0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

” قراءة ” في رواية : ( ماما فاطمة ) للأديب خلوصي محمد عويضة ــ ذ. سليم عيشان (علاونة)

تمهيد :
• ” الثلاثية الفلسطينية ”
• ” الثلاثية الغزية ”
• ” ثلاثية خلوصي عويضة ”
كنت بصدد اختيار إحداها عنواناً لهذه القراءة التي أقوم بها على النص الروائي الكبير للكاتب والأديب والروائي القدير ” خلوصي محمد عويضة ” ..
وفي النهاية وجدت بأنني أميل لأن أجعل منها كلها عنواناً كاملاً متكاملاً لهذه القراءة .
فـ ” الثلاثية الفلسطينية ” تنطبق بالفعل على هذا العمل الروائي الكبير … تماماً كما هو الحال بالنسبة لـ”التغريبة الفلسطينية”..
وبالنسبة لـ ” الثلاثية الغزية ” فكان منبع ميلي لمثل هذه التسمية .. على أساس أن الكاتب الروائي للروايات الثلاث ” الثلاثية ” هو ابن ” غزة ” ؛ هذا من ناحية ؛ ومن الناحية الأخرى ؛ فإن العمل الأخير ” ماما فاطمة ” وهو موضوع هذه ” القراءة ” تدور أحداثه بالمجمل في ” غزة ” .
أما بالنسبة لـ ” ثلاثية خلوصي عويضة ” فهذا مرده إلى وجه الشبه الكبير بين ” ثلاثية نجيب محفوظ ” .. ( السكرية – قصر الشوق – بين القصرين ) و ” ثلاثية خلوصي عويضة ” .. ( الأفعى تطوق الأرض – المباهلة – ماما فاطمة ) ..

” ماما فاطمة ” :
ثمة خاطرة غريبة مرت في ذهني وخاطري لأكثر من مرة وذلك قبل الخوض في غمار ومجريات أحداث وشخوص الرواية ” ماما فاطمة ” ..
فثمة فكرة غريبة كانت تراودني – وأظنها قد راودت البعض أيضاً – بأن هذه الرواية هي ( رواية للأطفال ) والذي كان يوحي لي بذلك هو العنوان .. الخفيف اللطيف ” ماما فاطمة ” ، ولكني وبعد البدء في تصفح الرواية تيقنت وبشكل جيد من خطأ نظريتي وتفكيري واعتقادي … وابتسمت .. بل وضحكت من نفسي وعلى نفسي ..
فقد اتضح لي بأن الرواية هي عمل أدبي عملاق لكاتب وأديب وروائي عملاق .. عمل روائي يستحق القراءة والتحليل والاهتمام بالفعل .
النص الروائي في حد ذاته يحاكي الكثير من النصوص الأدبية على المستوى العربي والعالمي على حدٍ سواء .. فقد قام الكاتب الروائي بالغوص العميق المعمق في أعماق شخوص وأحداث النص الروائي بحذق ودراية وخبرة عريضة ؛ لدرجة أن الشك قد ساورني بأن الكاتب يمتهن مهنة الطب النفسي الطب التشريحي إلى جانب عمله المهني والروائي الأدبي .
لقد تناول الكاتب من خلال نصه الروائي قضية اجتماعية حساسة في المجتمع الغزيّ ( نسبة إلى غزة ) ؛ وقام بعملية ” تفكيك ” لأحداث وشخوص الرواية متشابكة الأطراف ومتداخلة الأحداث .
لقد كانت الرواية عبارة عن ” كوكتيل ” ومزيج من البطولة المطلقة للشخوص .. الأحداث … المكان .. والزمان .. والتي تقاسمت جميعها دور البطولة في الرواية .
ثمة خاطرة أخرى غريبة تبادرت إلى ذهني ومرت بخاطري .. حول عنوان الرواية خاصة في ذلك الجانب الذي كان يدور حول شخصية ” دهشان ” .. وهي شخصية محورية في النص ؛ وحول ذلك ” النحس ” و ” الشؤم ” الذي كان يلازم الشاب طوال رحلة حياته في النص الروائي .. فكم راودتني فكرة غريبة حول العنوان .. ( عنوان الرواية أعني ) .. كأن يكون على سبيل المثال :
” دهشان النحس ” أو ” النحس يلاحق دهشان ” .. ولكني في النهاية استبعدت كل هذا وذاك عدت إلى التثنية على العنوان الذي اختاره الروائي … فهو بالطبع لم يختر عنوان روايته بشكل عشوائي أو اعتباطي أو جزافي .. وقد أحسن الاختيار بالفعل .

• الزمان ” للنص الروائي ” :
أحداث النص الروائي تدور إبان فترة زمنية امتدت منذ عام 1967 وما تلاها … وحتى عهد قريب من الآن …وقد استعمل الكاتب الروائي أسلوباً مميزا في عملية الترابط الزماني للأحداث معتمداً على أسلوب التشويق والربط بين الأحداث حسب التسلسل الزمني ” التأريخي ” وما تقاطع معها من النقلات النوعية والانعطافات الحادة على مدار وقت ” زمن ” ما حدث إبانها من إرهاصات .. وقد جعلنا الروائي نتقمص الزمان وكأننا نعيشه .

• المكان :
ومثلما جعلنا الكاتب الروائي نعيش ( الزمان ) من خلال نصه الإبداعي الروائي .. فقد جعلنا أيضا نعيش المكان ..
فمما لا شك فيه بأن ( المكان ) – في الرواية بشكل عام .. وفي الرواية موضوع القراءة ” ماما فاطمة ” بشكل خاص – له دور هام في أحداث الرواية ومجرياتها .
ففي ” ماما فاطمة ” ؛ كان ” للمكان ” الدور الأهم في مجريات الأحداث .. وتحرك الشخوص .. والتي تمت كلها تقريبا في إطار نفس المكان ( تلك المنطقة التي تقع في الجانب الغربي الشمالي من مدينة غزة ) .. اللهم سوى بعض المشاهد والأحداث (الجانبية – الهامشية ) التي تمت هنا وهناك خارج هذه الدائرة .. وفي أضيق الحدود ..
وهذا ما ذكرني بتلك الأعمال الأدبية الروائية العالمية التي كان يقوم بإبداعها الروائي الإيطالي العالمي ” ألبرتو مورافيا ” والتي كانت جل أحداثها تدور ( بالمجمل ) داخل مدينته ( روما ) الإيطالية .. ولم تتعد حدودها بالمطلق .
المكان في رواية أديبنا والذي ورد في النص الروائي كان مكاناً أقرب هو إلى البداوة منه إلى الحضر .. أقرب هو إلى البساطة من الحداثة .. في كل نواحيه .
المكان ؛ هو ( بيت العائلة ) الذي يعيش فيه الكل ؛ والقريب الشبه من ( البيت الكبير ) بشكله ( شبه البدائي ) المتواضع ؛ والذي تتمثل فيه البساطة بأجل معانيها وصورها … ” البناء المتواضع للسكن … المضافة … الحاكورة .. المزرعة ” .
ويعتبر ( بيت العائلة ) أو ( البيت الكبير ) نقطة الارتكاز المحورية الرئيسة .. التي تعتبر نقطة التجمع والانطلاق لشخوص النص الروائي ؛ فمهما حاولوا الابتعاد عنه ( قسراً أو برغبتهم ) سواءً أكانوا مكرهين ومجبرين على ذلك أو بإرادتهم الحرة ؛ فإنهم في النهاية يعودون إليه مهما طال الغياب أو قصر .. وهو بمثابة الملاذ والحصن المنيع لهم جميعاً من البداية وحتى النهاية … ففيه مولدهم .. حياتهم .. معيشتهم .. زواجهم …موتهم ونهايتهم . وكأن الكاتب الروائي يوحي لنا ولأبطال النص الروائي بأنه محكوم علينا وعليهم أن نعيش في نطاق دائرة محددة ؛ أو في متاهة ضيقة كلما حاولنا الخروج منها ازدادت اتساعاً ولقد استطاع الروائي بالفعل أن يجعلنا نعيش ونتعايش مع المكان .. وكأننا نشارك شخوص النص الحياة فيه .

• ( الأحداث ) :
لا شك بأن ( أحداث الرواية ) والتي تم سردها بطريقة رائعة تنم عن حنكة وقدرة الكاتب وتنم بشكل جيد على مدى إلمام الكاتب بمجريات الأمور وتطورات الأحداث والذي جعلنا نتصور بأننا بعض ( شخوص ) وأبطال النص ؟ وجعلنا أيضاً نشارك الشخوص حركاتهم وسكناتهم .. آلامهم وآمالهم .. أفراحهم وأتراحهم … سعادتهم وتعاستهم .. نضحك مع ضحكاتهم …ونشارك آلامهم ودموعهم .. وجعلنا نتفاعل مع كل حدث وموقف وكأننا نعيشه ونحياه بالفعل .
ولم يكتف الروائي بأن يجعل منا مشاهدين ومتابعين للأحداث فحسب … بل زج بنا في معمعة الأحداث وكأننا بعض المشاركين فيها بالفعل وليس المشاهدين والمتابعين فحسب .
لقد استطاع الروائي أن يسيطر على حواسنا ومشاعرنا نفس سيطرته على شخوص الرواية وأحداثها ؛ وجعلنا نتفاعل معها وبها سلباً وإيجاباً حسب سير الأحداث التي كان يخوضها أبطال النص والتي يرسمها الكاتب ببراعة .. وبتنا وقد خرجنا من جلودنا (كقراء) وأصبحنا جزءاً مكملاً ومشاركاً فعليّاً .
ولا شك بأن النص كان مفعماً بالأحداث ؛ متخماً بالمواقف ( والتي تميل بمعظمها إلى السوداوية ) .. تلك الأحداث المتلاحقة المتلازمة التي كانت ترهق النص بالزخم وترهق أعصاب الشخوص ( وأعصابنا ) ؛ ولكنها بالمطلق لم تكن ( ترهق ) النص أو تثقله.
في الكثير من المواقف والأحداث .. لم يكن الكاتب ( الروائي ) في منأىً عن التفاعل مع الأحداث ( السياسية .. الوطنية والاجتماعية ) والتي كانت تحدث وتجري خارج إطار ( بيت العائلة ) أو ( البيت الكبير ) .
لقد كان هناك انسجام سردي بالتفاعل ما بين هذه الأحداث وتلك التي كانت تجري في محيط المجتمع ( اجتماعيا / سياسيّاً / ووطنيّاً ) .. ولم تكن الأحداث والشخوص ” متقوقعة ” داخل قوقعتها .. ولم تكن ” منغلقة ” على نفسها في محيطها الضيق .
لقد كان التفاعل مع أحداث النص الروائي ثلاثياً منسجماً … ثلاثي الأبعاد بين مجريات الأحداث / الكاتب / والمتلقي ( القارئ ) .
ولقد استطاع الروائي بالفعل وبحنكة ودراية ومقدرة فذة أن يمازج بينها ويصهرها في بوتقة واحدة .

( الشخوص ) ” شخصيات الرواية :
وهي الركن الأساس في النص الروائي .. وهي محور الرواية بلا شك والذي ترتكز عليه كل الأبعاد الأخرى .
وبدوري … ومن وجهة نظري المتواضعة فقد رأيت بأن أبطال ( شخوص النص ) تنقسم إلى ثلاث فئات .
الفئة الأولى : هي فئة البطولة المطلقة للنص .
الفئة الثانية : هي فئة البطولة المساعدة في النص .
الفئة الثالثة : هي فئة الأبطال الثانويين .
ورغم أن دور البطولة المطلقة في الرواية بشكل عام ورئيس كان ينحصر في ( ” ماما فاطمة ” – دهشان – جابر ) .. طبعاً عدا بعض الشخصيات الأخرى ” شبه البطولة ” ؛ فإنني سأبدأ الحديث عن بطل النص الروائي الحقيقي قبل الجميع ..

• ” كاتب النص الإبداعي ” :
الكاتب ” الروائي ” بالفعل قام بالدور الكبير والجهد العظيم في النص وكان وبحق ( الجندي المجهول المعلوم ) بتحريك الشخوص والأحداث بحنكة ودراية وقدرة عالية .
والذي كان يتنقل بين الشخصيات بكفاءة ومقدرة وكان يعطي لكل شخصية من الشخوص ( حقها ومستحقها ) ثم ينتقل بنا إلى الشخصية التالية لكي يعطيها الحق بالكامل كسابقتها ..
بطل النص الأول والأخير هو ( الراوي – الروائي – القاص ) الذي أثبت ذاته في تقمصه الرائع لشخوص النص والتحليل الراقي لأحداثه .
فلو أردت أن أقول بأن كاتب النص هو ( فاطمة ) لقلت : بل هو ” دهشان ” .
ولو قلت بأنه ” دهشان ” .. لقلت : إنه ” جابر ” .
ولو قلت بأنه ” جابر ” .. لقلت بأنه : المزيج والمزج الرائع في صهر جميع هذه الشخصيات في بوتقة واحدة أستطيع أن أطلق عليها تجاوزاً ( مجازاً ) .. ” فاطمة دهشان صابر ” .. وهذا بالطبع يدل على الكفاءة والمقدرة التي يتمتع بها الروائي الكاتب .
ومن الناحية الأخرى … فلقد أثبت الروائي قدرته الفذة على تحريك مشاعرنا وأحاسيسنا ( وشخوصنا ) تماماً كما كان يحرك شخوص النص ( الأساسية والثانوية ) على حدٍّ سواء ؛ عدا عن الإلمام التام من الروائي بأصول فنيات التعامل التقني ( التكنيك الفني ) مع الأعمال الأدبية الروائية الحديثة بما لديه من حصيلة لغوية ومعلوماتية وثقافية وأدبية ؛ عدا عن الخبرة الطويلة في مجال ” القص الروائي ” .
وقد لجأ الروائي إلى تنويع ” لغة الحوار ” الروائي حسب وضعية الشخص المتحدث حسب ثقافته ( الفصحى / العامية / الأجنبية ” الإنجليزية ” ) . لذلك استحق وبجدارة دور البطولة المطلقة في النص الروائي .

” ماما فاطمة ”
البطلة المطلقة في النص الروائي .. وفي نفس الوقت هي البطلة الإيجابية الوحيدة ( عدا مشاركة ” دهشان لها في هذا الأمر بشكل نسبي ) .. والتي استطاعت أن تقنعنا بدورها الإيجابي ( الخيّر ) وشخصيتها الطيبة من البداية وحتى النهاية ( وحتى في أحلك الظروف وأكثرها قسوة ؛ وأكثرها سوداوية ) ومن الألف وحتى الياء في الرواية .
وبدوري … فلن أقول بأنني قد ” تعاطفت ” أو ( أشفقت ) على هذه الشخصية المميزة ، ولكني أقول بأنني ( اقتنعت ) بشخصيتها … احترمتها … قدرتها .. بل وأقول ..بأنني حملت لها الكثير من ” الحب “.
لقد أبرزت ” ماما فاطمة ” خلال رحلتها الطويلة في الرواية بأنها كانت الابنة والأم في ذات الوقت .. نهر الحب والحنان والطيبة ؛ في الوقت الذي انعدم فيه قطر الحب والحنان من الآخرين ولو بالنزر اليسير ..
فلقد أثبتت بأنها الأم ( الأم الصغيرة ) لطفل لم تلده …: بل ولدته أمها التي انتقلت إلى جوار ربها وهي تلده ” دهشان ” .. وكأنها تركته أمانة في رقبة ” ماما فاطمة ” وهي ما زالت طفلة صغيرة ..
وأثبتت بأنها ” الزوجة المثالية ” .. ” الأم المثالية ” لأطفال لم يكونوا أطفالها .. في الوقت الذي حرمت فيه من نعمة الإنجاب ..
وكانت ” المرأة والزوجة الصابرة ” الصبورة .. وقد صبرت على الزوج ” غير المتزن ” .. وصبرت على قضاء الله وقدره بعدم ” حملها ” طوال سنوات الزواج العديدة .. وصبرت على قضاء الله بفقدان الأب والأخ ومن قبلهما الأم .. وراحت تواسي الآخرين وتحتضنهم في الوقت الذي كانت فيه في أشد وأمس الحاجة لمن يحنو عليها ويواسيها ويخفف عنها المصاب ( المصائب ) .
تبنت الآخرين ( كباراً وصغاراً ) في الوقت الذي لم يفكر أحد بأن يتبناها ( حتى زوجها الذي كان ينظر لها كوعاء جنسي ومنجماً للثراء فحسب ) ..
وراحت تكتم آلامها في صدرها ونفسها وتداوي جراحها وجراح قلبها بنفسها .. وتظهر الابتسامة للجميع بينما في قلبها وفي نفسها جروح غائرة تحاول أن تداريها عن الجميع .
لقد أثبتت ” ماما فاطمة ” أصالة معدنها خلال أحداث النص الروائي ومنذ كانت طفلة وحتى النهاية ؛ وأكثر ما أثبت أصالة معدنها هو الموقف الأخير الذي عانت منه والذي كاد يودي بحياتها .. ولكنها تصالحت مع نفسها وتصالحت مع الآخرين … وخاصة مع من أصابوها في صميم القلب وأثخنوها بالجراح المميتة القاتلة .
لقد استطاعت وبالفعل أن تثبت بأنها تستحق لقب ” ماما فاطمة ” ؛ واستحقت باقتدار أن يكون لها شرف عنونة الرواية باسمها .. لتخلد اسمها وتخلد الرواية وتخلد الروائي .

• دهشان :
لقد شعرت بأن ” دهشان ” هو الحلقة الأضعف في الرواية .. وشعرت بأنه لا ينتمي لكوكبنا ( كوكب الأرض ) وكأنه قد أتى من كوكب آخر ؟؟!! .
لست أدري لماذا كان ” النحس ” يلازم ” دهشان ” وهو ذو الحس المرهف والشفافية المطلقة .
فقد رافقه ” النحس ” و ” الشؤم ” منذ يوم مولده … بل منذ لحظة مولده بشكل أدق .. وذلك بوفاة أمه أثناء وضعه ( ولادته ) ..
واستمر ” النحس ” ملازماً له على مدار الوقت .. وفي كل مراحل حياته .. وقد شعرت جيداً بأن والده ( عبد الجبار ) هو على وجه الخصوص من كان سبباً في ( طمس شخصيته ومسحها بل وسحقها ) .
منذ البداية .. ولن أدعي بأن الأب كان يقوم بالكيل بمكيالين … فالكيل الذي كان يكيل فيه لابنه ( محمود ) وهو البكر والمقرب له ؛ كان مكيالاً واسعاً فضفاضاً من ذهب … بينما كان المكيال الذي كان يكيل به لـ ” دهشان ” كان مكيالاً من خشب .. أو من حديد صدئ ؟؟!! .
” النحس ” كان يلازم ” دهشان ” في كل أموره الحياتية ( بما فيه الحب المكرر ) ولم يحالفه الحظ سوى في أمرين ( تجاوزاً ) ويكمنا في إبداعه العلمي ” التعليمي ” و الفني ” الرسم ” .. ” العلم .. والفن ” .. فقد وجد فيهما ” تعويض النقص ” المستفحل في نفسه وقلبه على حدٍّ سواء .
” النحس ” كان يتجلى فيه بأجلّ صوره في قضية ( الحب الفاشل المتكرر ) ابتداءً من وقوعه في حب ابنة عمته ( نعمة ) وهو الحب الأول له … والذي ما لبث أن فشل فشلاً ذريعاً عندما اصطدم بالواقع المر الأليم بأن حبيبته كانت ( أخته في الرضاعة ) ..

” كنت أتمنى هنا أن يعود الكاتب الروائي للإفتاء الصحيح حول هذه القضية العويصة من ذوي العلم والإفتاء .. ورجال الدين .. في أمر الرضاعة والأخوة وما يحيط بها … كعدد الرضعات .. ومن الذي رضع معه من بنات عمته ؟؟؟.. ومن تحرم عليه منهن ومن لا تحرم ” .

ولكني أعرف بأن الروائي قد تجاوز مثل هذه المسألة الشائكة لكي ينتقل إلى الخطوة التي تليها ..
فكان هذا هو الحب الفاشل الأول له فعلاً .
ولم يلبث أن وقع في الفشل الذريع الثاني ؛ عندما وقع في هوى وغرام السيدة البريطانية ” ماري نورمان ” ذلك .. الحب الفاشل الثاني ؛ والذي كان وبحق الصدمة الجديدة لـ ” دهشان ” والذي أكد له وبشكل قاطع بأنه ” نحس ” مع سبق الإصرار والترصد ..
وما فتئ ” النحس ” يلازمه حتى في الزواج ..
عندما كان الأمر يصدر له ” من قبل والده ” بالزواج من ” فاتن ” والتي كان يعتبرها هي الأخرى ” أخته ” في التربية والتنشئة .. وقد أكره إكراهاً و ( أجبر إجباراً ) على الزواج منها .. مما كان له النتائج السلبية الوخيمة عليه ؛ والذي أدى في النهاية إلى الطلاق والانفصال .. وكأنه قد أصيب بـ ” نحس ” الأخوات وما يشبه اللعنة ( لعنة الأخوات ) .. مما عزز في نفسه وقلبه بأنه فعلاً “نحس ” .. و ” شؤم ” .
خلاصة القول بأن ” دهشان ” كان هو الحلقة الأضعف والذي كان المنفذ لأوامر الأب .. الذي وصل به الأمر لدرجة أنه أمره بالزواج من ” فاتن ” ؛ فأذعن للأمر في النهاية رغم اعتراضه الشديد في البداية .. ثم أمره بأن يطلق ” فاتن ” فأذعن للأمر وطلقها .. ثم أمره بالزواج من ” جواهر ” .. ( زوجة المغدور محمود ) فأذعن للأمر وتزوجها ..
وحتى بعد تنفيذ كل تلك الأمور ( مكرهاً ” دهشان ” لا بطل ) فإن ” النحس ” ظل يلازمه وحتى النهاية .

• جابر :
.. يمثل الشخصية الانتهازية السلبية المتسلقة ؛ همه الأكبر في الحياة كان منصبّاً على ” الجنس ” والمادة .. ولم يكن يؤمن بشيء اسمه ” الحب ” اللهم سوى ( حب الجنس والمادة ) .. ولم يقدم على الزواج من ” فاطمة ” إلا كوسيلة للوصول إلى الهدف والغاية ( المادة ) … فكان ذلك الزواج بمثابة ” الجسر ” . ” الكوبري ” للعبور والوصول إلى ما يصبو إليه ويهدفه ويفكر فيه ليل نهار .. المادة … الأموال … المنصب ..
شخصية ” جابر ” شخصية مميزة بالفعل .. تصور ” الانتهازية ” بأجل صورها .. التسلق .. حب المصلحة الشخصية وحب الذات “الأنا ” .. ” النرجسية المطلقة ” .
شخصية ” جابر ” تميل إلى ” الفوضوية ” .. ” اللامبالاة ” و ” العبثية ” .. في كل شيء … علاوة على كونه ” انتهازي ومتسلق ” لا يرى الأمور سوى بمنظاره السلبي من خلال المصلحة الذاتية الشخصية فحسب بعيداً عن المبادئ والقيم والأخلاقيات والمثل العليا .. فهو لا يعترف بمثل هذه الأمور وليس لها موضع في قاموسه الغريب .
وكأنه لم يكن مدرجاً في قاموسه الخاص الغريب سوى النهم ” للجنس ” والجشع ” للمادة ” فحسب .. علاوة على ” المكر والخديعة واللؤم ” و ” الدس والوقيعة والحسد ” والذي كان يقوم دوماً بدور ” المتسلق ” .. ” المتشعلق ” صاحب المظهر الكاذب الخادع .. ولكنه من الداخل كان ” مفرغاً ” يحاول أن يعوض عيوبه الجمة بالمزاح والهزل والألفاظ السوقية النابية الخارجة عن حدود الذوق والأدب .
لن أظلم الرجل ” جابر ” بتصويره بـ ” الانتهازي ” .. الذي يحاول الاصطياد في المياه العكرة ؛ والذي يحاول أن يخرج من ثوبه لكي يرتدي ثوباً ليس على مقاسه .. ثوباً فضفاضاً واسعاً لا يناسبه .. فهو من البداية وحتى النهاية يحاول أن ” يجير ” كل الأمور لصالحه فحسب .. رغم أنه ليس كفؤاً لأي منصب أو مكانة ؛ فهو ليس مهيئاً لتقلد أي منصب على الرغم من محاولاته ( العقيمة ) بإثبات الذات بأي طريقة كانت .
وفي مرحلة متقدمة ؛ وصلت به الأمور إلى درجة ” الخيانة الزوجية ” .. وعلى فراش الزوجية ؟؟ .. ( حتى ولو كانت تلك الخيانة عل شكل زواج شرعي ” سري ” فهي في النهاية خيانة .. وطعن بخنجر مسموم لشريكة حياته ) .

• الأب ( عبد الجبار محمود الماجدي ) ” أبو محمود ” :
( مركز الكون ) .. ( مركز الدائرة ) ..
وجدتني أردد هذه العبارات والصفات – بيني وبين نفسي – وأنا أطالع أحداث الرواية .
فلقد كان الرجل يمثل ” الحاكم بأمره ” .. ” السيد المطاع ” والذي يجب أن يقدم له الجميع بلا استثناء ” فروض الطاعة ” .. الطاعة المطلقة بدون قيد أو شرط .. وبدون أي نقاش .. فكل طلباته ( أوامر ) واجبة التنفيذ لا جدال فيها .
لقد رأيت من جانبي في شخصيته ( سي السيد ) الفلسطيني الذي يضاهي ( سي السيد ) المصري الشهير .. والذي يمثل تلك الشخصية ( التسلطية ) والتي تصل إلى درجة ” الديكتاتورية المطلقة ” .
” عبد الجبار ” يحمل بين جوانحه شخصية متناقضة .. ويحمل شخصية ضبابية هيلامية يحيط بها الغموض .. وتدور حوله الكثير من علامات الاستفهام .. كتورطه بمقتل ” سليمان ضاهر الحمود ” والد ” عبد الكريم ” .. ومن ثم الاستيلاء على زوجته الجميلة .. علاوة على تلك الشبهة القائمة بتورطه بالتعامل مع العدو المحتل .. علاوة على أنه كان يقوم بالكيل بمكيالين أحدهما من ذهب والآخر من معدن رخيص بخس .. في كل الأمور .. وليس هناك من أدق وأوضح دليل على ذلك من حالة أبنائه الأشقاء ” محمود ودهشان ” .
ويبدو بأن ( عبد الجبار ” أبو محمود ” ) قد دفع حياته ثمناً غالياً في النهاية لما اقترفه من ذنوب جمة من جملتها ما فعله في حق ( سليمان ضاهر الحمود ؛ والد ” عبد الكريم ” ) والذي كان قد قام بالمشاركة وتنفيذ قتله غيلة ووصمه بتهمة التعامل المشبوه مع العدو المحتل قبل عدة سنوات خلت .. ومن ثم الاستيلاء على زوجة القتيل الجميلة ( تحت ذريعة وغطاء الزواج ) ..
وكان الثمن غالياً .. بل غاليا جدّاً بالفعل .. بذلك الانتقام الرهيب ” والثأر ” الذي قام به ” عبد الكريم ” النجل الأكبر للقتيل ثأراً لمقتل والده ( سليمان ضاهر الحمود ) ..
لم تكن عملية ” الثأر ” التي قام بها ” عبد الكريم ” عملية ” ثأر ” محدودة .. فلقد تشعبت الأمور بشكل غريب … فلقد تعدى الأمر إلى قتل ” أبو محمود ” معنويّاً قبل قتله جسديّاً .. وذلك بقتل أقرب الناس وأحبهم إليه ” محمود ” .. فكأن القاتل هنا كان يقوم بعملية ” الانتقام المزدوج ” .. ” الثأر المزدوج ” – لعل أحدهما ثأراً لمقتل أبيه والآخر انتقاماً لشرف أمه – .. وذلك إمعاناً في الثأر والانتقام .
عملية الانتقام والثأر كانت بمثابة الصاعقة المفاجئة الصادمة .. والتي أدت إلى خلط الأوراق بشكل عنيف وصادم .. والتي قلبت الموازين والحسابات رأساً على عقب .. وتغيير المسارات والانعطافات بشكل حاد وغريب .

• محمود : ” الابن الأكبر لـ ” عبد الجبار ” :
ويمثل الشخصية التسلطية العنيفة .. والشاب الصارم القويّ والذي ورث الكثير من العنف والتسلط عن أبيه ( كبير العائلة – سي السيد الغزيّ ) وكأنه يطبق المثل الشائع ( خير خلف لخير سلف ) ؛ ولكن وكما يبدو ( لم تأتِ الرياح بما يشتهي ” محمود ” ) أقصد السِفن .. ” الربان ” .. قائد السفينة .. فلقد تم وأد طموحاته الكبيرة في أن يكون الوريث والخليفة لوالده في المكان والمكانة .. وذهبت أحلامه أدراج الرياح وذهب هو ضحية ” الثأر ” والانتقام .
فلسفة القاتل ” عبد الكريم ” كانت فلسفة غريبة حقّاً ؛ تقوم على مبدأ ” الانتقام الكبير ” أو ” الانتقام الرهيب ” القائم على أساس عدم الانتقام المحدود من القاتل وحده فحسب .. ولكن الأمر تعدى ذلك إلى قتل ” أبو محمود ” معنويّاً في البداية .. – ثم موته جسدياً فيما بعد – ؛ والقتل الفعلي لأقرب الناس وأحبهم إليه ” محمود ” ، فكأن القاتل كان يقوم بعملية ” الانتقام المزدوج ” .. ” الثأر المزدوج ” إمعاناً في الثأر والانتقام .. وكأن المثل الدارج قد انطبق عليه ” الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون ” .
عملية الانتقام والثأر تلك كانت بمثابة الصاعقة الصادمة المفاجئة والتي أدت إلى عملية ” خلط الأوراق ” بشكل عنيف .. والتي أدت إلى ” قلب الموازين ” وتغير المسارات والانعطافات بشكل حاد وغريب .
الملاحظ من خلال النص بأن ” محمود ” لم يكن طرفاً إيجابيّاً محبّاً ومتزناً ؛ أو محايداً على الأقل .. بل كان منحازاً وبشكل غريب إلى النزعة العدوانية والتسلطية والتي وصلت إلى حد الاعتداء الشنيع المباشر على أخيه ” دهشان ” بمشاركة الأب في عملية الضرب المؤلم المبرح لـ ” دهشان ” .. مما تسبب في الألم النفسي الرهيب لـ ” دهشان ” .
كان محمود يمثل الامتداد الطبيعي للإمبراطورية … أو الملكية التي انفرد بها ( عبد الجبار” أبو محمود ” ) والذي كان يهيئ نفسه ويدربها على المنصب الجديد ليخلف والده في قيادة ” الإمبراطورية ” .
ويبدو بأن الكاتب قد أوحى – بطريقة ما – إلى انتهاء ” النظام الملكي ” و ” الإمبراطوري ” عندما يقوم الشعب بالانتقام والثأر بالقضاء على ” الإمبراطور ” .. أو ” الملك ” بغض النظر عما ستؤول إليه الأمور .

• ماري نورمان :
هي المرأة التي تمثل الدم الإنجليزي – ولن أقول الذي يتميز بالبرود – لأنها كانت كتلة ” ضخمة ” من نار ولهب متأجج .. خاصة في ذلك الحب الملتهب الذي دار بينها وبين ” دهشان ” .
المرأة ” ماري ” في حد ذاتها كانت امرأة ضخمة وعظيمة .. ضخمة وعظيمة في الشكل والقوام – الجسد الضخم بكل المقاييس طولاً وعرضاً ” .. والجمال . فهي ذات مقاييس غير مألوفة بين النساء الغربيات بشكل خاص ..
ضخمة وعظيمة في أمر ثقتها بنفسها وأسلوب تعاملها مع الآخرين ..
وهي ضخمة وعظيمة ؛ معطاءة في الحب الكبير الذي وهبته للعاشق المتيم بها ” دهشان ” .
كما أنها كانت ضخمة وعظيمة في مدى تفانيها بالحفاظ على مشاعر ” دهشان ” العاشق المتيم .. وإخفاء سر مرضها عنه وسر الاختفاء من حياته للأبد … فقد آثرت الانسحاب من حياته بصمت وهدوء كي يظل حبها الكبير في قلبه ناصعاً مشرقاً – رغم ما فيه من الألم والمعاناة – ولم تشأ أن تطلعه على سر وضعها وإصابتها بالمرض الخبيث القاتل .
.. ثمة خاطرة غريبة طرأت إلى ذهني ؛ بأن هناك ثمة إيحاء معين من الكاتب الروائي – قصده أو لم يقصده – بأن هذه المرأة “البريطانية ” الضخمة العظيمة .. تمثل ” الإمبراطورية البريطانية ” في أوج مراحل مجدها .. والتي كان مآلها إلى الزوال وتحولها إلى ” الإمبراطورية العجوز ” .
وثمة كلمة حق تقال في حق ” المرأة البريطانية ” تشهد لها وبجدارة في الوفاء وكتمان السر والمحافظة على مشاعر من أحبته وعشقته .. رغم أنها كانت – بطريقة أو بأخرى – السبب المباشر لطرد وفصل ” دهشان من العمل الوظيفي ؟؟ .
وثمة ملاحظة أخيرة ؛ فقد شعرت بأن ” السيدة البريطانية ” كانت تمثل الجسم الغريب للمحتل ( الصهيوني البريطاني ) في جسد ” المجتمع ” المحلي .. ( الغزي – الفلسطيني ) تحت ستار الحب .. ولكنها لم تستطع أن تحصل على ما تريده ولم تحقق هدفها .. فآثرت الانسحاب والانطواء على نفسها .
( وهذا هو نفس الحال الذي آلت إليه ” بريطانيا ” التي كانت ” بريطانيا العظمى ” ذات يوم ).

• فاتن :
( ابنة زوجة عبد الجبار ” بالتبني ” ) وهي ابنة المغدور ” سليمان ضاهر الحمود ” والتي كان قدرها أن تتزوج من ” دهشان ” بموجب ” أمر ملكي ” أو لعله ” فرمان سلطاني ” ؟؟ صدر عن الباب العالي ” عبد الجبار ” أبو محمود ” .
حقّاً بأن ” دهشان ” قد مس كرامتها في البداية عندما رفض الزواج منها بحجة أنها ” أخته ” في التربية ” هذا من الظاهر ” أما من الباطن ؛ فهو لا يحبها ولا يميل لها ولا يستسيغ أن تكون له زوجة .. ولا يستسيغ أن يكون الزواج منها ( بالإكراه ) .. وبموجب “فرمان سلطاني ” .
وقد شعرت بأن كرامته قد مست فعلا عندما قام والده ( زوج أمها ) بضربه بقسوة وطرده ” بمساعدة ومشاركة محمود ” ؛ ولكنها شعرت حينها بشيء من التشفي وإعادة جزء من كرامتها المهدرة .
وشعرت باسترداد باقي الكرامة المهدرة بالكامل ؛ عندما وافق ” دهشان ” و ” رضخ ” أخيراً للموافقة على الزواج منها .
فقد تزوجها بموجب ” فرمان سلطاني ” صدر عن أبيه .. تماماً كما طلقها لاحقاً بموجب ” فرمان سلطاني ” صدر عن أبيه في النهاية .
لقد شعرت بأن شخصية ” فاتن ” كانت ظالمة ومظلومة في نفس الآن ؟؟!! .
فهي من ناحية كانت ” ظالمة ” .. ظالمة الحسن ؛ طاغية الجمال ..
وكانت ظالمة لنفسها بالموافقة على الزواج من رجل لا يحبها ولا يريدها زوجة له ” دهشان ” .. فهي بالنسبة له مجرد ” أخت ” فحسب .
ظالمة أيضاً للرجل الذي أكره إكراهاً على الزواج منها وأجبر إجباراً على العيش معها .
ظالمة لأنها ظلمت ” دهشان ” بإفشاء السر الذي تسبب في ” الطلاق ” والتفريق بينهما .
مظلومة ؛ لأنها عاشت ” اليتم ” وعايشته ..
مظلومة بفقدان حنان الأب الذي قتل غيلة واغتيالاً .
مظلومة ؛ لأنها عاشت في كنف رجل ادعى الأبوة لها ( في الظاهر ) بينما هو ( في الباطن ) من قتل فيها ” الأبوة الحقة ” عندما قام بالمكيدة لأبيها وقتله غيلة .. ومن ثم الاستيلاء على زوجته الجميلة ( أمها ) .
مظلومة لأنها عاشت حرمان الأمومة والإنجاب ؛ تماماً كما هي كانت تعاني حرمان الزوجة من نيل أبسط حقوقها الزوجية كامرأة .
مظلومة ؛ لأنها كانت مطمع الرجال – خاصة جابر – ” أبو عين زايغه ” كما كانت تصفه هي والآخرين .
مظلومة ؛ لأنها تحملت العيش في كنف رجل لا يمنحها أدنى حقوق الزوجية الشرعية ولوقت طويل .
مظلومة لأنها كانت ضحية ” الطلاق ” تماماً كما كانت ضحية ” الزواج ” .
ثمة موقف لست أدري أهو يحتسب لـ ” فاتن ” أو أنه ” يحتسب عليها ” .. ذلك الأمر الذي تدخلت فيه أثناء العراك والشجار الذي دار بين ” زوجها الجديد جابر ” من ناحية .. و” زوجها السابق دهشان ” وشقيقته ” فاطمة ” من الناحية الأخرى .. وقد انحازت بصورة سافرة لصالح ” جابر ” ضد ” دهشان ” و ” فاطمة ” وقامت بضرب ” دهشان ” بآنية صلبة على رأسه مما أصابه بإصابة مباشرة وبحالة إغماء شديدة حسمت الشجار لصالح ” جابر ” … وهو ” دهشان ” في الحقيقة ” الحلقة الأضعف ” أمام خصمه القوي ” جابر ” .. وهو ” دهشان ” الذي كان ” زوجها السابق ” .. وهو بمثابة الأخ لها .

إن اقتصار الأمر على ذكر هذه الشخصيات فحسب .. لا يعني بالضرورة إهمال بقية الشخوص الأخرى .. فلقد كان لها دورها الهام في النص الروائي .. ولكن المقام هنا لا يتسع لذكر كل شخوص الرواية .

ثمة قضية عويصة تطرق إليها الروائي من خلال نصه الإبداعي .. ألا وهي قضية ” الثأر ” .. ” سيئة الذكر ” ؛ التي ما زالت تفرض وجودها حتى في عصر التحضر والحضارة والعولمة .
في النص الروائي موضوع ” القراءة ” كانت عملية ” الثأر ” مفاجئة للجميع .. سواءً لشخوص الرواية أو للقراء ( المتلقين ) .
فلم يكن في الحسبان حدوث مثل هذا الأمر الذي قلب الأمور والموازين رأساً على عقب .. وبشكل ” دراماتيكي ” .
واضح بأن عملية ” الثأر ” التي قام بها ” عبد الكريم ” ضد ” عبد الجبار وولده محمود ” والتي قامت على الشبهة غير المؤكدة ؛ بمقتل أبيه والتي ليس لها دليل قاطع بإدانة ” عبد الجبار ” أبو محمود ” بتورطه بمقتل والده قبل عشرات السنين بحجة واهية واستيلائه على زوجته الجميلة ؛ والتي كان من نتائجها انفراط عقد العائلة وتناثره وانتهائه وضياعه إلى الأبد .

خاتمة :
.. ثمة مشهد جديد حل محل مشهد قديم ذو دلالة معينة وإيحاء معين .. ذلك المشهد الذي آلت إليه ” المضافة ” من تلاشٍ وأصبحت في حكم الماضي والعدم .. لكي تصبح ” المضافة ” ذكريات من الماضي فحسب .. ليحل محلها ” مرسم دهشان ” ومكتبه .. وكأن هذا يؤكد نظرية وقانون ” الإزاحة ” و ” الإحلال محل ” وانحسار الأمر وانحصاره على شكل ” لوحة ” فنيه يقوم برسمها ” دهشان ” لـ ” المضافة ” .. ويعلقها في واجهة مكتبه ومرسمه الذي كان ذات يوم ” مضافة ” ؟؟!!
وكأني بالكاتب الروائي يعني بهذا المشهد .. عملية الانتقال النوعي ؛ والانعطافة الحادة ؛ والذي يعني بالضرورة ” نبذ الماضي ” القديم واستبداله بالحداثة .. والمتمثل في المرسم والمكتب والورود .

لن أعيب على الكاتب الروائي ( الإغراق الشديد ) في الوصف والتوصيف .. فلم تكن الإطالة والإغراق بالتحليل سوى من أجل خدمة النص .

لقد كانت ” الخاتمة ” .. أو ” القفلة ” .. أو ” النهاية ” مميزة بشكل تام ؛ وشعرت بأنها ( خروج عن النص ) ؛ فلأول مرة نرى “دهشان ” يبتسم .. يضحك .. يقهقه في آخر عبارة في النص الروائي … ( ها ها ها ها ها ها ) .. فهل هي ضحكات وقهقهات من لا يصدق بأن ” النحس ” و ” الشؤم ” وأيام النحس والشؤم قد انتهت وولت ؟؟؟ .
أم تراها ضحكات وقهقهات الفرح والسرور ؟؟!
أم تراها ضحكات وقهقهقات ( من يضحك أخيراً ) ؟؟!!
أم تراها ضحكات الجنون ؟؟!!

أم لعلها نهاية فصل من فصول الرواية .. لكي يبدأ فصلاً جديداً من نصوص ” رواية جديدة ” تبدأ من جديد .. فتكون الرواية التالية .. القادمة .. بعنوان :
” عندما تبتسم الأقدار ”
أو لعله :
” عندما تضحك الأقدار ” ؟؟؟!!!

.. وفي النهاية .. كان لدينا نصّاً أدبيّاً روائيّاً رائعاً وراقياً … يستحق القراءة .. و ” القراءة ” .

 

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.