0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

مدرسة المجتمع ــ عبد الكريم ساورة

  العالم يفاجئنا كل يوم بأحداثه، المفرحة والمحزنة والمثيرة، لا ننتبه في غالب الأحيان سوى لما هو مثير، الإثارة هي الوحيدة التي تجعلنا نشعر بأن العالم له طعم الشوكولاتة.
عندما يضرب التلميذ أستاذه في الشارع، فالأمر لايمكن أن يأخذ طابعا سحريا، بل يعتبر اعتداء جسديا قام به شاب طائش، لكن عندما يتم الضرب داخل القسم باعتباره مجالا مقدسا وحميميا للأستاذ ويتم تصويره ونقله ليتفرج عليه العالم فالأمر أكثر إثارة وقد يجعل الجميع يتعاطف مع الأستاذ ويعتبرون العنف الممارس من طرف التلميذ جريمة نكراء، وقد نجد من يطالب بقطع يديه. هل فعلا هذه هي الحقيقة ؟ من يتحمل المسؤولية ؟ ومن يجب عليه أن يعتذر ؟
المدرسة ملك للمجتمع، أو ما يمكن تسميتها بمدرسة المجتمع، ومن يجب أن يحميها هو المجتمع نفسه، فهل فعلا أعددنا ما يطلبه هذا المجتمع ؟ هل قدمنا له الوجبات المادية والروحية ما يجعل جسده وعقله مؤهلا للقيام بدوره على أحسن وجه ؟ هل علمناه قواعد الأدب ؟ مجتمع أعمى عندما يحاول أن يقطع الطريق، لا محالة سيصطدم يوما بشاحنة محملة بالألغام، ففي الأول والأخير المجتمع هو من يقود المدرسة والأستاذ مجرد حارسها الأمين.
الأحداث التي تظهر بين الفينة والأخرى، والتي يتفق الجميع على وصفها بالمؤلمة، وهناك من يعتبرها مذلة، ويكون أبطالها شبان مراهقين لا شك أنه تم إقصاؤهم بشكل أو بآخر من “خريطة المجتمع المفتوح” وتم سجنهم بعنف ممنهج في ” مجتمع مغلق ” لا طعم ولا حياة فيه، فوجدوا أنفسهم وجها لوجه مع ” القُبح” مع كل أشكال الانحراف، فكان ضروريا أن ينقلوا مرضهم وعدواهم إلى المجال الأقرب، الهش، وهو المدرسة، المؤسسة الأضعف.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فلابد لهم من عدو مباشر لمواجهته ونقل ” قبحهم ” والأستاذ وحده من يجب أن يتحول إلى “مرحاض” ليرمي فيه التلميذ فضلاته الزائدة، فهل هو يشعر بذلك ؟ لا يشعر. فهل هو يعي مايقوم به ؟ لا يعي بالمرة. فهو يعتقد كل الاعتقاد أنه يقوم بتمرين جسدي أو عضلاتي من أجل أن يخفف عن جسده المملوء بالطعام الفاسد.
الأستاذ، الملاك، لا يصدق ذلك، لأنه يضع نفسه في موضع مقدس، في مكان عال، عال جدا، لايقبل بأن يفسد التلميذ عليه خلوته، لا يقبل أن يلج مجاله الخاص، إنه يفضل أن يصلي وحيدا بعيد عن ضوضاء التلاميذ المشاغبين، إنه يفضل عالما جديا، وتلاميذ أكثر جدية، إنه يفضل مجتمعا طوباويا، غير مألوف، إنه يجانب الواقع، إنه يرفض الحقيقة، إنه يرفض الشغب، والشغب هو الوجبة المفضلة عند التلاميذ، وهنا لا يعترف الأستاذ بهذه اللعبة ولا يقبل بها ويعتبرها مس وإهانة في حقه وسلطته المقدسة فيقع المحضور.
المدرسة، ملتقى الجميع، وهي فرصة لاستعراض المواهب، لتبادل الخبرات الصغيرة، وهي مجال الأحلام الكبيرة، والأستاذ والمدير والحارس هم الجسر الذهبي الذي يعبر منه التلميذ لتحقيق هذه الأحلام، هم وحدهم من يملكون كتاب الأدب، والأستاذ وحده من يملك القدرة على شرحه وتلقينه للتلاميذ بليونة العَالِم وبمحبة ورحمة الوالد، لهذا ففشل المدرسة هو فشل المجتمع، ونجاح المجتمع هو نجاح المدرسة، انتبهوا جيدا، المجتمع يحتاج إلى أو كسجين كاف من الأدب.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.