0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

قراءة أولى لقصيدة أحمد حضراوي “قضية الأنثى”- جميلة الكجك

القصيدة:

أدفن نفسي في نبت الصدرية حد الغرقِ
وأغوص إلى بئر خطيئتيَ الأولى
نحو جذور الحبقِ
يا رشفة كأسي..
إني ذقت رضابك لما لم أذقِ!
يا تعويذة حبي
إني أجلت فتاوي تحريمك أحداق دموعي
حتى تسبيلة جدران الشفق
أنت مُحال العينين
مُحال أسرّة هذا الأزِّ
إلى محراب العرقِ
هذا الطعن مسار الليل
فخوضي الحضن بنارك..
نوحك لن ينجو من طوفان العشق
ولا من دُسْرِ النفق!
موسيقى صمتك
سامفونية قبري
حلاج الأسئلة الأولى
رعشة حبر ذبلى
في ميثاق الألقِ
هذا الزمزم نبش أظافر وهج الرغبة
في جلد النسقِ
مدي جسر الخصف
إلى الساق على الساق الملتصقِ
ودعي عقدة عصري الحجريّ
تفك جميع حضارات الأرض
على نخب النزقِ
يا معبر كفي نحو رياض التفاح
وتوت الجلد..
ورمانات الجس
أنا آخر فرسان
السبَقِ..
كل قضية أنثى
ثوبٌ يحتاج إلى المِزقِ
آه يا أعظم آيات اللمس
ملالي الشبقِ !

قضية وشاعر
في الأصل هو آدم، يحمل كل جيناته، يتصور أنه قد ورث عنه خطيئته الأولى. ثم هو يوسف هذا الزمان، لم يسقطه إخوته في الجب بل نزل فيه برغبته كي لا يتعرض إلى ما تعرض له يوسف في زمانه. دخل الكهف عامدا متعمدا كي لا يختلط بمن فسدوا وأفسدوا. اضطر أن يعبر المغارات العجاف. تعرض في حياته إلى الإقصاء من أكثر من مجال فقط لأنه متميز نقي السريرة لا يقبل بما يقبل به الجميع لمجرد أنه ذا نفع شخصي. وهو يونس الذي ابتلعه الحوت وعاد إلى شاطئ الأمان حيا بعد دعوة مستجابة. ناسكا في محراب الجمال، شاعرا ذا إحساس مرهف، خلق هكذا. وهنا هو نوح يحاول أن ينجو بسفينته من تلاطم أمواج الرغبة التي تعصف به. وهو بعد رجل قانون، درسه ويحمل شهادة دراسات عليا فيه، مما يعرف ما له وما عليه، يعرف ماهية القضايا والتقاضي. ترى، ما هي قضيته هنا؟ إنها قضية “الحبيبة”، المرأة حين تكون أنثى لآدمها. والمرأة كما الرجل، “شقي الإنسان” كإنسان، تلك الوحدة، الكينونة التي أراد لها الخالق سبحانه أن تبقى في توق دائم للاكتمال، لالتحام الجزئين. هي كما هو يؤديان في حياتهما عدة أدوار أساسها الحب الذي إن غاب فترت الرغبة في الحياة والعمل، وضاع الدافع، وذبلت النفس التواقة إلى تحقيق المستحيل. ولكن لا حب حقيقي بين آدم وحواء دون شهوة تخلقها الرغبة، والرغبة مغروزة فينا شئنا أم أبينا، لتتم دورة الخلق وتستمر سلسلته. ومن نعم الله علينا أن كانت شهوة بلذة نعيها ولا نحسها فقط. فلو كانت متصلة بالحس وحده دون الوعي لما كنا آدميين، بشر. ولما كان منا الشعراء والأدباء والفنانين. الإنسان وحده حين يحب وتتملكه الرغبة إما أن يفرغ شحنتها بالوصال أو بالقمع السلبي أو بالانتقام من نفسه ومن شريكته، أو أنه يتسامى إلى الإبداع الوجداني ليرسم لنا بالريشة أو النوتة أو الحركة.. أو الحرف أجمل الكلمات والعبارات يتنفس من خلالها فيرتاح، يمتع نفسه بهذا الفن الجميل. يحلق رغما عنه إذ يتحرق شوقا، يصل المحبوب وصالا روحانيا لينبت زرعه قصيدة أو نصا فائق الجمال. موسيقى ونغم، بل هو يخلق الجمال بما منحه الخالق من قدرات.
لن أقول قدرنا أن نحب، بل هو قضاء الله النافذ فينا. وما القدر إلا ما نخطه نحن حين تلتقي سبلنا، حين تتشابك خطانا.
إن كانت هذه خطيئة آدم الأولى فهي ذاتها خطيئة حوائه، ولا أرى كما يرى غيري أن هذه هي خطيئة الإنسان أبدا. كيف يكون الحب الذي نتقرب به إلى من خلق وبرأ خطيئة، كيف نجعل أجمل ما غرس الرحمن فينا قبحا وقد أراده الله غرسا طيبا ينبت الجمال فينا. كيف يكون الحب الذي يعبد قلوبنا لبعضنا البعض ويسويها ذنبا، وما عبد القلوب مثل الحب. قضيتك شاعرنا -جميل النفس- قضيتك التي تثيرها هنا هي ذاتها قضية الحب والمحبين، قضية الإنسان كإنسان منذ أن أصبح الإنسان إنسانا يأنس بشقه الآخر، ولا شقيق أقرب إلى النفس من شقه النفسي، حين خلق الله من نفس آدم حواءه. خلقهما من نفس واحدة. لكن الوعي السليم لدينا غاب عنا حين اختلطت الأوراق في هذه القضية، وضاعت الأدلة، وأسدلت عليها ستائر من حديد وفولاذ، وأقصي الشهود العدل ليحل محلهم شهود الزور والسوق والبيع والشراء. ضعفت الأنفس وضاقت بها الأرض بما رحبت، وتاهت العقول في الملفات المرصوصة فوق بعضها البعض في أرشيف تقادم عليه أرشيف تبعه آخر حتى أصبح من التراث، وما أكثرها! حتى لكادت تطمس الحقيقة عنا، فظلم القاضي وظلم -ظلم الأولى مبنية للمجهول- ظلم إذ لم تتوفر لديه الأدلة وهو لا ينطق حكما إلا عن دليل، وظلم إذ لم يحضر شاهد عدل. فما كان من نتيجة إلا أن تعس الإنسان، لكن في كثير من الأحيان يزهر ألم التعساء جمالا فائقا فكأنما هو نقطة الغيث اخترقتها أشعة الشمس قبل أن تصل الأرض فإذا بها قوس قزح يسر الناظرين. والقضية التي تاهت في الملفات حتى باتت على ما هي عليه من تعقيد هي جد بسيطة فـ:
                           
                                                                                                       كل قضية أنثى
                                                                                             ثوبٌ يحتاج إلى المِزقِ!

ولا عجب شاعرنا.
هذه القضية التي تثيرها “أحمد حضراوي” ليست قضية الأنثى فحسب بل هي قضية الإنسان الأولى والأساس، هي جذر قضايانا كلها. تحتاج قاضيا عادلا، وشهودا ذوي عدل، واعترافا بوجود قضية قبل ذلك. إنها قضية حقيقة علاقة آدم بحوائه من تكون! وها أنت تترافع فيها.
قضية كل الشباب إذ يحب فيمتنع عليه الوصال وهو حق له إن أدى مقتضيات ذاك الحق. ولكن هيهات فالعوائق أمامه كثيرة والطريق صعبة المرتقى والنفس تشتهي فما العمل إلا أن يتسامى على ذاته بقطعة من جمال الإبداع يرسم بالكلمة والحرف ببلاغة تفوقت على بلاغة أجداده العرب الأقحاح. بصور فنية فائقة الجمال لا يتقنها إلا فنان عبقري. تورية تدفعه إليها نفسه الحيية، لتكون مفرداته وعباراته سائغة لكل نفس عفيفة طاهرة لا تقبل الفحش ولا بذيء الحديث. هنا لا يجد من منفذ أمامه إلا أن يتحدث إلى نفسه ويمنيها بإرواء ظمئه، يتمنى لو أنه آدم وقد اجتمع بحوائه ونال مراده منها وإن غرق فما الغرق حين ذاك إلا وصولا إلى جذور المتعة المشتهاة الطيبة، والتي وصفها بجذور الحبق. أمنية يود تحقيقها وإن كانت ستغوص به إلى جذر آدميته الحقيقية والتي قدمها لنا التراث على أنها خطيئة آدم الأولى. وما هي بخطيئة -لكن الخطيئة شيء آخر تماما سكت عنه التراث- وليس هنا المحل المناسب للبحث فيها.
هي إذا هنا في هذه القصيدة -تلك التي يصورها الشاعر بأنها خطيئة- لم تخرج عن كونها أمنية لم يصدقها الفعل. لم تتعدَّ كونها رشفة من كأس تذوقها ولم يتذوقها. تذوقها تصورا لكنه لم يقترب منها فعلا لكنها ملاذه. والحديث هنا عن أي رجل وامرأة. عن رغبة الرجل بالأنثى بعامة، وعنه إن تعلق بمن أحبها. هو حديث النفس للنفس، مناجاة. ولهذا فما فائدة التحليل والتحريم إن كان لا مجال أصلا لوصالها، فليترك مسألة التحريم جانبا وليحلم بها في أحضانه فلا نجاة له من هذا العشق. فإن نجا نوح فهذا العاشق لن ينجو، ولكن لماذا؟
لشدة عشقه لها، لأنه آدمي التكوين، لأنها هي الكأس التي ستروي ظمأه، تذوق الرشفة بطريقة ما هو أعلم بها -الشاعر- وإن لم يتذوقها تذوقا حسيا واقعيا، لأنها وحدها ملاذه في الحب، لأنه أجل فتاوى تحريمه لها حتى الموت، حتى إطباق العينين أو الوصال، لأنها بعيدة المنال، لأنه بشر قد يضعف، ولأنها رغم كل ذلك وفوق كل ذلك وإن صمتت فلصمتها موسيقى تصله، تؤزه، تدفع به للإفصاح عما في نفسه فنا راقيا، وهي في المقابل موسيقى تؤسس لقبره، قبر مشاعره وعدم الإفصاح بها لها هي. وصمتها بعد يثير في ذهنه أسئلة الوجود الأولى، كأنما تحولت في ذهنه إلى أداة حلج واستقصاء لهذه الأسئلة تؤز في صدره، ليبعث عن إجابات لها. وموته المفترض هذا هو ذاته وحيه الذي كتب به. فتكون له بعثا روحانيا. تحفظها وصمتها ومحاولة زم مشاعرها وعدم الإفصاح بما في نفسها لم يزهده فيها أو يدفعه عنها بل يبدو أن تمنعها زاده رغبة فيها وشوقا إلى وصالها حتى اضطر إلى الطلب الصريح أن تلين له وتقترب منه كي تفك عقده فيقبل عليها يروي ظمأه إلى لذة مشتهاة، فهي معبره الوحيد إلى جنة آدم وحواءه على هذه الأرض.
هي إذا قضية آدم عفيف جميل النفس، نقي الروح، وصل بحبه حدود الشك بالنجاة من طوفان عشقه، بل الجزم بذلك. عرض القضية كرجل قانون متمكن من مهنته، عارف بآليات عمله. شاعر فنان يعرف كيف يصوغ الجمال بصورة خلابة يغلفها فيه، بل بمزجها ويعجنها به. يثير أسئلة الخلق الأولى بما يخص علاقة العشق الأول والذي ورثناه عن والدينا -آدم وحواء- ملوثا بسخافات ما أنزل الله بها من سلطان. لتولد قصيدة هي حال كل عاشق سليم النفس. عبر عن تجربته الذاتية فإذا بها حكاية الجميع. امتزجت في هذا الكيان القصائدي بود، بحب، بعشق، بروحانية، بمعاناة، بمناجاة، بفلسفة اتخذها سبيل حياة، فكر ومنهج. ورغم كل ذلك وقف بعيدا عمن يحب، لم يريد مزاحمة الراكضين للفوز بها فهي بالنسبة له وكما يراها أرقى وأعظم من أن تكون هدفا لسباق. إن أحبته قبلت به دون أن تعير المتسابقين التفاتة. وإن لم تشأ تركها بحالها فالحب الحقيقي لا يحتاج سباقا بل قلبا ينبض بحبها واستجابة من قلبها.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.