رواية الإرهاب: كيف تدار أمنيا؟ – محمد باللعزيز

قفز هذا الاستنتاج/الاستفهام إلى روعي، وأنا أنهي رواية أصابع لوليتا (ط1 .2012 دار الآداب) لواسيني الأعرج، الذي كتب بدأب يغبط عليه، وبلغة شعرية بملمس الماء (الماء استعارته المفضلة)، وإن كانت عوالم الحكي في أغلب رواياته لا تخضع للتبديل إلا قليلا، فبطله المعتاد جزائري مثقف، مثقل بذاكرة وطن أدماه الاستعمار الفرنسي، ليتسلمه في عهد الاستقلال طبقة من قرصان السلطة، كفهم على الزناد، كلما بلغهم هسيس حرية، أو حفيف أوراق رواية، ما سيضطره للهجرة، (حافظ واسيني على المفهوم الكلاسيكي للبطولة، من حيث منسوب الحق الذي يمثله)، إلى فرنسا نجاة من انسداد سياسي، وهربا من مذبحة الإرهاب.

يبقى، إذن، عنصر الإرهاب أساسيا في تشكيل ثيمة النص الروائي عند واسيني الأعرج، مع الإشارة إلى تزايد الإقبال على تناوله روائيا، (أستحضر هنا الروائي المغربي محمد الأشعري في “القوس والفراشة”)، يقع هذا مزامنة مع التنادي الدولي بخطورة هذه الظاهرة، وضرورة التحالف لوأدها، وقد وجدت الأنظمة العربية في مواقعها لإرجاع الصدى لأولي الأمر من سدنة الإرهاب في الغرب. وإذ عودنا الخطاب الرسمي بالتعامل الساذج بل المتهافت مع هذه المشكلة، فإن اللافت هو التلقي الروائي المسلم بالرواية الرسمية كما تليت، من دون أن يكلف نفسه عناء تمحيص الحملة الوطنية.

لست، هنا، في وارد حض الروائي على الإعراض عن موضوع الإرهاب، أو فرض طريقة تناول، إنما المؤاخذة تتوجه إلى استعارة النظارة الأمنية التي تتعامل مع الإرهاب، كحالة مخيفة ومشوهة ومنعزلة عن أسبابها التاريخية، وهي تكره الثقافة وتكفر كل ممارسة فنية، فيونس مارينا (الشخصية المركزية في أصابع لوليتا)، ملاحق من جهات ظلامية، رأت في روايته عرش الشيطان إساءة لمقدساتها الدينية. وعلى الرغم من فاعلية الإرهاب في تنمية العمل السردي لا تحضر شخصية إرهابية كاملة الأوصاف، لتعيننا على تفكيك بنية العنف، فالضمير الذي يضمه يمر في الهوامش البعيدة المترصدة، وضمن خلايا نائمة، تنتظر فريسة كافرة. وهذا يكرس نوعا من الأنانية السردية في وصف العالم.

لم يسمح طول الرواية (501 صفحة، من القطع المتوسط)، التي توزعت بين الإرهاب وعالم الموضة وفن التشكيل، من الوقوف عند أصل ظاهرة العنف التي عمرت العشرية السوداء في الجزائر نتيجة انقلاب على محصلة عملية ديمقراطية، ضميمة إلى القفز عن شخصية المتطرف وبنائه السيكولوجي، وبيئته الحاضنة التي لقنته الاحتقار والقمع، صوب الإيحاء إلى وقوف الثقافة الإسلامية وراء هذا التشنج من حيوية الفن وتمرده عن الزواجر.

الإرهاب موضوع غير مطروق بما فيه الكفاية، ولم يحصل تفجير بنيته من الداخل روائيا، فاستسهال الكتابة في هذا الباب لاستدرار تعاطف الدوائر الثقافية، وغير الثقافية، في الغرب، أو لتأمين الرضى عند السلطات العربية، يفوت الفرصة الفنية على استكمال الإدراك بشروط وجوده، وكذا الإسهام في إشاعة البعد الإنساني التطهيري. فليست مهمة الروائي أن ينشر الدعاية للإرهاب ببراعة الحكي، فهذا استكمال لمعنى الإرهاب في تخويف الناس وإرعابهم. ولا أحسب أن الروائي العربي يخرج الإرهابي من احتمال القراءة، غير أن انتظاره الحارق منه (الروائي من الإرهابي) ليس أن يزحزحه العمل الأدبي من حالة العنف إلى السلم النفسي، بقدر ما ينتظر منه إصدارا لفتوى بالتكفير أو التفسيق، فالقتل، حتى يتسنى للروائي أن يحقق شيوعاً فنياً وإنسانياً، لم يحققهما بالكتابة وحدها، وهذا ما استنتجه الروائي العربي من تكريم دولي باذخ حظي به سلمان رشدي على روايته “آيات شيطانية”. وقد يفسر هذا، ذلك الانهماك الشديد بالاصطدام بمراكز الثقل الدينية من جهة، وكشف مزيد من الأفرشة عن مشاهد الجنس في غير ما حاجة من جهة ثانية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.