المغرب وصفقة القرن: فلسطين أم الصحراء – بلال التليدي

لم يكن يتوقع من الموقف الدبلوماسي المغربي أن يتجاوز السقف الذي تم التعبير عنه، فاللغة التي اختارها بلاغ وزارة الخارجية المغربية يعطي صورة عن إكراهات الموقف العربي، أو صورة عن حالة الضعف الشديد التي تعاني منه المعادلة العربية برمتها، فقد جمع هذا الموقف بين كل شيء، بين تثمين مبادرة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبين قدر كبير من التريث في الإعلان تفاصيل الموقف من هذه الصفقة، وإرجاء ذلك إلى حين دراسة مقتضياتها بالدقة اللازمة المطلوبة، وبين الاقتصار على بعض المبادئ المؤطرة للتفاوض بين الطرفين (تبني حل الدولتين، اعتماد أسلوب التفاوض باعتباره الأسلوب الأنجع للحوار)، وبين التأكيد على حساسية موضوع القدس، والإشارة لضرورة تلبية الحقوق الفلسطينية، ثم الجمع بين التأكيد على أهمية البعد الاقتصادي في المبادرة، وبين لفت الانتباه إلى أهمية البعد السياسي ومركزيته.
البلاغ بهذه اللغة يجمع كل شيء، يجمع تثمين المبادرة من حيث المبدأ دون التورط في الموافقة الضمنية على تفاصيلها، كما يتضمن من جهة أخرى نقد المقاربة التي اعتمدت فيها، والتنبيه على مركزية البعد السياسي والصفة التكميلية للبعد الاقتصادي فيها.
كما يتضمن في الجهة المقابلة تذكيرا بالثوابت والحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها وضعية، القدس وقضية حل الدولتين.
لا نريد الدخول في تحليل أكثر تفصيلا لهذا البلاغ، فجمعه بين هذه المتناقضات يكفي لأخذ صورة عن حدود المناورة التي يمكن أن تنتجها دبلوماسية عقلانية براغماتية مثل الدبلوماسية المغربية، التي تدرك صعوبة إنتاج موقف مقاوم حاد لصفقة القرن، وتدرك في المقابل، صعوبة نجاح هذه الصفقة في ظل رفض فلسطيني شديد لها.
لكن تفهم الطريقة التي اختارها وزير الخارجية السيد ناصر بوريطة في تجاوبه مع أسئلة نواب الأمة، أثارت كثيرا من الالتباس، وربما شوشت على هذا الموقف، وجعلته يدخل متاهات غير مرغوب فيها.
مؤكد أن التعاطي مع البلاغ السابق يقتضي فهم الطابع العقلاني والبراغماتي للموقف المغربي، وأن الأمر ليس محل مزايدات لفظية أو عاطفية، وأن الفلسطينيين ربما فهموا الموقف المغربي وسياق إنتاجه، وربما فهموا أكثر إشاراته ودلالاته البعيدة، لكن، ليس ثمة حاجة البتة إلى أن يتورط السيد الوزير في المقارنة بين فلسطين والصحراء، وأيهما يحتمل القضية الأولى للدبلوماسية المغربية، لاسيما وأن ثمة تقارير إعلامية إسرائيلية استندت إلى ما بثته القناة 13 الإسرائيلية، يتحدث عن صفقة ثلاثية تضم كلا من المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، يحصل بموجبها المغرب على اعتراف أمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء مقابل تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية، خاصة وأن المغرب لم ينف هذه الأخبار ولم يكذبها.
فالتصريح بكون الصحراء هي القضية الدبلوماسية الأولى وليست فلسطين، في سياق الرد، وإن كان القصد منه مفهوما، إلا أنه يخلق كثيرا من الالتباس، ويدخل للرأي العام المغربي ثنائية تقابلية كانت إلى عهد مضى مرفوضة شكلا وموضوعا، إذ لم يحصل البتة التعارض في ذهن المغاربة في الأولوية بين فلسطين والصحراء، وإثارته في هذا السياق الملتبس الذي تسربت فيه معطيات لم يتم التأكد من صحتها عن وجود مقايضة ما بين حل قضية الصحراء وبين التطبيع مع إسرائيل وبين تثمين صفقة القرن، يزيد الوضع التباسا، إذ لم يكن من اللائق أن يتم التورط في هذه المقارنة ولا الدخول في ترجيح الأولوية بين القضية الفلسطينية وبين القضية الوطنية في هذا السياق ولا في غيره.
ثم تأتي القضية الأخرى الأكثر التباسا في تصريح السيد بوريطة، وهو ما يتعلق بمقارنة الموقف المغربي بالموقف الفلسطيني، في سياق الرد عن بعض وسائل الإعلام التي انتقدت المغرب على خلفية موقفه من صفقة القرن، فمحالة اقتباس المقولة الفرنسية «لا يمكن أن نكون ملكيين أكثر من الملك» والنسج على منوالها في هذا السياق الملتبس، وإن كان القصد منها تنبيه الصحافة إلى المفارقة بين موقف الفلسطينيين الذي تقدم شكر المغرب، وبين موقف الصحافة المنتقد لموقف المغرب من صفقة القرن، إلا أنه يثير حساسية كبيرة، فمفهومه السياسي العميق أن سقف الموقف المغربي لا ينبغي أن يكون أعلى من سقف الموقف الفلسطيني نفسه، وهو ما يعني أن الفلسطينيين إذا اختاروا أن ينخرطوا في «صفقة القرن»، فلا يمكن للمغرب أن يعارض ذلك، في حين أن المعادلة تختلف، فالموقف الفلسطيني كي يبقى صامدا، فإنه يحتاج إلى حاضنة عربية إسلامية داعمة، ولا يمكن أن يعزل الموقف الفلسطيني، ويترك لنفسه يواجه المؤامرات الدولية، حتى إذا ما اضطر تحت واقع الحصار من كل جانب إلى قبول الصفقة، يتم الحديث عن أننا «لا يمكن أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم».
اللياقة الدبلوماسية، كما العقلانية والبراغماتية، تقتضي الحفاظ على مرجعية البلاغ، وعدم الانزياح عن حدوده، خصوصا وأنه يتضمن مساحة واسعة لإنتاج الأجوبة، فقضية الصحراء لا ينبغي بالمطلق أن يرد أي جواب عنها بارتباط بهذا السياق، فضلا عن عقد المقارنات، وتحديد الأولويات، فهذا هو المحظور الذي سيجعل الكثيرين يخوضون لعبة التأويل، وسيجد البعض في تقرير القناة الإسرائيلية 13، وفي تدوينات إيفانكا ترامب على التويتر مستندا لإشاعة تأويلات مغرضة تشوش على الموقف المغربي، وتنسبه للخيانة للقضية الفلسطينية.
على أن هناك قضية أخرى تدفع مثل هذه الالتباسات إلى الانتباه إليها، فثمة نقطة بالغة الخطورة والحساسية تتعلق بموقع المغرب من قضية القدس، فتمثلات المغاربة لهذا الموقع ديني أكثر منه سياسي، ورئاسة ملك المغرب للجنة القدس، تعطي شرعية دينية لهذه التمثلات، فالمغاربة يفهمون رئاسة الملك لهذه اللجنة بارتباط مع نظام إمارة المؤمنين، ويفهمون أن الاهتمام بقضية القدس يدخل ضمن مشمولات إمارة المؤمنين وظائفها، بحيث لا يتصور في المدى القريب أو البعيد أن يشارك المغرب في ترتيب أي وضع لا يراعي الحساسية الدينية للقدس، لأن ذلك يهدد جزءا من الشرعية الدينية للدولة، ومن ثمة، فعقد المقارنات بين القضية الوطنية وقضية فلسطين في هذا السياق ينبغي أن تراعي هذه الحساسيات، فالأمر مرتبط ومعقد وحساس، ولغة البلاغ تكشف ذلك، لكن تصريحات بوريطة تشوش عليه.

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة