0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

تعليقا على لقاء أحمد حضراوي بالشاعر مصطفى الزباري ببرنامج الديوان – جميلة الكجك

عندما شاهدت الحلقة ورأيت تلك الملامح التي تنم عن طيبة غير مصطنعة، وجه تنبض خلاياه بإنسانية صاحبه وعفوية وتلقائية هي البساطة في أبهى صورها، ينطق اللسان بما يحكيه القلب من حنين للوطن لم يفتر. إنسان تتجاذبه مشاعر تأخذه من أقصى غربته، من إحساسه بها إلى محاولة التأقلم في الديار التي أقام فيها لثلاثين عاما لكن فؤاده هناك قد أبى اللحاق به، باق حيث ولد صاحبه. هو الشاعر والمثقف المغترب مصطفى الزباري الذي أبى إلا أن يكون وجها عربيا مغربيا يمثل أصالة لن تذوي طالما يمثلها أمثاله.

أقول، إنني عندما رأيته كما أرى العديد من إخوة لنا وأبناء لفظتهم أوطانهم قصرا أو غادروا بإرادتهم بحثا عن فرص للحياة كريمة، أن هؤلاء تبقى جراحاتهم “جمرات ملتهبة” كما بدأت مؤلمة وقد تشتد حتى تلتهم بأوجاعها كل فرح أو نجاح يحرزونه هناك. يبقى الواحد منهم مشتتا قلقا لا يهدأ له بال ولا يستقر له قرار.

الدار البيضاء “الغول” -كما وصفت به- لاتساعها وضياع أبنائها فيها إن لم يحسنوا إيجاد فرص لحياة كريمة تقيهم التهامها لهم. هي ذاتها ذكريات الطفولة التي لا تنسى، المحبوبة الأولى رغم ضيق أزقة بعض أحيائها الشعبية وازدحامها وغبارها، الحضن الأول، منبت الإلهام وبداياته. في مقاهيها ونواديها الثقافية ومسارحها وكل ركن فيها. ما زال ذهنه يقيم فيها وجسده ووعيه في محل إقامته. ما زالت ذكرياته طازجة كما كانت أحداثها في حينها.

“سندباد” كما وصفه الأديب الإعلامي “أحمد حضراوي” سندباد لكن قلبه مستقر في مغربه، في داره البيضاء وإن واستقر جسده في بلاد وفرت له ظروف عيش أفضل ومنحته ما لم يمنحه له الوطن، واحتضنته إذ لفظته بلاده لكنه أخذ يعمل من أجل تلك البلاد ويكون مدعاة فخر لها. بهذا وبهذا فقط يتخلص الإنسان السوي من سخط قد يشعر به على بلاد شردته وأحزان تراكمت في صدر كان يمكن أن يضيق بها ويتحول إلى وحش، لكن هذا لن يحدث مع مثقف أصيل يعرف قدر نفسه، وقدر بلاد نبت فيها وأصول نشأ منها. إنه سندباد مغرم بالوطن. يعرف قيمة أرض أجداده.

وهو بعد شاعر لشدة تواضعه يرى أن تجربته الشعرية الصادقة العفوية “كلاما كالشعر” وليس بشعر، وفي المقابل هناك من يرص المفردات واحدتها إلى أخرى ثم يعتلي المنابر ليقول هذا هو الشعر وإلا فلا.

ومن أصدق ما قال: نحن العرب لم يبق لنا من حضارتنا اليوم إلا الشعر ومن لا يقول شعرا فهو ليس عربيا”. صدقت “مصطفى الزباري” نحن بقايا أمة، أضاعت دينها وعقائدها ومعتقداتها، أضاعت فنونها وآدابها وفكرا وعلوما قضى السلف أعمارهم فيها واستهلكوا قواهم لتكون مصابيح لنا ونحن أطفأنا نورها وجعلناها مجرد تحف فنية لم نحسن عرضها حتى، بل نظرنا إليها على أنها مجرد قطع خردة، صففناها في مخازن أسميناها مكتبات. نحن أمة أضاعت خصائص هويتها الحقيقية حتى الشعر الذي تقول إنه من أهم دعائم عروبتنا لم يحافظ على أصالته إلا قلة منا. والشعر كما باقي الفنون حامل لوجدان الأمم، لكن ماذا فعلنا نحن بهذا الوجدان وما تبقى منه فينا!

وما أثار انتباهي كذلك في حديث الضيف الكريم أنه لشدة رهافة مشاعره وتأثره العميق باغترابه عن الوطن، توقف غيث الإلهام لديه بعكس ما يحدث عادة عندما يجد المغترب وطنا بديلا وظروفا أفضل لكنها صدمة انتزاعه من حضن دافئ إلى أرضية باردة، ليعاوده الإلهام ولكن على وقع خطى ذكريات الوطن في وجدانه، فلغبار الديار إنعاش أكثر للنفس من هواء نقي عليل، ولا يكون هذا إلا عند ابن بار بوطن لم يكن بارا به.

شكرا لك أحمد حضراوي على هذا الانتقاء الهادف والجميل لضيوفك الكرام.

رابط الحلقة:

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.