0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

قراءة ثانية في قصيدة أحمد حضراوي “قضية الأنثى” – جميلة الكجك

تناولت في قراءتي الأولى لهذه القصيدة دلالة من دلالات قد تقرأ من خلالها وهي عندما تكون “الأنثى” حواء آدم، حبيبته، أنيسته، امرأة من لحم ودم ينظر إليها الرجل على أنها محل متعته، ومثار شهوته، ورواء روحه، وإشباع غريزته. ولكن هل الأنثى محل شهوة الرجل فقط، هل يجوز لنا أن نتوقف عند ذلك وكفى. هل هذه هي حقيقة الإنسان فيها، أن تكون مجرد وعاء لحفظ النوع بما يكتنهه من رغبات وشهوات ليتم الفعل برغبة من الشريكين معا، هل خلقت الأنثى لتكون مجرد أرض استنبات للبشر فقط، لتكون كما أنثى أي من الكائنات التي وجدت لتتكاثر وحسب، فلم إذا كانت النفس الإنسانية بكل مقوماتها، لم كانت هذه الهبة الإلهية والتي ذكرها سبحانه في هذه الآية الكريمة: ” ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ، قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ” (9) سورة السجدة. ولم كان الوعي إذاً؟! أم أن هذا كله يخص الرجل وحده وقد خلقنا الله من نفس واحدة. ألم يقل تعالى في محكم التنزيل “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا..” (189) سورة الأعراف. هذه الآيات وغيرها تثبت أن المرأة شريكة للرجل في كل شيء بدءا من نفس واحدة حتى حفظ النوع وإلى إعمار الأرض وتحمل الأمانة التي حملت للإنسان كإنسان سواء في هذا الذكر أو الأنثى، ولو أردت الحديث في هذا الموضوع لاحتجت إلى كتابة مؤلفات، لكن الذي أردت إلفات القارئ إليه هو أن المرأة ليست محل متعة الرجل فقط بل هي كينونة تكمله ليكونا معا وجودا يتحقق من خلاله رسالة الإنسان على هذه الأرض. نعم المرأة ليست الأنثى فقط لكنه دورها الأساسي في هذه الحياة يتفرع عنه عدة أدوار ولذا ركزت على علاقة آدم بها من خلال هذه العلاقة، وكما جاءت في القصيدة إذ تركز مضمونها على إحساس الرجل بالمرأة التي يعشقها.  

وهنا استدراك لما فاتني في قراءتي الأولى إذ انتهت القصيدة عند:

                             كل قضية أنثى

                        ثوب يحتاج إلى المزقِ..

لكن الشاعر كان قد أضاف سطرين آخرين إلى قصيدته لم أتنبه إلى وجودهما آنذاك وهذا هو نصه:

                        آه يا أعظم آيات اللمسِ

                            مِلالي الشبقِ.

إن استحضرنا الأبيات التالية من القصيدة ذاتها نفهم ما قد عناه الشاعر في البيت السابق:

                            يا رشفة كأسي..

                    إني ذقت رضابك لما لم أذق!

                           يا تعويذة حبي

           إني أجلت فتاوى تحريمك أحداق دموعي

                    حتى تسبيلة جدران الشفق

                        أنت محال العينين

                        محال أسرة هذا الأزّ

                        إلى محراب العرق

                      هذا الطعن مسار الليل

                     فخوضي الحضن بنارك

               نوحك لن ينجو من طوفان العشق

ثم قوله:

              هذا الزمزم نبش أظافر وهج الرغبة

وقوله:

                 ودعي عقدة عصري الحجري

                  تفك جميع حضارات الأرض

                       على نخب النزق

               يا معبر كفي نحو رياض التفاح

ثم قوله:

                        كل قضية أنثى

                    ثوب يحتاج إلى المزق

حتى نقف على المعنى المقصود من قوله:

                     آه يا أعظم آيات اللمس

                         ملالي الشبق!

فهي هنا محبوبته وهي “الأنثى “المقصودة” في قصيدته وأقول المقصودة لأن هناك عدة أدلة تؤكد وحدانيتها في قلبه، وهي الوحيدة التي جعلها قضيته التي يترافع فيها من خلال هذه القصيدة. هذه الأنثى ليست آية فقط بل هي -أعظم آيات اللمس- أعظم مثال مقصود عنده، غاية، إذ بلغت الذروة في كونها معجزة، دليل لفقه وفهم رغبته بها كأنثى وسبب يؤدي حتما إلى توقد مشاعره اتجاهها والرغبة الجامحة للاتصال بها كما أي ذكر بأنثاه. وهذا تفسير لقوله -ملالي الشبق- وملالي في الأصل بمعنى “الفقيه”، والشبق بمعنى شدة الرغبة بها، وكناية عن أدلة تلك الرغبة التي استبدت به. وملالي هنا ليس لها علاقة بالفقهاء أنفسهم إلا إن قصد بها الشاعر ما يسمى بزواج المتعة وتحليله عند بعض الطوائف الإسلامية وهو يربأ بمحبوبته عن هذا، فهو وكما قال آخر فرسان السبق إليها. إذ يدرك أنها ليست من هذا الطراز الذي قد يباع ويشترى، بمعنى المتاجرة أو جعلها محل شهوته فقط. بل يريدها كإنسانة شريكة له في حياته وإن أراد أن يستبد بشيء منها فهو قلبها. كما أقول بخصوصيتها ووحدانيتها لديه من خلال فهمي لقوله: -“يا رشفة كأسي.. ، إني ذقت رضابك لما لم أذق ” -ومن هنا نفهم لم أجل فتاوى تحريمها.

هذا إذا تخصيص، عشق آدم معين لحوائه، لأنثاه وهذا حق له محفوظ تؤكده شرائع الأديان كلها السماوية والأرضية منها منذ الأزل وحتى الأبد، لذا يرى شاعرنا أن هذه القضية لا بد من إثارتها، عرضها وتشريحها والترافع فيها لتوضيح تلك العلاقة الشديدة الخصوصية والسامية والتي باركتها حضارات الأرض كلها -كما قلنا- سواء ذات الأسس السماوية أو الوضعية.

من هنا تتضح لنا قضية حواء كلل بكل أوجهه حياتها التي تشترك فيها مع الرجل في إعمار الأرض كل حسب دوره المناط به ليشكلا معا وحدة واحدة لا يجوز الفصل بينهما، ومن هنا تكاملهما. فحياة كل منهما مرتبطة بالآخر في كينونة اجتماعية واحدة إن لم تتم فلن يتكون مجتمع إنساني متميز عن غيره من المجتمعات في دنيا الكائنات -هذا إن جاز لنا استخدام هذه التسمية عند غير بني البشر- ولكن هناك كينونة أنثوية أكبر هي التي تحتوي الجميع والتي نطلق عليها لفظ “اللغة” التي تضم تحت جناحيها كل من ينطق بها، يتصل بأفراد أمته من جهة وبذاته هو من جهة أخرى -فنحن حين نفكر نتحدث إلى أنفسنا، نتصل بها بمعنى من المعاني وإن لم تتسع اللغة لكل وسائل الاتصال والتواصل، فاللغة كالوطن حضن رحيب يمنح الفرد عنصرا من عناصر هويته إلا أنها أوسع منه وأشمل. أكثر عمومية من ناحية بحيث تشمل كل من ينطق بها ويفكر بطريقة أهلها ويتثقف بثقافتهم ويقيم بينهم بحيث يتماهى معهم وإن لم تكن الأصول واحدة. وهي أكثر خصوصية بالنسبة لكل أمة من الأمم، ولغتنا العربية تصف العربي الذي يحملها أينما حل أو ارتحل، بحيث تكون أهم مكوناته التي طبع بطابعها فيعرف بها. والعروبة كعنصر من عناصر هوية تميز أمة “العرب” عن غيرها من الأمم تشكل اللغة العربية عمود الرحى فيها.
قلت أن واحدة من قراءات لهذه القصيدة قد تكون “اللغة” كدلالة استحضرها لمفهوم “الأنثى” التي جاء بها الشاعر هنا في قصيدته ليعرض لنا قضيته. ولكل دلالة كما لكل قضية مسوغات تؤكد صحتها أو تنفيها. ولا بد أن نبدأ بمسوغات القضية أولا ثم نقدم مسوغات اختيار هذه الدلالة دون غيرها، من خلال التحليل النقدي لهذا النص.

اللغة أس، جذر، جوهر، وأهم ما تشكله أنها حاضنة، بل رحم يتشكل فيه وجدان الأمة والفرد والهوية. وهي هنا بالذات بالنسبة للشاعر يمكن أن تكون أنثاه التي يعشقها كما يعشق آدم حواءه لما تمثله له من حالة خاصة يعايشها وكأنها كائن حي، بل هي بالفعل بالنسبة له وللكثيرين غيره هي هذه الكينونة التي تكمله كما يكتمل الفرد بوجود محبوبه بين يديه، لا يستشعر كماله إلا من خلال علاقته به. حيث يتحدث الشاعر إلى اللغة كما يتحدث إلى امرأة يود أن يغرق في صدرها حتى يغوص إلى عمقها وعمقه هو ليرتشف لذة مداعبتها، ومن منا لا يستشعر لذة الحديث أو الكلمة والعبارة. من منا لم يمر بهذه الخبرة التي قد تنسيه أية لذة أخرى، فاللغة عند العربي قد تكون غاية بحد ذاتها، البساتين والجنائن التي يود التجول فيها، هي بالنسبة للكثيرين منا حياة أخرى فسيحة ضمن الحياة الحقيقية. ولا أود الدخول في متاهات الأقوال وشهادات السلف والخلف في هذا الموضوع.

واللغة إن كانت هي الأنثى هنا عند الشاعر فهي رشفة الكأس التي يتذوقها معنويا وإن لم يتذوقها كمادة تمر من على لسانه إلى أمعائه وإنما تمر مباشرة إلى وجدانه، فيكون كمن تذوق المعنى دون التذوق الحقيقي المادي، فإن هو إلا تذوق روحاني “نفسي”. وهي بعد ملاذه، تعويذته، ملجأه وحصنه. فمن خلالها يعبر عن نفسه، يزفر أشجانه، يتخلص من مكنونات لو اختزنها أوجعته، فهي كالدمعة لمن لا يستطيع التعبير عما يعتمل في ذاته لكنها حية حين ينطقها. ولذا فهي جسر العبور منه وإليه، ولا يكون هذا إلا بعشقه لها كما يعشق الذكر أنثاه ليلتحم بها. فالشاعر لحظة الإلهام يكاد يكون في حالة من النشوة حتى الثمالة بما يقترب من الهذيان، يتحدث كأنما يملى عليه.

وهو بعد سيخوض غمار هذه اللغة ليكتب قصيدته، ليكتب الشعر الذي يراه بعض المتخلفين فنا محرما كما الموسيقى والتمثيل والرسم وغيرها من الفنون الراقية، وهم لا يدركون أهميتها كحاضنة للثقافة ومؤثرا حقيقيا في النفوس وسبيلا لتهذيب الأذواق وترفيها راقيا. لذا فهو لا ولن يفكر في مثل هذه الأمور أو يلتفت إليها حتى آخر لحظات حياته، تحريمها قضية خاسرة لا تعنيه. فقضيته أعظم من ذلك إذ تتعلق بكنه اللغة. فاللغة بحد ذاتها ذات دلالات وبنية لا يحسنها إلا خبير بالتعامل معها ولا تلين إلا لعاشق فتصبح طوع بنانه، ليس لضعف فيها ولكن بسبب عشق العاشق لها وقدرته على تطويعها وبغير العشق محال تطويعها على غيره، ومن هنا فالشاعر بالذات يدعو اللغة كما أية أنثى عاشقة أن تقترب من حضنه لتخوض فيه بكل الشوق الذي يلهب نارها ليغرق العاشق فيما يشتهيه منها، فيغرف عباراته ليشكل منها ما شاء من نصوص. وإن كانت علاقة العاشق بمحبوبته ليلا فمعظم القصائد يثمل بها الشعراء ليلا كذلك. نعم أو كما قال:

                         فخوضي الحضن بنارك

                  نوحك لن ينجو من طوفان العشق

                           ولا من دسر النفق

فكيف لشاعر أن ينجو من عبور النفق من إلى. من مشاعره والتعبير عنها إلى الغير، من وجدانه إلى اللغة إلى القارئ. وبالعكس من الواقع الذي يختبره إلى عمق ذاته لتختمر هناك، يتمثلها لتصبح دورة حياة وإحياء له ولغيره، مما يمثل عبورا روحانيا يحمل معاناته ليبوح بها، فإذا هو بوح معاناة الكثيرين ممن مروا بذات الخبرات النفسية والحسية.

                             موسيقى صمتك  

                              سامفونية قبري

                           حلاج الأسئلة الأولى

                             رعشة حبر ذبلى

                              في ميثاق الألق

والشاعر في كل أوقاته كينونة تصغي حتى لصمت وحيه فهو إذ ذاك يعيش حالة الإرهاص وكأنه محجوز في قبر لا يرى شيئا، لكنه يسمع هسيسا، موسيقى ما، فتثور في أعماقه التساؤلات كعاصفة تأخذه إلى آفاق بعيدة، فإن جاءه الوحي استراح وإلا فسيبقى الصمت كمنجل يحصد تساؤلاته، يشذبها، يصنفها، يفرزها حتى تتحول إلى عبارات، إلى أبيات من الشعر يرتعش بها وجدانه، لسانه، أو قلمه لتشرق شمس قصيدته كما تشرق نفسه برعشة وصال محبوبته ولا فرق فاللذة لمن جربها واحدة. لذة ومتعة التواصل مع عمق الوجدان ليكون إبداع ما أو مس لمن نحب.

                هذا الزمزم نبش أظافر وهج الرغبة

                            في جلد النسقِ

                          مُدّي جسر الخصف

                    إلى الساق على الساق الملتصقِ

                    ودعي عقدة عصري الحجري

                     تفك جميع حضارات الأرض

                           على نخب النزقِ

عندما يستعصي الإلهام على الشاعر يضيق عليه واقعه المادي الذي يعانيه، تتدافع الأسئلة في أعماقه كما الأمواج في البحر، تتردد أصداء موسيقاها على جدران وجدانه محجوزة فيها، هذا المد والجزر ما بين الإفصاح والاستغلاق “زمزم” ينبش كما أظافر رغبة تستثير الإفصاح عما يجد. تثير رغبته في القريض، فما يكون منه إلا أن يدعو لغته المعشوقة إلى الاقتراب منه أكثر ليفصح عما في نفسه من لواعج ومشاعر، ليتمكن من فك عقدة صمته التي تحجرت ويبوح بكل ما يتمكن من خلاله تفسير مشاعر الإنسان كإنسان عبر كل العصور والحضارات من خلال شاعريته دون إبطاء. فالخبرات الإنسانية الوجدانية واحدة في كل العصور وفي الحضارات، مهما اختلفت يبقى الجوهر الإنساني واحدا.

                    يا معبر كفي نحو رياض التفاح

                               وتوت الجلد..

                              ورمانات الجس

                              أنا آخر فرسان

                                  السبق..

                              كل قضية أنثى

                          ثوب يحتاج إلى المزق

                          آه يا أعظم آيات اللمس

                              ملالي الشبق!

إن كانت الأنثى البشرية هي الجسر الذي يعبر آدم عليه ومن خلاله إلى جنة الأرض بكل ما في علاقته بها من متع، فاللغة تقود خطاه إلى جنة الشعر وما تتضمنه من ذائقيات جمالية توازي متعته بمعشوقته البشرية. وكما لا يحاول التسابق أو التنافس مع الغير للفوز بقلبها، بحبها له ومن ثم امتلاكها لأنه يدرك قيمة العشق الحقيقي، فهو هنا لا ينافس غيره في تأليف قصائده ولا يحاول الركض أو الهرولة لقول الشعر، وإنما ينتظر الوحي الوجداني الحقيقي، متأكدا من تحققه بسبب ثقته بشاعريته ومواهبه بذات الدرجة التي يدرك فيها أن للحب أسبابه الحقيقية والتي لا علاقة لها بالمنافسة بأية صورة من الصور، فهي أي المرأة وهي أيضا القصيدة أو الإبداع من خلال اللغة فالمعشوقة بحد ذاتها آية أو دليل صدق العشق لها والرغبة بمضاجعتها ليولد الإبداع. والإبداع في هذه الحالة لا يخضع لمتطلبات السوق ولا لشروط البيع والشراء، فالمبدع الحقيقي لا ولن يتاجر بإبداعه كما لا يقبل الحبيب أن تكون معشوقته بضاعة للمتاجرة.

هذا العشق لهذه الكينونة -المرأة أو الإبداع- عشق الأنثى الإنسانة وعشق الأنثى اللغة، فكل منهما قد يمثلان قضية قائمة بذاتها يتقدم بها شاعرنا ليعرضها أمام لمجتمع. يود أن يمزق حيثياتها لتظهر القضية عارية واضحة المعالم لا لبس في جزئياتها. وقد سبق لنا في القراءة الأولى أن تناولنا قضية الأنثى “المرأة”، وهنا تناولنا قضية الأنثى “كلغة” وكإبداع ينتج من عشق الشاغر للغته. وأن الأنثى الكينونة في هذه القصيدة غير قابلة للمتاجرة، فهي أسنى من ذلك وأطهر وأقدس.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.