0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

نزار قباني

 

نزار بن توفيق القباني (1342 – 1419 هـ / 1923 – 1998 م)[2] دبلوماسي وشاعر سوري معاصر، ولد في 21 مارس 1923 من أسرة دمشقية عربية إذ يعتبر جده أبو خليل القباني من رائدي المسرح العربي. درس الحقوق في الجامعة السورية وفور تخرجه منها عام 1945 انخرط في السلك الدبلوماسي متنقلًا بين عواصم مختلفة حتى قدّم استقالته عام 1966؛ أصدر أولى دواوينه عام 1944 بعنوان “قالت لي السمراء” وتابع عملية التأليف والنشر التي بلغت خلال نصف قرن 35 ديوانًا أبرزها “طفولة نهد” و”الرسم بالكلمات”، وقد أسس دار نشر لأعماله في بيروت باسم “منشورات نزار قباني” وكان لدمشق وبيروت حيِّزٌ خاصٌّ في أشعاره لعلَّ أبرزهما “القصيدة الدمشقية” و”يا ست الدنيا يا بيروت”. أحدثت حرب 1967 والتي أسماها العرب “النكسة” مفترقًا حاسمًا في تجربته الشعرية والأدبية، إذ أخرجته من نمطه التقليدي بوصفه “شاعر الحب والمرأة” لتدخله معترك السياسة، وقد أثارت قصيدته “هوامش على دفتر النكسة” عاصفة في الوطن العربي وصلت إلى حد منع أشعاره في وسائل الإعلام. قال عنه الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة: (نزار كما عرفته في بيروت هو أكثر الشعراء تهذيبًا ولطفًا).

على الصعيد الشخصي، عرف قبّاني مآسي عديدة في حياته، منها مقتل زوجته بلقيس خلال تفجيرٍ انتحاري استهدف السفارة العراقية في بيروت حيث كانت تعمل، وصولاً إلى وفاة ابنه توفيق الذي رثاه في قصيدته “الأمير الخرافي توفيق قباني”. عاش السنوات الأخيرة من حياته مقيما في لندن حيث مال أكثر نحو الشعر السياسي ومن أشهر قصائده الأخيرة “متى يعلنون وفاة العرب؟”، وقد وافته المنية في 30 أبريل 1998 ودفن في مسقط رأسه، دمشق.

 

حياته:

ولد نزار في دمشق القديمة في حيّ “مئذنة الشحم” في 21 مارس/آذار عام 1923 وشبّ وترعرع في بيتٍ دمشقيّ تقليديّ لأُسرَةٍ عربية دمشقيّة عريقة. وبحسب ما يقول في مذكراته، فقد ورث القباني من أبيه، ميله نحو الشعر كما ورث عن جدّه حبه للفن بمختلف أشكاله. يقول في مذكراته أيضا، أنه خلال طفولته كان يحبّ الرسم ولذلك “وجد نفسه بين الخامسة والثانية عشرة من عمره غارقا في بحر من الألوان”، وقد ذكر أن سِرّ مَحبّته للجمال والألوان واللون الأخضر بالذات أنه في منزلهم الدمشقي كان لديهم أغلب أصناف الزروع الشاميّة من زنبق وريحان وياسمين ونعناع ونارنج. وكأي فتىً في هذا السنّ، ما بين سن الخامسة عشر والسادسة عشر احتار كثيراً ماذا يفعل، فبدأ بكونه خطّاطًا تتلمذ على يد خطّاط يدويّ ثم اتّجه للرسم وما زال يَعشقُ الرسم حتّى أن له ديوانا أسماهُ الرسم بالكلمات. ومن ثم شُغف بالموسيقى، وتعلّم على يد أستاذ خاصٍ العزفَ والتلحين على آلة العود، لكنّ الدراسة خاصة خلال المرحلة الثانوية، جعلته يعكف عنها. ثُمّ رسا بالنهاية على الشعر، وراح يحفظ أشعار عمر بن أبي ربيعة، وجميل بثينة، وطرفة ابن العبد، وقيس بن الملوح، متتلمذاً على يدِ الشاعر خليل مردم بِك وقد علّمه أصول النحو والصرف والبديع.

خلال طفولته انتحرت شقيقته وصال، بعد أن أجبرها أهلها على الزواج من رجل لم تكن تحبّه، وهو ما ترك أثرا عميقا في نفسه، وربَّما ساعد في صياغة فلسفته العشقيّة لاحقا ومفهومه عن صراع المرأة لتحقيق ذاتها وأنوثتها. ولم يكشف عن حقيقة هذه الحادثة باكرا بل قال أنها توفيت بمرض القلب، إلا أن كوليت خوري كشفت قصة الانتحار، وهو ما ثبت لاحقا في مذكراته الخاصة، إذ كتب: “إن الحبّ في العالم العربي سجين وأنا أريد تحريره”. يصف نزار حادثة الانتحار بقوله: “صورة أختي وهي تموت من أجل الحُبّ محفورة في لحمي.. كانت في ميتتها أجمل من رابعة العدويّة”. كما ارتبط بعلاقة قوية مع أمه.

عام 1939 كان نزار في رحلة مدرسية بحريّة إلى روما، حين كتب أول أبياته الشعريّة متغزلًا بالأمواج والأسماك التي تسبح فيها، وله من العمر حينها 16 عاما، ويعتبر تاريخ 15 أغسطس 1939 تاريخا لميلاد نزار الشعري، كما يقول متابعوه. وفي عام 1941 التحق نزار بكلية الحقوق في جامعة دمشق، وتخرّج منها في عام 1945. ونشر خلال دراسته الحقوق أولى دواوينه الشعريّة وهو ديوان “قالت لي السمراء” حيث قام بطبعه على نفقته الخاصة، وقد أثارت قصائد ديوانه الأول، جدلا في الأوساط التعليمية في الجامعة وقد كتبَ له مُقدّمة الديوان منير العجلاني الذي أحبّ القصائد ووافق عليها. وقد ذاع صيته بعد نشر الديوان كشاعر إباحي. وفي تعليقه حول صدور ديوانه الأوّل كتب:

نزار قباني  “قالت لي السمراء” حين صدوره أحدث وجعا عميقا في جسد المدينة التي ترفض أن تعترف بجسدها أو بأحلامها.. لقد هاجموني بشراسة وحش مطعون، وكان لحمي يومئذ طريا.

 

عمله:

تخرج نزار عام 1945 من كليّة الحقوق بجامعة دمشق والتحق بوازرة الخارجية السوريّة، وفي العام نفسه عُيّن في السفارة السوريّة في القاهرة وله من العمر 22 عاما. ولما كان العمل الدبلوماسي من شروطه التنقّل لا الاستقرار، فلم تطل إقامة نزار في القاهرة، فانتقل منها إلى عواصم أخرى مختلفة، فقد عُيّن في عام 1952 سفيرا لسوريا في لندن لمدة سنتين واتقن خلالها اللغة الإنجليزية ثم في أنقرة، ومن ثمّ في عام 1958 عيّن سفيرا لسوريا في الصين لمدة عامين. وفي عام 1962 عيّن سفيرًا لسوريا في مدريد لمدة 4 سنوات. إلى أن استقرَّ في لبنان بعد أن أعلن تفرغه للشعر في عام 1966، حيث أسس دار نشر خاصة تحت اسم «منشورات نزار قباني». بدأ نزار قباني بشكل بارز بكتابة الشعر العمودي ثم انتقل بعدها إلى شعر التفعيلة، حيث ساهم في تطوير الشعر العربي الحديث إلى حد كبير. تناولت كثير من قصائده قضية حرية المرأة، إذ تناولت دواوينه الأربعة الأولى قصائد رومانسية. ومن ثمّ تحوّل نحو الشعر السياسي بعد نكسة حرب 1967، وأصدر عدة قصائد لاذعة ضد الحكومات والأنظمة العربية عموما وضد حكم البعث في سوريا ومنها «هوامش على دفاتر النكسة»، و«عنترة» و«يوميات سياف عربي».

 

عائلته:

تنحدرُ عائلة القبّاني من أسرة عربيّة حجازية ترجع بنسبها إلى الإمام علي بن الحسين زين العابدين، ثم انتقلت إلى جهة العراق فأقام أجدادها فيها، وفي عهد الحروب الصليبية أقبل بعضهم إلى سورية، ثم تشعّبوا في بلاد الشام. والده هو توفيق القبّاني يملك مصنعا لإنتاج الحلويات والملبّس، كما شاركَ في المقاومةِ الوطنيّة ضد الانتداب الفرنسي، وكان منزله مكانا لاجتماع أقطابِ المعارضة الوطنيّة في العشرينيات من القرن المنصرم. وجدّه هو أبو خليل القباني الرائد المسرحي الشهير الذي أدخل فنّ المسرح إلى الأدب العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولدى نزار شقيقتين هما: وصال وهيفاء قباني. وثلاث أشّقاء هم: معتز ورشيد وصباح قباني الذي ترأس هيئة الإذاعة والتلفزيون السوريّة في ستينيات القرن العشرين، ثُمّ سفيرا لسوريا في الولايات المتحدة. والدته فايزة آقبيق من أصلٍ تُركي، وكان نزار متعلقا بها كثيرا، ويُقال أنها ظلت ترضعه من صدرها حتى بلغ السابعة من عمره، وتطعمه الطعام بيدها حتى بلغ الثالثة عشرة من عمره، حتى قالوا عنه إنه يعاني من عقدة أوديب. وكتب لها قصائد كثيرة يدمج فيها بين حنينه لدمشق مهده الأول وحنينه لأمه. وقصائده عن أمّه في ديوانه الرسم بالكلمات خير دليل على شغف الطفل بصورة الأم التي ألهمته في نصوصه.

تزوج نزار مرّتين، زوجته الأولى كانت ابنة خاله زهراء آقبيق وأنجب منها هدباء وتوفيق. وقد توفيّ توفيق عام 1973 وكان طالبا بكلية طب جامعة القاهرة في السنة الخامسة، والذي ترك الأثر الكبير في حياته، وقد نعاه نزار بقصيدة “الأمير الخرافي توفيق قباني” وتوفيّت زوجته الأولى في 2007. وكان زواجه الثاني من امرأة عراقيّة الأصل تُدعى بلقيس الراوي التقى بها في أمسية شعريّة في بغداد. ولكنها لقيت حتفها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية في حادث انتحاري استهدف السفارة العراقيّة في بيروت حيث كانت تعمل عام 1982. وقد رثاها نزار بقصيدته الشهيرة بلقيس التي قال فيها أن الجميع كان لهم دورٌ بقتلها، وقد أنجب منها ابنيه عمر وزينب ولم يتزوّج بعدها.

 

آخر سنواته ووفاته:

بعد مقتل زوجته بلقيس، غادر نزار لبنان وكان يتنقل بين باريس وجنيف حتى استقر في النهاية في لندن حيث قضى الخمسة عشرة عاما الأخيرة من حياته، واستمرّ بنشر دواوينه وقصائده المثيرة للجدل خلال فترة التسعينيات ومنها «متى يعلنون وفاة العرب؟» و«المهرولون».

في عام 1997 كان قباني يعاني من تردي في وضعه الصحي وبعد عدة أشهر توفي في 30 أبريل 1998 عن عمر ناهز 75 عاما في لندن. إثر أزمة قلبية. في وصيته والتي كان قد كتبها عندما كان في المشفى في لندن أوصى بأن يتم دفنه في دمشق التي وصفها في وصيته:

«الرحم الذي علمني الشعر، الذي علمني الإبداع والذي علمني أبجدية الياسمين».

تم دفن قباني في دمشق بعد أربعة أيام في باب الصغير بعد جنازة حاشدة شارك فيها مختلف أطياف المجتمع السوري إلى جانب فنانين ومثقفين سوريين وعرب.

مديح وذكراه:

قال النقاد عن نزار أنه “مدرسة شعرية” و”حالة اجتماعية وظاهرة ثقافية” وأسماهُ حسين بن حمزة “رئيس جمهورية الشعر”. كما لقبّه “أحد آباء القصيدة اليومية”: إذ قرّب الشعر من عامة الناس. الأديب المصري أحمد عبد المعطي حجازي وصف نزارا بكونه “شاعر حقيقي له لغته الخاصة، إلى جانب كونه جريئا في لغته واختيار موضوعاته”، لكنه انتقد هذه الجرأة “التي وصلت في المرحلة الأخيرة من قصائده “لما يشبه السباب”. الشاعر علي منصور قال أن نزار قد حفر اسمه في الذاكرة الجماعيّة وأنه شكل حالة لدى الجمهور “حتى يمكن اعتباره عمر بن أبي ربيعة في العصر الحديث”. وعن شعره السياسي قال حسين بن حمزة: “أذاق العرب صنوفا من التقريظ جامعا بين جلد الذات وجلد الحكام، في طريقة ناجعة للتنفيس عن الغضب والألم”.

له أيضا دور بارز في تحديث مواضيع الشعر العربي (الحديث) “إذ ترأس طقوس الندب السياسي واللقاء الأول مع المحرمات”، وكذلك لغته “إذ كان نزار مع الحداثة الشعرية، وكتب بلغة أقرب إلى الصحافة تصدم المتعوّد على المجازات الذهنية الكبرى. وقد ألقت حداثته بظلال كثيفة على كل من كتب الشعر، وذلك لكون قصائد نزار سريعة الانتشار”.

من ناحية أخرى، كانت قصيدته «خبز وحشيش وقمر» سببا بجدال ضخم انتشر في دمشق ووصل تحت قبة البرلمان، نتيجة اعتراض بعض رجال الدين عليه ومطالبتهم بقتله، فما كان منه إلا أن أعاد نشرها خارج سوريا، رغم ذلك فقد قررت محافظة دمشق تسمية الشارع الذي ولد فيه على اسمه، وقد قال نزار إثر قرار المحافظة:

نزار قباني  هذا الشارع الذي أهدته دمشق إليّ، هو هدية العمر وهو أجمل بيت أمتلكه على تراب الجنّة. تذكروا أنني كنت يوما ولدا من أولاد هذا الشارع لعبت فوق حجارته وقطفت أزهاره، وبللت أصابعي بماء نوافيره.

ويبقى أهم منجز لنزار قباني كما قال الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة هو أنه (نقل موضوع الحب من الوصف الخارجي إلى موضوع خاص في الشعر العربي الحديث حيث لا يشبهه أحد).

في عام 2008 وبمناسبة الذكرى الخامسة والثمانين لمولده، وتزامنا مع احتفالية دمشق “عاصمة الثقافة العربية” واليوم العالمي للشعر، طاف محبّو الشارع وشخصيات من المجتمع المدني وألقوا في الشوارع والساحات قصائد له “عن عشق دمشق”، كما قامت الأمانة العامة للاحتفالية بطبع كتاب تذكاري يؤرخ عنه بعنوان «نزار قباني: قنديل أخضر على باب دمشق» وهو من تأليف خالد حسين. كذلك تعمل وزارة الثقافة السورية على إعداد متحف خاص عنه، كما قامت شركة الشرق السوريّة بإنتاج مسلسل تلفزيوني عنه.

المصدر: ويكيبيديا-

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.