخفى خلف غلالة الجدية والرزانة والعفة، صديقة الأم التي تكاد “أميرة” أن تكفر بها -ظنا- بعدما خبرته في حياتها ممن هنّ حولها. والأخت “سوسن” التي لا زالت تطفو على مياه شاطئ الأمان، بريئة تمسك بزمام نفسها. العشيق الذي يمارس عشقه سرا ويستمتع به دون وجه حق، وخالد الزوج الذي همّش وجوده في حياة زوجته “أميرة” وجعلها مجرد بئر يرتشف منه متعته وقتما يشاء دون أن تشاركه الرغبة بذلك. وذاك الشاب الشاذ زوج “سلوى”، قضى بالقتل المعنوي ثم الحقيقي عليها. شبكة من العلاقات من يفك خيوطها ليعيد نسجها من جديد وكيف؟ نعم، لا بد من ذلك وعلى يدي خبير. فأساس المعرفة تحليل ثم تركيب، وأساس العلاج اعتراف بالمرض، وأساس الإصلاح بيان مواضع الخلل. وأهم تلك المواضع التي يجب أن تكون محل اهتمامنا هي القيم، ارتجاج سلمها مما يجعل بعض القيم تقفز من مكانها إلى أن تتسيد على غيرها دون وجه حق، أو تنزلق إلى ما دون ما تستحق. أو تُلغى ليبتدع غيرها وتأخذ مكانا غير مكانها. لا بد من جرأة في الطرح وتصوير للحقائق دون رتوش. فما الذي يجعل هذه الشخصيات هكذا، أهي الظروف القاهرة حقا، فما شأن الأختين هنا، لِمَ لم تكونان نسخة واحدة -أميرة وسوسن- وهما قد ربيتا في مجتمع واحد، في أسرة واحدة، في بيت واحد. لكن السر هنا في البنية القيمية لكل منهما رغم كل المعايشة للوضع ذاته. كيف تمكنت “سوسن” من النجاة من كل ذلك. واضح من خلال السرد أنها مختلفة، فلِمَ؟ إنها الجانب المضيء في هذه العتمة. هي لصيقة بوالدها أكثر من الوالدة وصديقتها. ليس لعيبٍ في الأم ولكن في تلك المرأة التي ربما تكون قد ساهمت بطريقة غير مباشرة في التأثير في ذات “أميرة”.
ميوعة القيم وعدم صلابتها حين يتم غرسها في نفوس الأبناء، القبول بالغير لمجرد أنه صديق أو قريب وإدخاله في تفاصيل حياة الأسرة ليتخذ قرارات بالنيابة عن أفرادها. كثيرة هي الأسباب، لكن أهمها كيف نبني الإنسان، والإنسان ليس مجرد خلايا وإنما هو الروحانيات، ومن ضمن هذه الروحانيات تلك القيم التي تحدثت عنها.
هنا سأركز على النهايات، خواتيم الحكايا. أبدأ من أقساها وأكثرها مأساوية، نهاية “سلوى” وختام قصة حياتها البائسة حقا. انحدرت نحو الهاوية وكان مصيرها بيدها لو أرادت، كان سياج القيم متاحا، سور عال لا يمكن ثقبه لو أنها استندت إليه، الصدق مع الأهل، مع الذات أولاً. لماذا قبلت المساومة على حقها في الحياة. وطالما هي قبلت فلِمَ لم تتحمل مسؤولية اختيارها. نحن من نخون أنفسنا بداية ثم نشكو! نعم لسنا ملائكة، لكن تحملنا للمسؤولية صفة بشرية علينا القيام بها وإلاّ هلك كل ما يتوقف عليها، كل ما يستند إليها من مقومات الحياة. أغرتها الحرية التي زعم -زوجها- أنه سيمنحها لها، والمال الذي لم تكن بحاجة إليه وهي الغنية أصلا. لِمَ صمتت عندما علمت عنه ما علمت ورضيت أن تنتقم منه بطرق ملتوية. كانت نهايتها متوقعة من أي شخص سيسمع قصتها وذاك البشع النفس يترصد لها ليقضي عليها دون هوادة بضربة واحدة، ولا يناله عقاب وهو المدافع عن شرفه، ذاك الذي لم يكن ذا شرف حتى.
ماجي التي اغتربت وعاشت حرية لم تكن منتمية إليها، لم تصنعها أمتها ولا ساهمت فيها. خلعت جلدها وارتدت آخر ليس على مقاسها. وعاشت تجربة من تجارب مجتمع آخر، لم ينقذها من السقوط حتى الدرك الأسفل إلا من هو أصيل في ذلك المجتمع ويدرك تماماً مسؤوليته، صديقها ابن الثقافة الغربية الذي قبل الزواج بها وقبل تغيير دينه كي يتحمل مسؤوليته كاملة. ألم تتساءل عن مصير ابنتها غير الشرعية لو أنه أدار لها ظهره؟!
وأخيرا بطلة القصة “أميرة” التي تعلمت الدرس ولكن بعد أن سقطت وطالتها المعاناة والخبرات المؤذية المؤلمة. والتي كان من الممكن أن تتوقف عند أول عثرة لها، تنفض عنها غبار التجربة وتمضي في حياتها السوية، لكنها استسلمت لعواطفها وانساقت لرغباتها وقبلت أن تعيش الحب في ظلمات حالكات. ثم نأتي ونقول أن مجتمعنا سيء، أليس المجتمع نحن، كل الأفراد الذي يضمه في إيهاب واحد.
من منا لا يخطأ، لكن ليست الأخطاء متماثلات في شدتها. ولا في نتائجها. والأهم أن نخرج بعد كل خطأ وقد صلب عودنا وقويت إرادتنا وتعلمنا من أخطائنا.
وكما قالت الروائية في ختام روايتها: “هناك طريق للعودة” ولكن إلى أين؟ لتجيب: ..من حيث أتيت من روح الله. كوني أنت.. لا تتبعي أحدا.. لا تستسلمي للقطيع.. اتبعي عقلك ولا ترتدي قناعا.. ابحثي عن السعادة بقلبك وعقلك  أنت..
شكرا لك “سماح الجمال” على هذه الرواية.
 

 

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.