شبح الانتظار المميت – د. نورالدين الوكيل

بينَ طبيعة النّفس وتفكيرك قد تكون مسافة، ليست بالمدّة التي تنقضي مع كلّ ثانية تمرّ، ربّما أرواح تعتلي تلك النّفس كتطفلٍ جائر أو شريط أحلامٍ بماضٍ وحاضر، قد تنجو حينَ يقطع أفكارك شيئا ما، لكن ما إن تعدْ تلك الحالة مرةً أخرى؛ فتفقد صواب النّفس وتتذمّر من كلّ ما يحيطك، لا أنت نفسك ولا ترى الحياة من حولِك كما ينبغي. هذا لم يعد هلاكا فحسب، بل اقتسام الروح وتفتّت خلاياها؛ فتبدأ المعركة بين تلك الطبيعة، فتنشق عن الذات. لكن، من البطل الذي سَيُلاكم تلك الصراعات؟ إنّه شبح الانتظار يضجّ في خلايا العقل وينشطر إلى أشباح!
أُجزم بأنّ لا أحد ينجو من تلك الأشباح التي تهاجمنا في بعض اللحظات، وبالكاد لا أحد ينجو من حماقتِها، أحيانا قد تذيب التفكير، ولا نجيد علاجها، فتفتك بالنّفس، كأنّها ساعة الموت التي لا تعيدنا إلى التّوبة، إنّه الهلاك القاتل بسيفٍ حاد حين يُرفع على أيدٍ مُقيّدة، فالعين التي تواجه حينها، لكنّ ضعف الجسد قد يغلب على أمره؛ فتسقط تلك المعركة بالهزيمة.
لماذا تنزلق تلك السيطرة عن أنفسنا؟ وهل هذا الشبح العملاق يُخيف أرواحنا ويعتريها بالقوّة؟ قد يكون، إن زاغ النظر عن الحِكمة، وقد يُفرض إن لم تكن القوّة حليفة النّفس، هذا كلّه نتاج طبيعة النّفس وما بُنيت عليه، وما يؤمن به الإنسان وما يترتب على مذهبه في هذه الحياة. إنّها الحِكمة؛ البوصلة التي تقتاد بالبشريّة نحو السيطرة على الذات وتحكيمها نحو ما يجب لا كما تَتبع الأهواء.
“تتلخص كل الحِكمة الإنسانية في كلمتين: الانتظار والأمل”، تلك العبارة التي قالها الكسندر دوما، تدور حول الحِكمة. إذاً، إنّ للحِكمة عظمة تتجلّى في كيف ستصوغ الانتظار وتبتلع ألمه، وكيف ستبني الأمل الذي يُميت هذا الألم؟ لماذا الأمل، لأنّه النافذة التي تُطلعك على الحياة، هل فكرت كيف تنجو؟ إنّ ما تؤمن به يحتضنه الدماغ، ويبني تَطلعاته بناءً عليه، فالحل بيدك أنت، لكن كيف؟ شُرود العقل هو من أقْدَم على كلّ تلك الصراعات، فهو نتيجة أفعال أنت من أوجدتها وليس أحداث، إنّ بمقدورك أن توقف كلّ مجريات العقل التي تزعجك وتوهمك بلا شيء. فقط، تحتاج أن تقتل جميع الأفكار وتخلق فكرة واحدة هي من ستذيب جميع الآثار والندابات. قوتك محور حياتك التي إن امتلكتها بقناعةٍ سَتفرغ جميع ما يشوش عقلك من بقايا شبح الانتظار. إنّ ما يتم اعتقاده ينتج منّه الدماغ النبوءة التي ستسير عليه حياتك بناءً على اعتقادٍ سلبيّ أو ايجابيّ.
هل فكرت أن تخرج من هذا الوهم بما يُبعد عنك عواقبه؟ إنّ إيمان الإنسان بقضاء الله، ما هو إلا طوق نَجاة يبعث بِضيائه في جوفِ القلب وسَكينة الروح، لكنّ الظروف قد تحتاج إلى تابعٍ آخر. فقط، لتهتدي لحياةٍ قد تعتريها المثاليّة، هل خطر في بالك أن يكون الله ملجأك الوحيد؟ الذي إن لجئت إليه فكان لك الحفيظ الذي يحفظ نفسك من هلاك التفكير، هل تعلم بأنّ ما يمنعه عنك حفظا لك من كلّ مكروه، وما يؤخر مجيئه لحكمةٍ أنت تَجهلها. إذاً، إنّ لعطاءِ الله حِكمة، فَحسن تَصرف عقلك واضْبط حياتك. وأنت بين شتات النّفس في وقتٍ يجمعك مع الصباح أو المساء، لم تفكر بأن يكن ملجؤك الهروب إلى الأذكار من شبح الانتظار، ألم تجده نَجاة؟ لو أبحرت بمعنى كلّ كلمةٍ سَتجد أنّ الدعاء حاضرا، يبتغي قلبا خالصا، وإن أحسنتها كعادةٍ كانت لك برقيّة عيشٍ هانئ من لهيبِ ما أشعله الانتظار، لماذا لا تجعل من وقتك الذي ينقضي بقلبٍ مُتعب قراءةً للقرآن بنورٍ يفيض في روحك ويُحي مَوتها ويشرح مَحياها؟ هل يستفيض القلب من الحزنِ والله في نبضِه كما الحياة؟ هل يمرّ الوقت عليك وأنت في مكانٍ لا ترغبه؟ إذاً، قد تحتاج إلى ما ينعش أنفاسك المتقطّعة بكتابٍ يبلّ روحك وينهض بفكرك. فقط، تحتاج إلى فكرةٍ واحدة لتنيرَ طريقك وأحلامك بإخفاءِ ظلام شبح الانتظار.

مقالات ذات صلة