0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

حوار مع الفنان الأديب الدكتور محمد الوادي – زهرة زيراوي

حوار عن قضايا الفكر ثقافة وفنا.

محمد الوادي فنان مغربي، اختارت مخيلته وذاكرته بوادي المغرب، ومعابرها، ركحا لألوانه الغامقة والمعتمة المفتوحة المنعطفة على النور.. فتساكنت البيوت البسيطة ذات اللون الأرجواني أو الأزرق الفاتح، يسكنها أناس عاديون، يرافقها نور يُخلخل فيك الفعل التذكري للواقع.. واقع “ما..” وأي محاولة تأتي للقبض على هذه العوالم ستمنح للمخيلة حرية وتفتح بابا للحلم.
إن مخيلة هذا الفنان الأديب مخيلة جامحة وجانحة، لا تثبت على حال، وفي هذا الجموح المراوغ تنقل ذاكرته خطوها واثقة من نور إلى ظل، ومن عتمة إلى ومضة مفاجئة.
هكذا يمتح بحثه العاشق للظل والضوء من طاقة جمالية لوحدات المكان المتداخلة اقتصاديا وجماليا.. ووعاء ذاكرته الثري بقدر ما هو مسكون بالمكان، والضوء والظل، بقدر ما هو مسكون بالإيقاع الداخلي النفسي، إنه التواشج الفيزيائي للمكان بالجواني الداخلي.. الرهبة.. الخوف.. الفرح، إيقاع مضيء لمساء حزين، أو مساء يمنح الفرح للمتلقي، هكذا يأتي التضاد عبر اللون في اللوحة.
غير أن ما ينبغي التشديد عليه هو أن اللوحة لا تنفصل أبدا عن ملامح وجه الفنان الوادي ، الإسم القادم من واد ينهمر، البسمة الهادئة الباذخة المفعمة بألم حقيقي.. بألم المبدع وتطلعاته.
الفنان محمد الوادي
س / متى جذبتك العوالم الصباغية هواية قبل الدراسة طبعا؟
ج / لا أحب أن أكرر الجملة المشهورة التي يرددها العديد من الفنانين، وهي: “رضعت الفن مع حليب الأم”. بالفعل هناك من يزداد في بيئة فنية، ووسط مبدع، ومناخ أدبي وثقافي. أنا ملهمتي الأولى هي الطبيعة. أنا ابن البادية، ازددت في قبيلة اشراكة المعروفة بتضاريسها المتنوعة: سهول وهضاب وجبال ووديان، وغطاء نباتي مذهل والناظر إليه، خاصة في فصل الربيع، لا يكاد يصدق عينيه لما يشاهده من لوحات تشكيلية طبيعية. تجليات الخالق وصنعه أقوى مما يمكن أن يعبر عنه وصف شاعر، أو ريشة فنان. من هذه الجغرافيا المحملة بثقل التاريخ، وسحر الألوان واختلافها، نهلت جل معارفي، وملأت ذاكرتي البصرية التي احتفظت بالصور والمواقف والظلال والأشكال. أذكر أن بيتنا في البادية كان محاطا، من جهاته الأربع، بأنواع الأشجار والنباتات وفضاءات مفتوحة حتى الأفق البعيد. كنت وزملائي نجد أنفسنا نحاول تقليد هذه المناظر على الورق. وفي المدرسة الابتدائية كان مقرر القراءة (بالعربية والفرنسية) يضم مجموعة من الصور الملونة فكنت أرسمها. من الطبيعة كلوحات تشكيلية ومن الكتب المقررة في الدراسة بدأ اهتمامي بالتشكيل.
س / وما ذا عن التوجه لهذه العوالم دراسة، متى كان ذلك؟
ج/ في المستوى الثانوي بالدار البيضاء كنت أهتم بالفنون والآداب، من شعر ومسرح وصحافة. الصحافة الثقافية والفنية قربتني من عالم الفن والفنانين، حيث استرجعت ما كنت بدأته في الطفولة وطورته. وفي ذات الوقت كنت أمارس النقد الفني.. قراءة اللوحات التشكيلية، الكتابة عن بعض الأسماء وبعض التجارب، وأيضا عن الوضع التشكيلي في المغرب، وتاريخ هذا الفن في بلدنا، والقضايا المرتبطة بالوضع الفني، والوضع الاعتباري للفنان. لما انتقلت إلى الكلية واطلعت على الدرس الفلسفي والأدبي وأدركت أن الشيء لا بد وأن يدرك في كنهه وجوهره، وأن يعالج بشكل علمي ومعرفي. هذا الإدراك لا يمكن أن يتم إلا من خلال آليتين: آلية العقل كمنظومة وإجراءات وخطوات منهجية، وآلية القلب بما في ذلك المعرفة الصوفية ومدارجها. حينما اطلعت على النظريات الأدبية والفنية والفلسفية، اطلعت كذلك على النظريات الفنية ومنها التشكيلية. هذا الاطلاع مكنني من الاشتغال ضمن منظور ورؤية، وجعلني أعمق تجربتي الصباغية.
س/ أعرف أنك مسرحي، ما الذي دفع بك نحو التشكيل؟
ج / المسرح هو أبو الفنون، إنه النهر الذي تصب فيه كل الروافد ويحتوي كل هذه المياه المتدفقة. إنه مجال مفتوح ومنفتح على كل الحساسيات والفنون والعلوم، لذلك فعلى المسرحي أن يكون في مستوى هذا التدفق المعرفي والمختبري. وبالمقابل فالفن التشكيلي وكل الفنون المشهدية تتقاطع فيما بينها، فالفن المسرحي هو فن الأضواء والأقنعة وكذلك الفن التشكيلي لهذا لا أشعر أنني خطوت في اتجاه قارة أخرى مجهولة فالأضواء هي نفسها، والظلال والرموز وإمكانيات القراءات والتأويلات هي عينها. في المسرح لا يمكن أن نستغني عن السينوغرافيا التي تؤثث المشاهد والمناظر وخير من يطلع بهذه المهمة هو الفنان التشكيلي الملم بالثقافة المسرحية والقادر على التطبيق العملي لما يرسمه الكاتب المسرحي من صور في مخيلته، أو ما قد يلمح إليه من خلال الإرشادات المسرحية التي هي التوصيف للشخوص والمواقف والحالات، وما ينوي المخرج المسرحي ترجمته على شكل مناظر ومشاهد بصرية تعزز المقول الحواري وتوضح التصور الفلسفي والسياسي والفكري والاجتماعي المضمن في نص المؤلف، أو في نص تصور المخرج. وهنا يجب أن نفرق بين الفنان التشكيلي الذي يشتغل ضمن تصور، وضمن نسق مشهدي وفلسفي وفكري، وبين الرسام الذي يضيق مجاله ويقتصر على اللوحة التي قد تكون مجرد إكسسوار جامد أو مجرد ديكور لسد فراغ. وبناء عليه يمكن القول إن المسرح المغربي لا يزال في منأى عن استثمار القدرات التخييلية للفنان التشكيلي، ولا يزال الوعي بدور الفن التشكيلي في تطوير المسرح في أبجدياته الأولى.
س / يتخذ عملك الصباغي منحى أو اتجاها آخر، حيث يعرف حداثة تركيبية في مجال اللون و الموضوع، وإلى هذا وذاك أعمالك الفنية الآن هي محفز للبصر على قراءة ما تطرحه اللوحة، فكيف انتهيت لذلك؟
ج/ أنطلق، في تجربتي الصباغية، من لحظة أحس أنها إشراقة فنية، أو ما أعتقد أنها مسحة جمالية، متناسيا الجوانب العلمية أو الأبعاد المحددة. لكن مخزون الذاكرة المحمل بما هو علمي يتدخل، لا شعوريا، ليوجه العمل الإبداعي بشكل غير مباشر، ويرسم ملامح اللوحة. من هنا تكون مهمة الفنان المبدع هي التوليف بين الأبعاد الجمالية الذوقية، وبين القواعد العلمية. وهذه مهمة صعبة تتطلب من الفنان أن يكون فنانا، وفي ذات الوقت يتمتع بحس نقدي. وأحيانا أنقاد بشكل طوعي وانسيابي إلى ما تمليه علي سيرورة اللوحة في مراحل تشكلها غير المحددة زمنيا، وغير المخندقة في اتجاه أو مدرسة بعينها، ولكنها مؤطرة أسلوبيا. أدوات الاشتغال عندي متباينة، كما التيمات، وكما الألوان. وحده التجريب المعزز بالآليتين (آلية العقل، وآلية القلب) هو الذي يسوق المبدع إلى نحت طريق صباغي قد يختلف في بعض تفاصيله عن تجارب أخرى. المعاني كما قال الجاحظ مرمية على قارعة الطريق، بمعنى أن التيمات في متناول أي فنان، وليس لأحد أن يدعي امتلاك تيمة ما، أو تيمات بعينها، ولكن الذي يمكن أن يمنحه تفردا (نسبيا) هو حينما تتدخل معطيات ووسائط أخرى ويتم توظيفها بكيفية ما تختلف في التناول والتكييف عن توظيفات أخرى. هذا المزج بين التيمة كموضوع للاشتغال والوسائط وآليات الاشتغال كتطبيقات هو الذي يجعل المبدع يؤسس أسلوبا خاصا به.
س/ سبق أن تحدثنا في موضوع الفنان الذي يبدأ عمله تجريديا، كان لك موقف خاص من ذلك، هل ما تزال تحمل نفس الموقف؟
ج/ كل الفنون بدأت انطباعية، وحتى العلوم بدأت بتجريب تصورات افتراضية. بعد ذلك بدأ الاستناد إلى ما توهم أنه قواعد علمية ثابتة ويقينية ليكتشف أنها مجرد مقدمات لما يمكن أن يكون نتائج نسبية. حدث هذا في الهندسة المعمارية، والعلوم الفيزيائية، والجغرافيا المجالية، والعلوم الطبيعية، وعلوم المنطق والاجتماع وغيرها. وظهور النظرية النسبية مع أنشتاين خير دليل على هذا. أما الفنون فقد ظلت لقرون عديدة بعيدة عن الصرامة العلمية وحدود القواعد الدقيقة والمختبرات والتحاليل العلمية فكان الاحتكام -في تقييمها- إلى النقد والذوق العام. أعتقد أن جل نظريات التعلم تركز على التدرج الطبيعي في كسب المعارف. لا أتصور أبدا أن نبدأ بناية عمارة، ذات هندسة معمارية معقدة وذات طوابق، من السطح وألا نؤسس أولا الأساسات الضرورية، تلك هي مشكلة الذين ينادون بالقفز إلى المربع الأخير دون المرور من المربعات الأولى. أشهر الرسامين أسسوا لتجاربهم انطلاقا من التدرج الطبيعي في العملية التشكيلية الإبداعية.
س/ إلى أي حد في اعتقادك، تقوم المؤسسات وغرف الوزارة المسؤولة عن الفن،
والنقابات بدورها تجاه الفنان ودعمه المعنوي أساسا، والتعريف بعمله الفني، وهل كل الجمعيات تنال ذلك الحق؟
ج/ في المغرب، للأسف الشديد، الوزارة الوصية عن الثقافة والفنون بكل أنواعها، وعلى مدى عقود، لم تعط للشأن الثقافي والفني أهميته. الفنان عندنا يحارب وهو أعزل، وليس له من سلاح غير الصبر والكفاح وتجرع الخيبات في صمت. كنا دائما نتحدث عن سياسة ثقافية وفنية، وعن استراتيجية محددة للتنمية الثقافية والفنية، ولكن كانت الحلول للمعضلات آنية وترقيعية. مشكلتنا في المغرب وفي جل الأقطار العربية أن السياسي يعتبر الآداب والفنون ترفا ليس إلا، وأن الأولوية لقطاعات أخرى مرتبطة بما هو اجتماعي، وبناء على هذه الرؤية تقع الثقافة والفنون في الدرك الأسفل في سلم أولويات السياسي.
س/ قال الفنان التونسي السيد لطفي بوشناق في إحدى لقاءاته:
الأمة العربية الآن في زمن الحروب والانقسامات لم يبق لها غير الفن والثقافة، هما العاملان الأساسيان اللذان يجب أن تراهن عليهما في مد الجسر بينها وبين الدول القوية، فإلى أي حد ترى ذلك صحيحا؟
ج/ هذا الكلام صحيح من زاوية نظر معينة. لقد نهب الغرب كل الثروات الطبيعية للأمة العربية زمن الاستعمار لكل قطر عربي، وحتى بعد التحرر استمر الاستعمار الاقتصادي والثقافي. في ظل الصراع الغربي- العربي، والصراع العربي- العربي يصعب جدا الحديث عن تنمية ثقافية وفنية في الوطن العربي. هناك استيلاب فكري وثقافي وتراجع المثقفون والفنانون العرب عن أداء دورهم التنويري المقاوم نظرا لأسباب كثيرة ومتعددة بنيوية وسياسية، ومنها ما يتعلق بالمثقف نفسه الذي وجد نفسه غريبا في وطنه وعن مرجعياته .
س/ ما رأي الفنان محمد الوادي بالفن الصباغي محليا و عربيا بل وعالميا. وما حظه في برامج التعليم بالمغرب؟
ج/ الفن التشكيلي مرتبط بالأوضاع السياسية والاجتماعية والتطورات المتسارعة على مستويات التحولات، سواء محليا أو عربيا أو دوليا. لقد أصبح العالم قرية صغيرة. أما عن حظ الفن التشكيلي من برامج التعليم فبئيس للغاية، مثال ذلك لقد سبق لي واشتغلت مع مديرية المناهج بوزارة التربية والتعليم بالمغرب قبل سنوات على مشروع ما سمي بـ”الثقافة الفنية”. فعلا وضعنا التصور لبرنامج تدريسي لسنتي الجدع المشترك والسنة الأولى ثانوي، وحددت ثلاث فنون كمواد وهي المسرح والموسيقى والتشكيل. وخرجت اللجنة بتصور رائد، وبتوصيات ألحت على ضرورة تنفيذها، لكن شيئا من هذا لم يكن واندحرت التجربة التي كان من الممكن أن تؤسس لنهضة فنية في المغرب وتقطع مع حالة العشوائية التي تتخبط فيها هذه الفنون.
س/ أليس الدارس لتاريخ الفن وتاريخ الحضارات يخلص إلى أنه من خلال ما تركته هذه الأمم من أنماط مختلفة للفنون، تكمن قوتها في التواصل مع الآخر والعبور إليه؟ ويبقى السؤال أين هو الفنان العربي وأين دوره مما يحدث اليوم في العالم العربي عامة؟ 
نتذكر في هذا السياق ما قالته الفنانة التشكيلية ليلى طه:
“للفن التشكيلي لغة بصرية وجزء أساسي في حياة الشعوب، ولا حدود ولا فواصل تفصل بينهما، ﻷنه يكرس المفاهيم والدلالات والمعاني الروحية والأفكار الإنسانية، ويطرح المواضيع التي تعكس روح العصر والأصالة العربية عبر رموز ومفردات يختارها الفنان لتجسيد القيم الأخلاقية التي يختارها.‏ 
فالمفردة المستنبطة من الذاكرة والموروث الشعبي تعمل على تقمص وصياغة الماضي والحاضر، لخلق حوار حميمي بين الأمم فتذوب الأنا، أليست حضارتنا مليئة بهذه الرموز ذات البعد الإنساني. والفنان يضع يده على الوجع الذي يعانيه المجتمع ويسجله عبر أسلوبه وصخبه اللوني الذي يشد المتلقي، لمواجهة التناقضات والتقلبات التي يعاني منها الإنسان اليوم، والفن التشكيلي ضمن سائر الفنون لم ولن يدعو للخراب الحاصل اليوم في عالمنا وبين الأشقاء. بل هو رسالة بناء إنسان سوي ومتكامل. الفنان العربي (ليس التشكيلي وحده) شبه غائب عن القضايا الكبرى.. قضايا الأمة. جل الفنانين يسعون إلى الشهرة من خلال طرق أبواب الطابوهات. هذه المواضيع (المحرمة دينيا) هي التي يلتقطها الغرب ويدعمها ماديا ومعنويا وعندنا الأمثلة كثيرة ومتعددة في الرواية والمسرح والسينما والتشكيل أيضا.
س/ هل صحيح أن الفن وسيلة حوار وتقارب وتواصل عبر أطراف الأرض؟
نتمنى أن لا يسيس، عليه أن يبقى مرآة لنبض الشارع، عليه أن يكون ريحا للتغير وأداة لتصحيح واقعنا، هكذا يكون الفن عاكسا للهوية، ولا يغيب عنا الدور الذي لعبته لوحة الجرنيكا في الحرب العالمية، وكيف استطاعت أن تعكس تقطيع الأوصال و التمزق المخيف الذي قامت به الحروب.
الفن التشكيلي ملتزم بقضايا الإنسان، بوجوده وحقه المشروع في الحرية والمساواة، وهو ملتزم كذلك بالدفاع عن المستضعفين من أطفال ونساء وأوطان وشعوب الأرض، وكذا بقضايا البيئة وأطراف الأرض عامة.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.