0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

جدل الثّنائيات في قصيدة:”صهيل اللّيل أنا وخراب الرّوح” لناهدة الحلبي ــ ذ. البشير الشّيحي

قصيدة: صَهيلُ الليلِ أنا وخرابُ الرُّوح
لي مِنْ عذابِ المُسْتَهامِ غَوائلٌ
لَحْظٌ تهادى قاتِلاً مَقْتولا
من كنتُ أسألهُ الرِّضَا فيَصدُّني
هَجْرًا إليهِ بُكْرَةً وأَصيلا
ويَذُرُّ في شفَقِ الغُروبِ عقيقهُ
هَزَجُ العَشِيِّ عنِ الصَّباحِ بَديلا
من مثلكَ اتَّخذَ المآذنَ هوْدَجًا
وفُوَيْقَ كُرْسِيِّ المسيحِ بتولا
يَسْتَوْثرُ الأضلاعَ كيفَ لمثلهِ
قلبٌ خَلِيٌّ يَشتهي التَقْبيلا
منْ في كتابِ اللهِ يقرأُ ساهِمًا
منْ بالوصايا يُغرِقُ الإنجيلا
رَصَعَتْ فُجاءاتُ الرَّحيلِ هوى الصِّبا
هَمِلٌ على الخدَّينِ سيقَ ذَليلا
إن رُحْتُ أَذكُرُهُ توجَّعَ خاطِري
أو كنتُ أنساهُ فلاتَ أُفولا
لِفؤادِيَ المَكْلومِ غُصَّةُ تائِبٍ
رصَفَتْكَ تاريخًا ومنهُ فُصولا
بَرَكَتْ على وجعي بيادرُ قُبْلةٍ
فانداحَ من مُرِّ المَذاقِ قَتيلا
الشاعرة: ناهدة الحلبي

  هي قصيدة من الشّعر العموديّ، ذي البنية التّوزيعيّة، التّي تخضع إلى نظام البيت الشّعريّ، رويّها اللاّم الطّويلة المفتوحة المختصّة بالطّول والمدّ، ممّا جعل مقطعي القافية يختّصان بالانفتاح الإيقاع وموسيقى الشّعر:
نوع المقاطع: لقد اعتمدت الشاعرة ناهد الحلبي المقاطع الطويلة لتأثيث إيقاع القصيدة الدّاخليّ، وأجرت كلامها على نحو مخصوص ذلك أنّها جعلت مخارج الصّوت منفتحة طويلة رغبة في الإشجاء والإفصاح ( عذاب، مستهام، مكلوم، أضلاع، غروب، مذاق)، ممّا جعل العلاقة بين البّاث والمتقبّل علاقة تأثيريّة تعبيريّة، وقد ساهمت المقاطع الطّويلة في الكشف عن طاقة الكلام النفسيّة وإيقاعه المتواتر.
الأصوات وجرس الموسيقى:
  اختارت شاعرتنا أصوات عديدة كالقاف، وهو صوت حلقيّ يكشف عن لحظة اختناق تحاصر البوح أو حالة احتراق، تودّ أن تصعد من حيّز الضّيق إلى فضاء المكاشفة ( شفق ، قاتل ، شوق ، يغرق ، مذاق…) كأنّها تشرق بالكلمات فيفيض الإنشاد فاتحا مجرى التّوق. إضافة إلى الحروف الصفيريّة كالسّين الذّي تردّد حضوره صادحا منشئا نغما ( سارت ، سبيل ، كرسيّ ، سيق ، أنساه) وقد ورد أغلبها في مقاطع طويلة كي تتمكنّ الشّاعرة من قرع أذن السّامع، وإثارة حواسه وإحساسه.
النظام التّركيبي والإيقاع المتماثل:
  وجدت أنّ الشّاعرة قد اعتمدت ميسم التّماثل في إنشاء التّراكيب، وطريقة توزيعها على الأبيات في مستوى صدر البيت الشعريّ، فبدا التّركيب الموصولي متواترا تواترا منظّما ( من كنت أسأله ، من مثلك اتّخذ ، من في كتاب اللّه ، من بالوصايا..) فكانت حريصة على اعتماد هذا التمشيّ النّحويّ في نسق موسيقيّ أحدث نغما يطرب الرّوح يثير الوجدان ويجعل الذّهن مستمتعا بهذا النّظام الجماليّ حرصا على توفير توقيع متواتر.
الصّور الشعريّة:
 لقد راوحت الشّاعرة بين التّقرير والتّخييل، فكانت تذهب مذهب السّرد والإخبار حينا، وتروم الإقامة في ما هو خياليّ عجيب أحيانا أخرى.
إنّها تحكي لنا حكاية عالمها، ترويه شعرا ( سارت ، يحار ، يذرّ ، يستوثر…) لأنّ ذاكرتها تتأثّر بسلطة الحكي والسّرد راغبة في جعل اللّغة وسيلة تعبير عن هواجسها ومشاغلها. كما وجدنا صورا خياليّة مجازيّة تبدو في ظاهر الخطاب مألوفة متأثّرة بمرجعيّة تراثيّة لكنّها خلّصت معاني الشّكوى، وتصوير الحالة من مضامينها المألوفة، فجعلتها طريفة لها مرجع وجدانيّ خصب( ركب الشّوق، قاتل ، مقتول ، هجر ، صدود) لأنّها فتحتها على سياقات إنسانيّة كونيّة لا تقتصر على ما هو ذاتيّ، فكان المجاز أسلوبا بلاغيّا بيانيّا يصوّر حالتها وهي شتات من حنين وأنين( توجّع خاطري ، لفؤادي غصّة…). إنّ صورها الشعريّة صور مركبّة بين حسيّ ومجرّد، حقيقة ومجاز، إخبار وإيهام ، إضافة إلى طابعها الخارق أحيانا، لأنّها تضطلع بوظيفة تأسيس ما هو مجنّح دون أن تلغي أبعادها الواقعيّة. كما رصّعت قولها بأبعاد دينيّة من خلال حضور معجم المقدّس في مخيالها الشعريّ ( كتاب اللّه المسيح ، الإنجيل) أي أنّها تنهل من ثقافة دينيّة لا تحرّم الجمال ، ولا تمنع العشق، فمزجت بين المعاجم، وآلفت بين الصّور لنحت مشهد شعريّ قد تتقابل فيه الحقائق، لكنّنها تتناغم في سياق جماليّ شعريّ.
سلطة الزّمن وشعريّة الإطار:
  تواتر في قصيدة الشّاعرة معجم الزّمن ( الغروبّ ، العشيّ ، الصّباح ، الفصول) الذّي يبدو أنّه زمن فيزيائيّ موضوعيّ، لكنّ الشّاعرة جعلته زمنا نفسيّا يدلّ على حالات الغربة، الوجع، الرّغبة والعجز. هو زمن يرتبط بلحظة الإنشاء، يستدعي واقعا معيشا أو حلما طليقا وهنا صار للزّمن جدل ، ثنائيّة العاديّ والخارق، الجميل والمؤلم بل إنّها تحرّرت من المحدود وجعلت الزّمن تاريخا مطلقا يعيد فعل الإخصاب والزّرع والبعث رغبة في تجاوز حدث العجز، ودحر الشّعور بالوجع فتستعيض عن الضّعف بالعزم، وتصير المرأة هنا كائنا مريدا فاعلا يتميّز بقدرات عجيبة، رغم أنّها تأثّرت أيضا ببعض المعاني الكلاسيكيّة كالعذاب، الوجع ، الذلّ ، الغرق ، الرّحيل ….
بدت الشّاعرة ناهدة الحلبي في قصيدها شاعرة وفيّة لقوانين القصيدة العموديّة، تبرز قدرتها على صناعة الشّعر ممّا جعل النصّ تحت سلطة القديم، لكنّها كانت أيضا شاعرة متمرّدة، فتحت القول على فضاءات روحيّة نفسيّة، وتميّز خطابها الشعريّ بثنائيات متعدّدة رامت من خلالها الشّاعرة أن تتفرّد وتحرز قصب الفحولة التّي تنسب عادة إلى الذّكور، كي تنهض من خراب الرّوح أشدّ عزما، وأكثر سعيا، وأعمق توقا، والحال أنّها تتفجّع باكية، تتألّم متفجّعة على عشقها المقتول.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.